منوعات

فارس

فارس وِقف قدام الميكروفون، دراعه كان بيترعش من كتر العصبية، والورقة في إيده صوتها بيخروش في سكوت القاعة الليلة دي. المائتين مدعو اللي كانوا بياكلوا ويضحكوا، الصمت نزل عليهم زي الصخرة. أعمامي اللي جايين من الصعيد سابوا شوكهم، وخالتي اللي كانت بترقص من شوية قعدت مكانها وهي بتعدل طرحتها وبتص بالساعات لبعض. بصيت لفارس برجاء، شفايفي كانت بتترعش وأنا بهز رأسي: “فارس.. بلاش.. عشان خاطري يا فارس بلاش افتضاح.”

بس فارس ما بصليش.. كان عينيه حمرا، مليانة غل وحقد لسنين الشقا اللي شافني فيها بتعصر عشان أرضي ناس ما بيتثمرش فيها الخير. مسك الميكروفون بـ إيده التانية، وصوته طلع رنان، هز جدران القاعة اللي على النيل: “الورقة دي مش مجرد جواب.. الورقة دي كتبها الحاج صلاح عبد الفتاح لإيد بنته مريم من أسبوعين، ورماها على تربيزة المطبخ قبل ما يخرج ويقفل الباب في وشها!” الناس بدأت تتهامس. خالي إسماعيل قام وقف من مكانه وقال بصوت جهوري: “جرى إيه يا عريس؟ أنت بتقول إيه وعايز توصل لإيه في ليلة دخلتك؟”

فارس بص لخالي بثبات وقال: “عايز أقول الحق يا حاج إسماعيل.. الحق اللي أبوها وأمها استكتروه عليها، وسابوا الكرسيين دول فاضيين عشان يك.سروا فرحتها ويخلوها فرجة للرايح واللي جاي!” فارس فتح الورقة، وابتدى يقرأ بصوت متقطع من كتر الغيظ:

“إلى مريم.. بما إنك اخترتي تعاندي أبوكي، وتفضلي ليلة فرحك وفستانك على مستقبلي ومستقبل أختك، فاعرفي إن القرشين اللي حيلتي كتبتها باسم ندى أختك اليومين دول. البيت، وعمارة العباسية، وشهادات الاستثمار.. كل حاجة بقت باسم ندى، عشان تتربي وتعرفي إن العناد مع الكبار له ثمن. مش هتورثي مني ولا مليم، ومش هتشوفي وشنا تاني إلا لما تجيلي زاحفة على ركبتك تتأسفي لأختك وتدفعي لها ثمن الرحلة اللي بوظتيها عليها!”

القاعة كلها اتكهربت! شهقات الستات طلعت في نفس واحد، وأعمامي الاثنين وقفوا في ثورة، عمي حسنين اللي جاي من قنا ض.رب بصفيحة المياه الغازية على التربيزة وقال بصوت يزلزل: “الكلام ده صح يا مريم؟! صلاح كتب حلاله كله للبنت الصغيرة وحرمك؟ عشان مصيف وشوية عيال؟!” أنا ما قدرتش أرد.. دموعي اللي حبستها طول اليوم نزلت زي المطر.. الفستان الأبيض بقى حاساه زي كفن على صدري. المسرح كله بقى بيتحرك بيا، والناس بدأت تتكلم بصوت عالٍ.. ناس بتقول “لا حول ولا قوة إلا بالله”، وناس بتشتم في أبويا، وناس بتصور بالموبايلات!

بس فارس ما خلصش كلامه.. حط الورقة في جيبه، وقرب مني، مسك إيدي قدام الكل، ورفع الميكروفون تاني وقال: “أنا مكنتش هقول الكلام ده.. بس عمي صلاح قالي جملة يوم ما خطبت مريم، قالي: (البت دي مالهاش ضهر، لو زعلتها مفيش حد هيقف لك).. وأنا طالع النهاردة قدامكم كلكم أقول لـ صلاح بيه.. مريم ضهرها ربنا، وأنا! والنهاردة أنا كشفت الحقيقة مش عشان أشمت فيهم، عشان مريم لما تمشي ورأسها مرفوعة، الكل يعرف إنها مش هي اللي باعت.. هم اللي باعوها عشان قرشين ورغبة عيلة صغيرة دلوعة!”

فارس مسك إيدي ونزلنا من على الكوشة.. الموسيقى كانت وقفت تماماً، والناس كلها قامت واقفة وبتصفق.. زفة ثانية خالص غير زفة الفرح، زفة نصر وكشف مستور. أعمامي أصروا ييجوا يسلموا عليا ويبوسوا رأسي، وعمي حسنين حط إيده في جيبه وطلع رزمة فلوس وحطها في إيدي وهو بيقول بصوت مكسور: “حقك عليا يا بنتي.. والله العظيم لو كنت عارف اللي أبوكي عمله ما كنت سيبته، ودين في رقبتي لأرجع لك حقك من عينه!”

المالطة خلصت، والليل عدى زي الكابوس.. رجعنا الشقة، كانت الشقة هادية وريحة الخشب الجديد مالية المكان. قعدت على طرف السرير بالأنترية، وفارس دخل عليا وهو شايل كوباية مياه. قعد جنبي على الأرض، حط رأسه على ركبتي وقال بصوت هادي: “زعلانة مني يا مريم؟” مسكت شعره وبكيت: “كنت خايفة من الشماتة يا فارس.. الناس هتقول إيه؟” رد بصلابة: “الناس عرفت الحق.. الشماتة كانت هتبقى ليكي لو قعدتي ساكتة وهم سايبين الكراسي فاضية عشان يذلوكي. من النهاردة مفيش ذل تاني.”

مرت ستة أشهر.. حياتي مع فارس كانت هادية، بس الجرح كان زي الخرمل، بياكل في قلبي بالبطيء. أختي ندى سافرت مطروح مع أصحابها، ونزلت صور وفيديوهات وهي بتضحك وبتاكل في أفخم فنادق، ولا كأنها دمرت بيتنا وقطعت صلة الرحم.. كانت بتنزل الصور وتكتب عليها “الحياة حلوة لما تختار نفسك”. أبويا وأمي قطعوا أخبارهم عني تماماً.. مسحوني من الواتساب، وبلوك على كل البرامج، حتى لما قرايبنا كانوا بيكلموهم يسألوهم عني، أمي كانت بتقول: “ما نعرفهاش.. اللي تختار راجل يتكلم على أبوها في الصالة متبقاش بنتنا.”

لكن الهدوء ده مكنش إلا السكون اللي بيسبق العاصفة! في يوم جمعة، الساعة كانت حوالي أربعة بعد الظهر.. كنا قاعدين أنا وفارس بنشرب شاي، وفجأة الموبايل بتاعي رن.. رقم غريب.. ردت بتوجس: “ألو؟” صوت أمي جاء من الناحية التانية.. بس مكنش صوتها القوي المغرور اللي متعودة عليه.. كان صوت مكسور، عياط وشحتفة ونفس طالع بالعافية: “مريم… الحقيني يا مريم.. الحقيني يا بنتي!” قلبي وقع في رجلي، وقفت وأنا بترعش: “في إيه يا أمي؟ جرى إيه؟ أبويا جراله حاجة؟!”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى