
أمه قالت
مراتك إيه علاقتها بالشركة؟
مازن قلب الصفحة.
وفي الصفحة الأخيرة..
كان توقيع مجلس الإدارة.
وتحت التوقيع
رئيس مجلس الإدارة والمالك المسيطر يارا عبد الرحمن.
البيت كله سكت.
فادية قالت
مستحيل.
مازن افتكر العربية.
افتكر السواق.
افتكر إنها قالت
بكرة الصبح هتستلم ورقة طلاقك.
ضحك بعصبية.
أكيد مزورة.
في نفس اللحظة، جاله اتصال من مديره.
مازن، تعالى الشركة فورًا.
ليه؟
لأن في مجلس إدارة طارئ.
وأنا مالي؟
صوت المدير ارتجف
الشركة اتغيرت إدارتها.
مين؟
سكت.
مدام يارا.
الموبايل وقع من إيده.
أمه بصت له.
يارا؟
مازن قال
هي مش فقيرة.
أخوه سأله
أمال مين؟
قال بصوت مكسور
هي صاحبة الشركة.
فادية قعدت على الكرسي.
الشركة اللي إحنا عايشين منها؟
هز رأسه.
أيوة.
والشغل اللي أبوك بيفتخر بيه؟
كله تقريبًا قائم على تعاقداتها.
أمه ضـ,ـړبت إيدها على صدرها.
يعني إحنا كنا بنعامل صاحبة الشركة كأنها خدامة؟
مازن ما ردش.
لأن الإجابة كانت واضحة.
في نفس اليوم، وصل لهم خطاب من محامي يارا.
لم يكن فيه ټهديد.
ولا شتائم.
ولا إهانة.
فقط جملة
موكلتي تحتفظ بكامل حقوقها القانونية والمدنية تجاه ما تعرضت له من اعـ,ـتداء وإهـ,ـانة، وتطلب عدم التواصل معها مباشرة.
وهنا بدأ مازن يفهم إن الموضوع أكبر من شركة.
هو ضړب زوجته.
والآن قد يواجه قضية جنائية أيضًا.
أمه حاولت تتصل بيارا.
المكالمة لم تُجب.
حاولت مرة ثانية.
لا رد.
وفي المساء، وصلت رسالة واحدة
لو عايزة تتكلمي، الكلام يكون عن طريق المحامي.
فادية اڼهارت.
لأنها كانت أول واحدة قالت
الست تخدم رجالة العيلة.
لكنها لم تكن تعرف إن الست التي أهانوها هي التي كانت تدفع رواتب جزء كبير من العيلة.
بعد يومين، عقدت الشركة اجتماعًا عامًا.
دخلت يارا.
هذه المرة لم تكن البنت التي تعرفها العيلة بملابس بسيطة.
دخلت ببدلة رسمية، ومعها فريقها القانوني.
وقف الجميع احترامًا.
واحد من الموظفين قال
مدام يارا، إحنا آسفين على اللي حصل.
ابتسمت.
أنتم مالكمش ذنب.
ثم نظرت إلى مديري الشركة.
من النهارده، مفيش حد يتوظف أو يتعامل مع الناس على أساس اسمه أو عيلته.
وسكتت لحظة.
الكفاءة هي المعيار.
ثم أضافت
والاحترام مش رفاهية.
في الخارج، كان مازن ينتظر.
حاول يدخل.
الحارس منعه.
عندي اجتماع مع مدام يارا.
الحارس قال
حضرتك مش على قائمة المواعيد.
أنا زوجها.
رد الحارس
الشركة قالت إن التواصل يكون من خلال الإدارة القانونية.
لأول مرة، مازن حس إن كل الأبواب اللي كان فاكرها مفتوحة..
اتقفلت في وشه.
بعد أيام، بدأ الوضع المالي لشركته يتأثر.
لكن يارا لم تتعمد إسقاطهم.
كانت فقط ترفض أن تنقذهم.
وده كان كافيًا.
الشركة اكتشفت إنها كانت تعتمد على تسهيلات غير مستدامة، وعلى علاقات شخصية أكثر من اعتمادها على إدارة حقيقية.
وبعد مراجعة الحسابات، ظهر وجود مخالفات مالية قديمة.
وهنا تدخلت الجهات المختصة.
التحقيقات أثبتت إن بعض أفراد العائلة كانوا بيوقعوا عقودًا بشكل غير قانوني، وإن فيه مبالغ تم تحويلها من الشركة لحسابات شخصية.
بدأت القضايا.
وبدأ كل واحد يدافع عن نفسه.
أما مازن، فكان عنده قضية منفصلة بسبب الاعـ,ـتداء على يارا.
وفي المحكمة، وقف أمام القاضي.
لأول مرة من سنين، لم يكن قادرًا على شراء الوقت أو الاحتماء باسم عائلته.
سأله القاضي
هل تعترف بالاعتداء؟
سكت.
وبعدين قال
حصل.
يارا كانت موجودة.
سمعته.
لم تشـ,ـمت.
ولم تبتسم.
فقط بصت له.
بعد الجلسة، وقف أمامها.
قال
يارا.
وقفت.
أنا غلطت.
عارف.
أنا كنت فاكر إنك…
سكت.
كنت فاكر إيه؟
إنك محتاجة لنا.
ردت بهدوء
وأنا كنت فاكرة إنك بتحبني.
دموعه نزلت.
كنت بحبك.
اللي يحب مش بيضـ,ـرب.
أنا ندمان.
الندم مش بيرجـ,ـع اللي حصل.
طب سامحيني.
بصت له طويلًا.
وقالت
أنا مسامحاك عشان أرتاح.
ثم أضافت
لكن المسامحة مش معناها الرجوع.
سكت.
ولا معناها إني أنسى.
ثم مشت.
أما فادية، فبعد شهور، جاءت إلى مكتب يارا.
لم تكن معها سيارات ولا حراسة.
جاءت وحدها.
وقفت أمام مكتب الاستقبال.
ممكن أشوف مدام يارا؟
يارا وافقت.
دخلت فادية.
كانت امرأة مختلفة.
لا صوت مرتفع.
ولا أوامر.
ولا غرور.
قالت
أنا جاية أعتذر.
يارا سكتت.
أنا ظلمتك.
أيوة.
وكنت فاكرة إن الفلوس هي اللي عملتك متكبرة.
الفلوس ما كانتش السبب.
أمال؟
يارا قالت
لأنك من البداية ما كنتيش شايفاني إنسانة.
فادية دموعها نزلت.
أنا آسفة.
يارا قامت.
أتمنى تكوني اتعلمتي.
فادية هزت رأسها.
وقبل ما تخرج، قالت
لو الزمن رجع..
يارا قاطعتها
ما ترجعيش الزمن.
ليه؟
عشان أنا اتعلمت.
خرجت فادية.
وبعدها بأشهر، أُغلقت الشركة العائلية القديمة بعد تراكم الديون والقضايا، وتمت تصفية بعض أصولها لسداد الالتزامات.
لكن يارا لم تستحوذ عليها.
ولم تأخذ بيوتًا منهم.
ولم تتركهم بلا مأوى.
هي فقط توقفت عن إنقاذهم.
أما مازن، فبعد انتهاء قضيته، بدأ حياة مختلفة تمامًا.
عمل في شركة صغيرة.
من غير سيارة فاخرة.
من غير حراسة.
ومن غير اسم عائلة يفتح له الأبواب.
وفي يوم، قابل يارا بالصدفة في أحد الأماكن.
وقف بعيدًا.
لم يحاول الاقتراب.
هي شافته.
وبعد ثواني، كملت طريقها.
لأن قصتها معه انتهت.
لكنها لم تنتهِ مع نفسها.
بعد سنة، أسست يارا مؤسسة لدعم النساء اللي بيتعرضوا للعڼف الاقتصادي أو الأسري.
وفي أول حفل للمؤسسة، وقفت على المسرح وقالت
أنا مش بحكي قصتي عشان أقول إن كل ست لازم ټنتقم.
بالعكس.
أنا بحكيها عشان أقول إن الإنسان لازم يعرف قيمته قبل ما يستنى حد تاني يعرفها.
وسكتت.
أنا دخلت بيت جوزي وأنا فاكرة إني لقيت عيلة.
وخرجت منه وأنا عرفت إن العيلة مش بالاسم.
العيلة هي الأمان.
والاحترام.
والرحمة.
ثم ابتسمت.
وأهم حاجة..
إن أي ست تتعرض للإهانة ما تفتكرش إن سكوتها ضعف.
أحيانًا السكوت بيكون مجرد اللحظة اللي الإنسان بيجمع فيها نفسه عشان يمشي.
بعد الحفل، ركبت سيارتها.
بصت في المراية.
الأثر القديم على خدها كان اختفى.
لكنها لم تنسَ.
ولم تعد بحاجة أن تنسى.
لأن تلك الليلة علمتها درسًا لن تنساه
إن الشخص اللي يمد إيده عليك مرة، مش محتاج فرصة تانية عشان يثبت لك إنه قادر يحبك.
وإن الشخص اللي يهينك لما يفتكر إنك ضعيف..
لا يستحق أن يعرف حجم قوتك أصلًا.
أما عائلة مازن، فكانت فاكرة إنهم طردوا بنت فقيرة من بيتهم.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
هم لم يطردوا خادمة.
هم خسروا المرأة التي كانت قادرة على إنقاذ شركتهم.
ولما عرفت العيلة الحقيقة..
كان الأوان قد فات.
أما يارا..
فلم تكن نهايتها في أن تجعلهم فقراء.
كانت نهايتها الحقيقية أنها خرجت من بيتهم وهي غنية بشيء أهم
كرامتها.
واحتفظت بفلوسها.
وباسمها.
وبعملها.
وبقلبها.
ولأول مرة في حياتها..
اختارت نفسها.
تمت


