منوعات

بعد يومين

​بعد 48 ساعة بس من فرحنا، حماتي مشت الست فاطمة، الشغالة اللي شغالة عندهم في البيت بقالها 15 سنة. رمت المريلة في وشي على ترابيزة الاكل وقالتلي بنبرة مافيهاش أي احترام: — “من بكرة تصحي 6 الصبح. تحضري الفطار، وتشوفية النظافة، وتكوي الهدوم، وتساعدي في العشا. جه الوقت اللي تفهمي فيه مقامك وحجمك في العيلة دي.” ​أنست نفسي بتهزر! ​فيلة حمايا في التجمع الخامس كانت ثلاث أدوار، فيها حمام سباحة وجنينة وتكييفات مركزية وأوض تتوه، ومكنش فيها أقل من 4 شغاليين شغالين بانتظام.

​بصيت لجوزي سيف. ​كان قاعد في آخر الترابيزة ماسك موبايله وبيقلب فيه ببرود، رغم إن من يومين بس قدام اكتر من 200 عزومة في القاعة كان بيحلفلي إنه بيحبني وهنكون رأس برأس وسند لبعض. ​— “سيف! أنت ساكت ليه؟ مش ناوي تنطق؟” ​رفع عينه باستهتار وقال: — “يا مريم، أمي أسلوبها دغري شوية ومابتعرفش تجمل الكلام.. ماتاخديش الموضوع على أعصابك!” ​— “ما آخدوش على أعصابي؟!” شاورت على المريلة المرمية وزعقت: “دي لسه ممشية فاطمة وبتقولي اشتغلي بدالها!”

​حماتي، نادية الهواري، ضحكت بصوت عالي: — “ماتأفوريش يا حبيبتي.. محدش قالك اشتغلي خدامة، أنا بعلمك إزاي تبقي ست بيت وشايلة بيتك ومتربية.” ​في اللحظة دي جالي احساس بثلج بيجري في عروقي. ​الموضوع مكنش خناقة وليدة اللحظة.. ده كان متخطط له بالمليم! كانوا مستنيين لحد ما الفرح يخلص، ولحد ما نكتب الكتاب في المأذون ونبقى زوج وزوجة رسمياً، وعيلة الهواري تضمن إن المسألة بقت كارت أسود في إيدهم. الوشوش الحقيقية ظهرت في ثانية.

​قمت وقفت: — “هو أنا متجوزة سيف عشان نكون بيت، ولا إنتو جايبني هنا شغالة ببلاش بدل الشغالين اللي مشيتوهم؟” ​أخته ميادت تكركر بالضحك وهي قاعدة على الكنبة، ونادية وشها أحمر من الغضب وزعقت: — “اللي تدري عيلة الهواري وتدخل بيتنا لازم تعرف تخدم جوزها وعيلته!” ​بصيت لسيف تاني، مستنية منه أي رد فعل، إنه يقف، يدافع عني، يقول لأمه إنها عدت حدودها.. لكنه اتنهد بزهق وقال: — “مريم، بلاش تعملي دراما ونكد من أول يومين!”

​دي كانت القشة اللي قطعت ظهر البعير. ​طلعت الأوضة فوق، فتحت الشنطة اللي لسه مافضيتهاش كلياً، ولميت هدومي في أقل من 5 دقايق. وانا نازلة على السلم، سيف وقف في وشي: — “أنتِ بتعملي إيه؟” ​— “ماطرة.” ​— “بلاش جنان وهبل!” ومسك دراعي عشان يوقفني. ​زقيت إيده بقوة: — “لو عيلتك محتاجة حد ينظف ويكوي ويطبخ من 6 الصبح، نزلوا إعلان وظايف.. أنا متجوزتش عشان أشتغل عندكم.” ​نادية ض.ربت بيدها على الترابيزة وصوتها هز المكان:

— “لو مشيتي من الباب ده، رجلك مش هتدخل البيت ده تاني!” ​— “وده أحسن خبر سمعته النهاردة.” ​مشيت بالشنطة في اتجاه الباب الخارجي. ​وهناك، لقيت الست فاطمة واقفة جنب الحيطة، عينيها حمرة ومدمعة، ومربكة وهي ماسكة شنطة بلاستيك صغيرة فيها حاجتها. 15 سنة خدمة، ونادية أدتها 10 دقايق بس تلم فيهم حاجتها ورمتها بره. ​وانا معدية من جنبها، لقيتها وِطت فجأة عند الشنطة: — “حاجتك وقعت يا هانم.” ​أنا مفيش حاجة وقعت مني!

​لقيتها بتقرب من شنطتي وتتظاهر إنها بتصلح العجل، وحسيت بإيدها بتزق حاجة تقيلة جوه الجيب الجانبي للشنطة. بعدها وقفت، ووشها كان أصفر زي الليمونة، وبصتلي بصة ترعب. ​— “أمشي يا مريم هانم..” قيلتهالي بصوت واطي جداً وهي باصة للأرض: “..واوعي ترجعي هنا تاني.” ​اتسمرت في مكاني: — “في إيه يا فاطمة؟” ​فاطمة بصت ورايا بسرعة، كانت نادية نازلة في اتجاهنا.. فمالت على ودني وقالت وهي بترتعش: — “في جيب الشنطة فلاشة.. هما مرعوبين تتكشف. افتحيها وأنتِ تفهمي الحقيقة.. هما متجوزكيش عشان بيحبوكي، هما اتجوزوكي عشان حاجة تانية خالص!”

​ما لحقتش أسألها ولا كلمة. ​سحبت شنطتي وخرجت تجري للشارع، وأنا سامعة صوت سيف بينادي عليا من ورايا، بس مابصيتش ورايا ولا خطوة. ​قعدت في عربية كباسي اللي طلبتها، وإيدي على جيب الشنطة، وجملة فاطمة بتزن في دماغي زي الجرس: “هما متجوزكيش عشان بيحبوكي.. افتحي الفلاشة وأنتِ تفهمي.” وصلت شقتي في المعادي بعد حوالي ساعة. سيف كان رانن عليا 17 مرة. وأمه نادية 6 مرات. وأخته ميادة بعتتلي مسج واحدة بس: “أنتِ مش فاهمة أنتِ عملتي إيه في نفسك!”

طَنشت كل ده، وفتحت الجيب الجانبي للشنطة. لقيتها.. فلاشة معدن صغيرة مالهاش أي معالم. مسكتها بين صوابعي، وفي ثانية، بدأت أفتكر مكالمات وقعدات من الشهور اللي فاتت كنت فاكراها مجرد كلام عابر. حماي، توفيق الهواري، كان دايماً بيسألني بتفاصيل غريبة عن شغلي. أنا بقالي 7 سنين شغالة في الالتزام والرقابة المالية ومكافحة المخاطر في بنك كبير.. شغلي كله عبارة عن مراجعة الهياكل الضريبية، وحسابات الشركات، والعمليات المشبوهة، ومين المستفيد الحقيقي من كل قرش يدخل أو يخرج.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى