
أخذتُ أنفاسي لبرهة وأنا أرقب أحمد واقفًا على درجات السلم، يرتجف كالورقة اليابسة تحت أضواء البوك.س الحمراء والزرقاء، وجهه مسحوب اللون وقد أدرك للتو أن الأرض الملساء التي كان يقف عليها انهارت بلمحة عين. لم يكن يعلم أن الورقة التي يد.سها شقيقي صبري تحت ذراعه لا تحتوي فقط على عقد ملكية الشقة، بل تضم داخل غلافها البلاستيكي غمامة سوداء ستق.تلع حياته من جذورها.
ركبتُ السيارة بجوار مريم، ومسكتُ يدها التي كانت لا تزال ترتجف، ليس خوفًا، بل من فرط الشحنة النفسية التي تف.جرت في صد.رها. صفا الصغيرة كانت قد استسلمت للنوم على صد.ر أمها، تُصد.ر أنفاسًا متق.طعة دافئة بعد أن غطيتها بجرينتي الثقيلة. انطلقت بنا السيارة في شوارع التجمع الخامسة الهادئة، والبرد يض.رب الزجاج الخارجي دون أن يجرؤ على اختر.اق الدفء الذي بدأ يسري في أوصالنا. قالت مريم وهي تنظر من الشباك للعلامات المضيئة في الطريق: “كنت فاكرة إن الدنيا خلصت يا أمي لما قفلت سعاد الباب في وشي.. كنت حاسة إني عر.يانة وماليش ضهر.”
رددتُ عليها بصوت هادئ، وعيناي على مرآة السيارة أراقب سيارة صبري التي تتبعنا: “ضهرك ربنا ثم أنا يا مريم.. الضعف اللي شفتيه في عينك الليلة دي هو آخر ضعف هسمحلك تحسيه في حياتك. أحمد وسعاد افتكروا إن السكوت طيبة، وماعنهمش خبر إن السكوت ساعات بيبقى استدراج.” وصلنا البيت، أدخلتُ مريم وصفا لغرفة النوم، دثرتُ الصغيرة في الفراش الدافئ، وقدمتُ لمريم كوبًا من الأعشاب الدافئة لتهدئة أعصابها. كانت تُسند رأسها على الحائط وعيناها زائغتان بين الشك واليقين، تسألني كل خمس دقائق: “هي الشقة بجد باسمي يا أمي؟ مش أحمد كان بيقول إنه سدد القرض وخلاها مناصفة؟”
ابتسمتُ بمرارة وأنا أربد على كتفها: “أحمد كان بيخدعك عشان تطمني وما تسأليش في الأوراق.. القرض اللي خده باسمك هو اللي دبسه، ولما تعثر في السداد، البنك رفض يغير الملكية أو يدخل اسمه إلا لما يدفع المديونية القديمة، وهو طبعًا أخد الفلوس وصرفها على الشاهيناز اللي كانت عنده جوه.” في تلك اللحظة، دخل صبري المكتب، ووضع الدوسية الأزرق على الطاولة الزجاجية، وأخرج منه حزمة أوراق أقدم نسبياً، بها أختام بيضاء وسوداء وتوقيعات تبدو للوهلة الأولى مألوفة، لكن تدقيقًا بسيطًا يكشف المأساة.
جلس صبري أمامي، ونظر لمريم وقال بنبرة حازمة: “مريم.. كفاية عياط وركزي معايا. الليلة دي مش نهاية المشكلة، الليلة دي بداية الحر.ب الحقيقية. أحمد مش بس خانك واستولى على بيتك، أحمد استغرق في التزوير لحد أذنيه.” فتحت مريم عينيها بذهول: “تزوير إيه يا خالو؟”
سحب صبري ورقة ملونة من الملف وقدمها لها: “دي صورة رسمية من طلب سحب كارت ائتماني وقرض شخصي بقيمة 850 ألف جنيه من بنك استثماري كبير، التوقيع اللي تحت ده باسمك أنتِ يا مريم، والرقم القومي رقمك.. بس البصمة والتوقيع حيين ومكتوبين بخط أحمد نفسه! هو زوّر توقيعك واستغل صورة بطاقتك اللي كانت معاه في البيت لما عملتم ورق التامين الصحي لصفا.” شهقت مريم ووُضعت يدها على فمها: “هو يعمل كده؟! يلبسني ديون بقريب مليون جنيه؟!”
تدخلتُ في الحديث بصوت صارم: “مش بس البنك ده يا مريم.. الملف ده فيه كمان كشوفات من شركتين تمويل عقاري مباشر، أحمد سحب بضائع وأجهزة كهربائية باسمك وبيبيعها لحسابه عشان يغطي مصاريفه على رقية وعلى سهراته.. والبنوك بقالها شهرين بتبعث إنذا.رات على عنوان بيتي أنا، عشان ده العنوان القديم اللي في بطاقتك قبل الجواز! أنا خبيت عليكِ عشان أجمع كل خيوط الجر.يمة في إيدي، والنهارده لما سعاد زقتك في الشارع، كشفت لي إن الوقت حان عشان المشنقة تلتف حوالين رقبتهم.”
مرت أربعة أيام، وكان الهدوء الذي يسبق العاصفة يخيم على منزلنا. أحمد حاول الاتصال بمريم عشرات المرات، وأرسل رسائل يرجوها فيها أن “تتكلم بعقل” وأن “الموضوع مجرد سوء تفاهم ولحظة شيطان”، كما تدخلت بعض أطراف العائلة للوساطة. لكن ردنا كان واحدًا: “الحديث سيكون أمام النيابة.” في صباح يوم الأحد، توجهتُ برفقة مريم وصبري والمحامي الخاص بنا، الأستاذ فاروق، إلى مقر نيابة التجمع. كانت مريم ترتدي بذلة سوداء أنيقة، وقفت بصلابة لم أعهدها فيها من قبل. الشحوب الذي كان يكسو وجهها ليلة ديسمبر الماطرة تحول إلى حدة واستعداد للمواجهة.
في كواليس النيابة، كان أحمد يجلس على كرسي خشب يترقب، وحوله أمه سعاد التي بدا عليها الإعياء والتجاعيد أخذت تتضاعف على وجهها، ومعهم محامٍ يحاول تهدئتهم. عندما رأتني سعاد، قامت متخ.فية وراء ابنها وقالت بصوت متلجلج: “يا أم مريم.. احنا أهل، مش عشان حتة خلاف زوجي يوصل بينا الحال للنيامات والضباط! احمد ابنك ومريم بنتي..”
قا.طعتها بنظرة ثاقبة كالصلب: “ابني؟ الابن اللي يرمي لحمه في الشارع تحت المطر ويجيب واحدة مشبو.هة في شقة مراته ما يشرفنيش يكون ابن، والبيت اللي بنتك أط.ردت منه ده بيتها بالقانون.. والنهارده أنتِ مش جاية تدافعي عن شقة، أنتِ جاية تدافعي عن ابنك من حبس مش أقل من سبع سنين بتهمة التز.وير والتع.دي.” انقبض وجه أحمد، واقترب المحامي الخاص به متسائلاً بوجل: “تزوير إيه يا فندم؟ الموكل ينفي تماماً وجود أي شبهة تزوير، دي مجرد ادعاءات بسبب الخلافات الأسرية.”



