
الست العجوزة بصت في الأرض بكسرة ودمعة محبوسة، ووطت راسها وقالت بصوت يقطع القلب: «أكلت لقمة كشك باردة يا بنتي من الشنطة.. مش عايزة أعمل مشاكل ولا أضايق حد في بيتكم.» مريم جريت على المطبخ وهي مش فاهمة، شافت السلسلة الحديد والقفل الكبير الملفوف حولين درفتين التلاجة ومقفول! وعلى باب التلاجة ورقة مكتوبة بخط يد أنعام بالجاف الناشف والعريض: «ابني هو اللي شارك في كل لقمة هنا.. الغرباء مالهومش أكل عندنا ولا يمدوا إيدهم على حاجة.»
وقلبت الورقة لقيت مكتوب في ضهرها بخط يقطر سم: «البيت ده في الآخر بتاعي وبتاع عيلتي.. اعرفي مقامك وقدرك ولا تتعدي حدودك!» أنعام كانت قطعت النور والكهربا من الس*كينة عن أوضة الضيوف، وخدت بعضها وراحت تقضي بقية اليوم وتتسامر عند ابنها الصغير إبراهيم. مريم ما صرختش، ما اتصلتش تشرشح وتعمل هيصة في الشارع، وما حاولتش تكسر القفل ولا تجيب شاكوش.. أخدت الورقة بكل هدوء حطتها في شنطتها، ومسكت التليفون اتصلت فوراً بمكتب المحامي !
أنعام ما كانتش تعرف إن الشقة دي معروضة للبيع بقالها شهرين، وإن خلاص جه مشتري ودفع العربون، وإن ميعاد التسليم ونقل الملكية الأسبوع ده بالظبط! في الليلة دي، إيهاب قرا الورقة بصدمة، وبص لحماته المكسورة، وقال جملة واحدة غيرت مجرى العيلة كلها: – «من بكرة الصبح نبتدي نلم عزفنا ونفضي البيت.. والمرة دي مفيش مخلوق هيوقفني.» أنعام كانت فاكرة إنهم في الآخر هيجوا يبوسوا إيديها ويعتذروا لها؛ ما اتخيلتش أبداً إن في أقل من 72 ساعة، هتنزل يافطة حمرا كبيرة على باب العمارة هتولع في العيلة كلها!
إيهاب نزل على ركبه قدام الحاجة فاطمة، ومسك إيدها وباسها وهو بيعتذر والدمعة في عينه. الست الطيبة حاولت تهون الموضوع وتعديه، زي ما أي أم بتعمل عشان ما تقومش حريقة بين ابنها وجوز بنته: – «يا بني بلاش مشاكل عشاني، ما تستاهلش.. أنا أركب الميكروباص وأرجع بلدي من الصبح وفضت ورسيت على كده.» زياد الصغير خرج من الأوضة، ونط في ح.ضن جدته فاطمة ومسك في وسطها وبدأ يعيط بدموعه: – «تيتا! أنتِ ما عملتيش حاجة وحشة! بلاش تمشي وتسيبينا بسبب تيتا أنعام!»
المشهد ده كان القشة اللي قطعت ظهر إيهاب وقضت على بقية صبره. مسك تليفونه، اتصل بأمه، وبصوت زي الرعد طلب منها ترجع الشقة فوراً. أنعام جات ورجليها تشيلها ومرحبة بالشر، ومعاها ابنها الصغير إبراهيم ومراته صابرين، جايين بتنطع وكأنهم هيصدروا حكم الإعدام! صابرين ضحكت بتريقة وسم: – «الضيف المحترم ما يمدش إيده على حاجة مش بتاعته ولا يطفح خير غيره!» وإبراهيم كمل فوق كلام مراته بقلة أصل: – «وبعدين دي شقة أخويا، والحاجة فاطمة دي من عيلة تانية مالهاش مطرح هنا!»
إيهاب رزع إيده على الترابيزة بفرقعة هزت الصالة: – «الشقة دي ملكي أنا ومريم! والحاجة فاطمة هي اللي ساعدت في ثمنها ومدت إيدها بالخير لما أنتم حتى ما فكرتوش تسألوا علينا ولا تقولوا كتر خيركم!» أنعام بدأت تعمل المأساة وتعيط دموع التماسيح وتصرخ: – «أهو! بيفضل حماته عليا وبيشتري غريبة وباع امه اللي ربت!» في اللحظة دي، الجار اللي في الشقة اللي قصادهم خبط على الباب.. كان شاف الحاجة فاطمة قاعدة في الصالة القريبة من المنور بقالها يجي ساعة عشان تهرب من الحر القاتل، وافتكرها شغالة غلبانة طردوها في الحر!
أم مريم غطت وشها بطرحتها من الخجل والكسرة. مريم وطت عليها وهمست في أذنها: – «حقك عليا يا أمي.. أنتِ تقدري تستحملي، بس أنا خلاص مش هستحمل ولا هسكت تاني!» أنعام أخدت إبراهيم وصابرين وخرجوا من الشقة وهما مقتنعين إن إيهاب هيلين في الآخر ويجي يبوس الأيادي ويعتذر. أول ما قفلوا الباب، مريم وإيهاب فتحوا الدوسيه اللي كان مستخبي في الدولاب بقاله أسابيع. الشقة كانت مبيوعة بالفعل! العقد كان متراجع ومكتوب عند المحامي ، وهما دفعوا مقدم شقة تانية أصغر شوية، جنب مدرسة زياد الصغير.
خطتهم الأصلية كانت إنهم يأجروا لأنعام شقة مفروشة لمدة 6 شهور على حسابهم، ويكملوا دفع مصاريف علاجها ودكاترتها.. ما كانوش عايزين يرموها في الشارع، هما بس كانوا عايزين يخلصوا من ابتزازها وقرفها اللي ما بيبقاش! وكانوا خايفين إن إبراهيم وصابرين يعلموا بالبيع، فيحاولوا يوقفوا البيعة أو يطالبوا بنصيبهم في الفلوس بلطجة. على مدار 3 ليالي.. كانوا بيخرجوا الشنطة ورا التانية؛ الأوراق الرسمية، الهدوم، الكمبيوتر، والذكريات المهمة. أما العفش الكبير، فكان داخل ضمن بيعة الشقة للمشتري الجديد.
وعشان يمنعوا أي خناقة جديدة في الشارع، مريم اتصلت بأنعام: – «تعالي يا حماتي.. نقعد ونتكلم بالهدوء.» أنعام رجعت البيت ومرفوعة الراس كأنها انتصرت، حتى إنها دخلت تتباهى قدامهم وتقول إنها هتقلب أوضة الحاجة فاطمة لأولاد إبراهيم عشان يجوا يقعدوا معاها! ولما شافت الكرتون والكراتين المترصصة جنب الباب، افتكرت إن مريم هتاخد أمها وتمشي كام يوم عشان “تتربى وتعرف قيمتها”! إيهاب حط الميدالية والمفاتيح على الترابيزة وقال بصوت هادي وتقيل:
