
مش قادرة تقعدي وسط ناس ‘نظيفة’ وستات بتعرف تلبس؟ قولتلك من الأول القعدة دي مش شبهك، إنتي آخرك تقعدي في المطبخ قدام البوتاجاز، هناك بس بتحسي بكيانك.”
هناء وقفت مكانها، ضهرها ليهم، وكتفها بيترعش من كتمة العياط، لكن باهر مِرجمش ضعفها، وكمل وهو بيبص لنيرة وسامح كأنه بيعتذر لهم عن “المنظر” اللي معاه:
— “شوفتوا؟ ده اللي فالح فيه.. ‘قمصة’ العيال الصغيرين والهروب. اقعدي يا هناء كملي فضيحتنا، بلاش حركات ‘البيئة’ دي قدام نيرة وسامح. إنتي فاكرة إنك لما تمشي وتسيبينا هصعب عليكي؟ بالعكس، ده أنا لسه هبدأ السهرة بجد وأنا مش شايف وشك اللي بيجيب الهم ده.”
نيرة كانت بتبص لهناء من فوق لتحت بابتسامة شم,,اتة، وباهر لاحظ ده فحب “يزود العيار” عشان يرضي غرور نيرة أكتر، فزعق في هناء قدام الجرسونات:
— “خدي الولد واطلعي استني في العربية، وأوعي تفتحي التكييف عشان بنزين العربية خسارة فيكي وفي نكدك. وقبل ما تمشي، هاتي المحفظة من شنطتك عشان أدفع الحساب، أصلك حتى دي مش فالح فيها، شايلة المحفظة وكأنك شايلة كنز وإنتي أصلاً عايشة بفلوسي.”
هناء لفت وبصت له، عيونها كانت حمراء زي الدم، طلعت المحفظة وحطتها على التربيزة بإيد بتترعش، ومن غير ولا كلمة خدت ابنها وخرجت تجري وهي حاسة إن المطعم كله بيدوس على كرامتها مع كل خطوة.
باهر فضل قاعد مكانه، كمل سهرته مع نيرة وسامح وكأن شيئاً لم يكن، بالعكس، كان بيضحك بصوت أعلى ويوزع نظرات الإعجاب على نيرة بوقاحة، وسامح كان قاعد وشه في الأرض من كتر الخجل من تصرفات صاحبه.
بعد ساعة، نزل باهر العربية وهو بيصفر، فتح الباب وركب ولقى هناء قاعدة في الكنبة اللي ورا مع ابنها، وشها كان شاحب والدموع نشفت على خدها، بس عينيها كان فيها نظرة “جمود” باهر مشفهاش قبل كدة.
أول ما دور المــ,,ـــــوتور، قال بسخرية:
— “إيه؟ خلصتي وصلة النكد؟ يا رب تكوني ارتحتي وانتي مبهدلاني قدام الناس ومنكّدة عليا سهرتي.”
هناء ردت بصوت هادي جداً، هدوء مرعب:
— “طلقني يا باهر.”
باهر داس فرامل فجأة وبص لها في المراية بذهول، وبعدين ضحك بقهقهة عالية ملت العربية:
— “إيه؟ قلتي إيه؟ طلاق؟ انتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ انتي من غيري م,,اتسويش مليم، هتروحي فين يا مدام؟”
هناء بصت له في عينه من خلال المراية وقالت بكل ثبات:
— “مش مهم هروح فين، المهم إني مابقتش قادرة أتنفس وأنا معاك. اللي عملته فيا النهاردة قدام نيرة وسامح والناس ملوش غير معنى واحد.. إنك مابقتش شايفني بني آدمة أصلاً.
طلقني يا باهر، وروح اتجوز نيرة أو أي واحدة ‘نظيفة’ زي ما بتقول.”
باهر لقى الفرصة اللي بيحلم بيها جت لحد عنده، وفي لحظة “خسة” وقسوة، حب يكــ,,ـــــسرها أكتر:
— “بقى كدة؟ طيب يا هناء، انتي اللي اخترتي. وعشان تعرفي إني كنت مستني الكلمة دي بفارغ الصبر.. إنتي طالق! طالق بالتلاتة كمان، عشان ميبقاش ليكي رجعة تانية تعكري عليا حياتي.”
كمل كلامه وهو بيتحرك بالعربية بمنتهى البرود:
— “من الصبح تلمي هدومك وتروحي بيت أهلك، والولاد هاخدهم منك لما أتجوز الست اللي تملى عيني بجد، الست اللي تخليني فخور وأنا ماشي جنبها.. مش زيك.”
هناء مغمضتش عينها، ولا صرخت، ولا عيطت. حست بوجع في قلبها آه، بس حست براحة غريبة وكأن جبل انزاح من فوق ص,,درها. بصت لابنها اللي نايم في حــ,,ـــــضنها وهمست لنفسها:
— “الحمد لله.. السجــ,,ـــــن اتقفل، والذل انتهى.”
باهر ما كدبش خبر، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يرمي كل حمله وراه. بعد يومين بس من طلاق هناء، باهر كلم نيرة وطلب يقابلها في مكان هادي، وكان باين عليه إنه “باع القضية” تماماً وناوي يبدأ حياته اللي كان بيحلم بيها معاها.
نيرة كانت قاعدة ببرودها المعتاد، بتسمع لباهر وهو بيحكي لها إنه طلّق هناء وإنه مستعد يعمل أي حاجة عشان يكون معاها. نيرة بصت له بنظرة غامضة وقالت له:
— “باهر، أنت عارف إني بحب حريتي، والبيت اللي كله عيال ومسؤولية ده بيخنقني.. لو عايزني بجد، لازم حياتنا تكون ‘خفيفة’.. لا عيالي يربطوني، ولا عيالك يربطوك.”
باهر ريقه نشف وسألها بلهفة:
— “قصدك إيه يا نيرة؟”
نيرة ساندت ضهرها لورا وقالت بشرط قاسي:
— “أنا هطلب الطلاق من سامح، وهتنازل له عن حضانة الولاد، يعيشوا معاه ومع أهله، وأنا أعيش حرة. وأنت كمان يا باهر.. ولادك يروحوا لأمهم، تتربى فيهم وتعيش حياتها معاهم، وأنت تتكفل بمصاريفهم وبس. مش عايزة أدخل بيت ألاقي فيه ‘شــ,,ـــــبح’ هناء في عيالها.. عايزة نعيش لبعض، نخرج، نسهر، نسافر.. من غير قيود.”
باهر للحظة افتكر عياله، افتكر ضحكتهم في البيت، بس صورة نيرة “المبهرة” وجلسات التجميل والحرية اللي وعدته بيها كانت أقوى من أي غريزة أب.


