
فتح الأستاذ فاروق حقيبته الجلدية، وأخرج أصل التقرير المبدئي الصادر من خبير أبحاث التز.ييف والتز.وير بمصلحة الطب الشرعي، والذي كنا قد استصدرناه بطلب رسمي سابق بعد تقديم البلاغ الأولي. قال فاروق بابتسامة وثوق: “التقرير المبدئي أثبت إن البصمة الخطية على شيكات الضمان وأوراق القرض البنكي لا تمت لموكلتي الأستاذة مريم بصلة، وأن ينطبق عليها البصمة الخطية للأستاذ أحمد شخصيًا. ده غير محضر النجدة الصادر ليلة الأحد بتمكين موكلتي من الشقة وإثبات حالة الت.عدي والض.رب الموثق بفيديوهات كاميرات المراقبة الخاصة بالعمارة اللي أرفقناها في أسطوانة مدمجة.”
شحب وجه أحمد، واستدار لأمه بصوت مبحوح: “أمي.. الحقيني.. الأوراق دي جات منين؟” سعاد صرخت بصوت مكتوم: “أوراق إيه يا أحمد؟! أنت مش قلتلي إن كل حاجة سليم وأن مريم هي اللي ماضية بنفسها؟!” في هذه اللحظة، خرج سكرتير النيابة ونادى على اسم قضيتنا.
دخلنا جميعًا إلى مكتب وكيل النائب العام. كان رجلًا ثلاثينيًا حازم الملامح، أمام ملفات متراكمة. بدأ بالتحقيق مع مريم أولاً، وسألها عن تفاصيل ليلة طردها. سَردت مريم ما حدث بنبرة هادئة وموضوعية، دون أن تبكي ودون أن تظهر أي أثر للضعف. قدمت شهادة أجهزة الأمن، وشريط الفيديو الذي يظهر فيه أحمد وهو يدفعها بقوة على الدرج، وصورة رقية وهي ترتدي ملابسها داخل الشقة. ثم جاء دور أحمد.
حاول أحمد أن يلتف حول الأسئلة: “سعادة البيه، أنا وزوجتي بينا خلافات مالية، هي كانت موافقة على القرض عشان نصلح أوضاعنا، وأنا ما زورتش حاجة، دي توقيعاتها بس هي بتنكر دلوقتي عشان تن.تقم مني بعد ما عرفت إني ناوي أتجوز عليها!” وكيل النيابة حدجه بنظرة سردية حادة، ثم قال: “والسيدة رقية اللي كانت موجودة في البيت الساعة 11 بليل بملابس الزوجة، دي كانت جزء من إصلاح الأوضاع المالية برضه؟ والفيديو اللي بتزق فيه مراتها على السلم وتمنعها تاخد هدوم الطفلة؟”
أحمد ارتبك ولم يجد جوابًا: “أنا.. أنا كنت غضبان وهي اللي استفزتني..” مشي التحقيق بسلاسة قاتلة بالنسبة لأحمد. وكيل النيابة طلب حضور خبير التز.ييف والتز.وير رسميًا لمضاهاة الخطوط في الجلسة، وأمر بحبس أحمد 4 أيام على ذمة التحقيق بتهم التز.وير في أوراق رسمية وعرفية، والاستيلاء على أموال بدون وجه حق، والت.عدي بالض.رب على زوجته. عندما نطق وكيل النيابة بقرار الحبس الاحتياطي، انطلقت صر.خة مدوية من سعاد هزت أركان الممر: “ابني! أحمد! يا بيه استهدى بالله ده مهندس ومتربي!”
حاولت سعاد الإمساك بملابس مريم وهي تبكي وتترجاها: “يا مريم عشان خاطر صفا! بلاش تسجني أباها! يرضيكي صفا تتربى وأبوها ردس السجون؟!” نفضت مريم يد سعاد عن ثوبها ببرود تام، وبصت في عينيها وقالت كلامًا نزل كالصاعقة: “صفا لما تكبر، هتعرف إن أمها دافعت عن حقها وحق بنتها، وهتعرف إن أبوها هو اللي اختار يرميها في البرد عشان واحدة تسوى قرشين. أنتِ اللي عملتي فيه كده يا سعاد.. أنتِ اللي علمتيه إن مال الناس حلال وإن بنت الناس مالهاش أصل. ذنبه في رقبتك أنتِ.”
تم قيد أحمد بالكلبشات أمام أعين الجميع، واقتاده أفراد الشرطة إلى التخشيبة تمهيدًا لنقله إلى مركز الشرطة. كان ينظر للوراء بذهول، ورقية التي كانت تنتظر خارج القاعة لتفهم ما يجري، بمجرد أن رأت الكل.بشات في يديه وسجلت علمًا بحجم الديون والتهم، انسحبت بهدوء واختفت بين زحام الممر، تاركة سعاد تندب حظها وحدها على البلاط. مرت ثلاثة أشهر. انتقلت مريم وصفا للعيش في شقتهما بشكل كامل بعد أن تم تنفيذ قرار التمكين واستبدال كالون الشقة. أعدنا طلاء المكان، وتخلصت مريم من كل الأثاث والديكورات التي كانت تذكرها بذاك الماضي الأليم، واستبدلتها بألوان مبهجة تحاكي الحياة الجديدة التي بدأتها.
افتتحت مريم بمساعدة شقيقي صبري مشروعها الخاص في التصميم الداخلي، واستعادت شغفها الذي كان أحمد قد أطفأه على مدار ست سنوات من التهميش والإحباط. صفا دخلت حضانة جديدة، وعادت الابتسامة لتشرق على وجهها الصغير، ونسيت تلك الليلة المظلمة.
أما أحمد، فقد تدهورت أوضاعه بشكل دراماتيكي. القضايا لم تتوقف عند التزوير، بل إن البنوك بمجرد علمها بوجود تحقيقات رسمية، رفعت قضايا شيكات بدون رصيد وقروض متأخرة عليه، وصدرت ضد أحكام قضائية متتالية بلغ مجموعها أكثر من تسع سنوات. سعاد اضطرت لبيع شقتها الخاصة في المحلة لتغطية أتعاب المحامين وجزء من ديون ابنها لتقليل مدة العقوبة، وانتقلت للعيش في شقة بالإيجار في منطقة شعبية نائية، وحيدة ومك.سورة.
في مساء يوم دافئ من أيام شهر مايو، كنتُ أجلس في تراس شقة مريم، وأنا أحتسي الشاي وأشاهد صفا وهي تلعب بلعبها الصغيرة على السجادة. مريم كانت تعمل على حاسوبها المحمول، تلقت إشعاراً بريدياً، فتحته وابتسمت ابتسامة عريضة. نظر إليها صبري وقال: “خير يا مريم؟ الخبر السعيد وصل؟” قالت مريم وهي تنظر إليّ بعينين تلمعان بالامتنان: “الحكم النهائي في قضية الطلاق للض.رر صد.ر النهارده يا خالو.. أنا بقيت حرة تمامًا. والقاضي حكم بفرش وغطاء ونفقة بنك ناصر لصفا.”
قمتُ من مقعدي، واقتربتُ منها، وح.ضنتُ رأسها بين يديّ. قالت مريم بصوت خفيض: “عارفة يا أمي.. ليلة ديسمبر لما جيتلك غرقانة ومك.سورة، كنت فاكرة إن دي نهاية حياتي. مكنتش اعرف إن الليلة دي كانت البداية الحقيقية عشان أكتشف إن عندي أم بـ مية راجل، وإن الحق ما بيموتش طالما وراه حد يطالب بيه.” قلتُ لها وأنا أنظر للسماء الصافية: “الحق ما بيمو.تش يا مريم.. بس محتاج يتقفل عليه بدوسية أزرق، ويتشال في مكان أمين لحد ما يجي وقته.”
بينما كنا نحتفل بالفرج، رن هاتف صبري برقم غريب. فتح الخط ووضعه على الميكروفون الخارجي بطلب مني، لنسجل أي محاولة جديدة للمساومة. جاءنا صوت سعاد، ولكن هذه المرة لم يكن صوتها مليئًا بالصراخ أو الكبرياء، بل كان صوت امرأة تحطمت كليًا، حشرجة يائسة تبكي بحرقة: “الحقيني يا أم مريم.. الحقيني يا مريم يا بنتي.. أحمد في السجن جاتله جلطة ونقلوه مستشفى السجن ومحتاج عملية خطيرة، والبنوك حجزت على كل حاجة حتى معاشي.. والله العظيم ما حيلتي جنيه نجيب بيه العلاج.. أبوس إيديكي سامحينا وخلي الدكتور ينقذه، هو مالوش غيرك أنتِ وسط الدنيا دي كلها!”
ساد الصمت في الغرفة. نظرت مريم إلى الهاتف، ثم نظرت إلى ابنتها صفا التي كانت تضحك للبراءة، ثم تلاقت أعيُننا. لم يكن في عيني مريم أي تشفٍّ، بل كان هناك جدار سميك من اللابالية، الجدار الذي يبنيه المظلوم بعد أن يسترد كرامته كاملة. أخذت مريم الهاتف ببطء، وقربته من فمها، وقالت بنبرة هادئة وثابتة كالجبال: “يا سعاد.. اللي يزرع الشوك ما يطلبش من الناس تمشيلو عليه ورد. أحمد قطف اللي زرعه بيديه، وأنا بنتي وأنا ملناش صالح باللي بيجراله. العملية اللي محتاجها أحمد مش في المستشفى.. العملية دي كان محتاجها في ضميره من زمان. مع السلامة يا سعاد.”
أغلقت مريم الخط، وضعت الهاتف على الطاولة، وأطفأت شاشته نهائيًا. وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الشمس تغرب وترسم ألوان الشفق الذهبي على جدران الشقة الهادئة، سمعنا طرقتين خفيفتين على الباب الخارجي. نظر صبري إلينا باستغراب: “أنتِ مستنية حد يا مريم؟” ردت مريم بنفي: “لا.. محدش يعرف إني هنا غيركم.” قام صبري ليفتح الباب، بينما وقفتُ أنا ومريم نرقب الممر. فتح صبري الباب، لنجد رجلًا في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ويحمل في يده حقيبة جلدية سوداء، وبجواره رجل شرطة برتبة أمين شرطة.
قال الرجل بتهذيب وهو ينظر لورقة في يده: “مساء الخير.. ده منزل الأستاذة مريم الهواري؟” رد صبري بالحذر: “أيوه يا فندم، أنا خالها.. خير في إيه؟” أخرج الرجل من حقيبته مظروفًا أصفر كبيرًا عليه أختام حمراء رسمية بارزة لم أرها من قبل، وقال بنبرة جادة أثارت القشعريرة في أجسادنا جميعًا:
“أنا المحضر الخاص بتمفيذ أحكام النيابة العامة الفيدرالية والمصرفية.. عندنا إخطار رسمي وقرار ضبط واستحضار موجه للأستاذة مريم الهواري شخصيًا، بناءً على بلاغ مقدم من جهة سيادية وشبكة تحويلات دولية.. اتضح إن الحساب البنكي اللي كان أحمد فاتحه باسمها، أُستخدم خلال السنة الأخيرة في عمليات غسيل أموال وتمرير صفقات مشب.وهة عبر الخارج بقيمة 12 مليون دولار.. وللأسف، اسم الأستاذة مريم هو المسجل كـ “مدير تنفيذي وحيد” للشركة الوهمية التي أُنشئت لهذه العمليات!”
تجمّدت الد.ماء في عروقنا جميعاً، وسقط كوب الشاي من يد مريم ليته.شم على الأرضية الرخامية، بينما اقت.حم رجال الشرطة مدخل الشقة…

