منوعات

فارس

أمي كانت بتبكي بصوت هيستيري: “أبوكي في المستشفى.. جايله جلطة في المخ.. والبيت.. البيت راح يا مريم!” فارس أول ما شافني باعيط وبارتعش، سحب الموبايل مني وحطه على السبيكر: “في إيه يا طنط؟ اتكلمي بالراحة!” أمي من بين دموعها بدأت تحكي الكارثة اللي حصلت.. الكارثة اللي كانت نتاج دلعهم الأعمى لـ ندى! ندى، بعد ما رجعت من مطروح، اتعرفت على شاب من اللي كانوا مع أصحابها.. عمل نفسه رجل أعمال وشغال في الاستيراد والتصدير وعنده شركات في دبي. أقنع ندى إنها تدش معاه شرك في مشروع براند ملابس عالمي، وقالها إنها هتكون “الوجه الإعلاني” ولها نسبة 40%..

ندى، بجهلها وطمعها، راحت لأبويا، وبكت وعملت نفس المسرحية: “يا بابا دي فرصة عمري.. لو أختي مريم ضيعت عليا فرصة الفندق في مطروح، متضيعش عليا الفرصة دي!” أبويا، اللي كان عميان بحبه ليها وعايز يثبت لنفسه إنه صح وإن ندى هي اللي هتشرّفه، راح للبنك.. وبناءً على التوكيل الرسمي وعقود البيع والشراء اللي كتب فيها كل أملاكه باسم ندى عشان يحرمers مني.. ندى راحت وطمعت.. وقدمت العقود دي كضمان للولد النصاب!

مش بس كده.. الولد خلى ندى توقع على شيكات وإيصالات أمانة بـ ملايين الجنيهات، وأخذ التوكيل منها ورهن عمارة العباسية والبيت اللي ساكنين فيه للبنك ولتجار كبار في السوق عشان بضاعة وهمية! ومن أسبوع.. الولد فص ملح وذاب! اختفى بكل الفلوس، والبضاعة طلعت بضاعة مهربة والمكافحة حرزتها، والشرطة نزلوا على البيت، ووصلت للناس إعلانات بالتنفيذ والتحفظ على كل حاجة! أبويا لما عرف إن العمارة والبيت والشهادات راحت، وإن بنته الدلوعة متورطة في قضايا شيكات بدون رصيد وهتدخل السجن.. جالها الفجأة ونزل ساكت على الأرض، والدم نزل من مناخيره ولسانه اتقل!

أمي كانت بتبكي: “تعالي يا مريم.. أختك محبوسة في التخشيبة من الصبح، وأبوكي بين الحياة والمو.ت في العناية المركزة في القصر العيني.. والبنك جاي يحجز على عفش البيت بكرة! ماليش غيرك يا بنتي.. ماليش غيرك!” فارس بص لي.. وشفت في عينيه ميكس بين الشماتة وبين الشفقة.. أنا قعدت على الكنبة، دموعي بتنزل بسكوت.. الكرسيين الفاضيين بتوع الفرح طروا في بالي في ثانية.. الكلام القاسي اللي أبويا كتبه في الورقة: “مش هتورثي مني ولا مليم، ومش هتشوفي وشنا إلا وانت زاحفة”.. سبحان مغير الأحوال! دارت الأيام، وهم اللي بيتصلوا يبكوا وزاحفين يطلبوا النجدة!

فارس مسك إيدي وقال بصرامة: “هتعملي إيه يا مريم؟ اللي عملوه فيكي مش قليل.. دول رموا شرفك وك.سروا قلبك عشانها!” أنا بلعت ريقي، ومسحت دموعي.. قمت وقفت وقلت: “أبويا مريض يا فارس.. وأنا مش هبقى قاسية زيهم.. بس المرة دي، اللعب هيبدأ بقواعدي أنا!” لبسنا ونزلنا فوراً على القصر العيني.. لما دخلت قسم العناية المركزة، شفت أمي.. كانت قاعدة على الدكة في الممر، هدومها متبهدلة، وشها أصفر، وعينيها منتفخة من العياط. أول ما شافتني، قامت وجريت عليا، اترمت في ح.ضني وهي بتصرخ: “سامحيني يا مريم.. سامحيني يا بنتي! ربنا انتقم منك فينا.. ربنا ورانا حوبتك في نفس السنة!”

أنا ما قدرتش أرد، ح.ضنتها بسكوت.. خرج الدكتور من العناية، وشه كان مجهم: “أنتم أهل المريض صلاح عبد الفتاح؟” أمي قالت وهي بتمسك في إيدي: “أيوه يا دكتور.. دي بنته الكبيرة.. دكتورة مريم!” الدكتور قال بأسف: “الحالة حجة جداً.. الجلطة ض.ربت مركز الكلام والحركة في الناحية الشمال.. هو أفق دلوقتي، بس محتاج عملية دقيقة بسرعة لشفط التجمع الدموي، والعملية دي تكاليفها عالية جداً ومستلزماتها مش متوفرة في المستشفى المجاني هنا لازم ينقل مستشفى خاص فورا، وإلا…”

أمي صرخت: “مفيش معانا ولا جنيه! الحسابات اتجمدت والبيت اتحفظ عليه!” الدكتور بص لنا بأسف ومشي.. أمي مسكت إيدي وبتبوسها: “الحقيه يا مريم.. بيعي ذهبك، اتصرفي.. أبويك بيمو.ت!” فارس قرب وقال بحدة: “وطب وندى؟ البنت اللي بعتم مريم عشانها فين؟” أمي طأطأت رأسها بعار: “ندى في قسم الشرطة.. المحامي قال إن القضايا اللي عليها فيها سجن مش أقل من عشر سنين.. الولد ضحك عليها واستغل جهلها ولبسها كل حاجة!” دخلت لأبويا العناية.. الأجهزة كانت بكتكت حواليه، ووشه مشدود للناحية الشمال. لما فتح عينيه وشافني، عينيه املت دموع.. حاول يتكلم، طلع صوت مكسور زي الحشرجة: “مـ… مـ… مريم…”

قربت منه، مسكت إيده اللي كانت ساقعة زي الثلج.. إيده اللي رفضت تسلم عليا يوم فرحي.. قلت له بصوت هادي: “أنا هنا يا بابا.. متخافش.” أبويا حرك رأسه بالراحة، وبص للناحية التانية وهو بيعيط.. كان حاسس بالعار.. حاسس إن البنت اللي ظلمها وداس عليها، هي الوحيدة اللي واقفة جنبه وهو بين المو.ت والحياة. خرجت من العناية، وقفت في الممر مع فارس.. فارس قال لي: “معايا قرشين كنا شايلينهم للشقة الجديدة.. وذهبك يجيب مبلغ.. نقدر ننقله مستشفى خاص ونعمل العملية.. بس بالنسبة لـ ندى والقضايا والبيت؟”

أنا بصيت لفارس وقلت له بكل قوة: “أبويا هيدخل المستشفى الخاص بكرة، وأنا اللي هدفع مصاريف العملية.. بس ندى.. ندى لازم تتربى!” أمي صرخت: “يعني إيه يا مريم؟! هتسيبي أختك في السجن؟!” رديت عليها بصوت ناشف لأول مرة في حياتي: “أختك اللي ضيعت البيت وأملاك أبويا عشان مصيف وشوية مظاهر، لازم تفهم إن الأفعال لها نتائج.. زي ما أبويا قال لي بالظبط يوم فرحي! أنا هعين لها محامي يتابع القضية، لكن مش هبيع نفسي عشان أطلعها من غلطة هي عملتها بكامل إرادتها!”

في خلال 24 ساعة، نقلنا أبويا مستشفى خاص.. فارس جاب الفلوس اللي معاه، وأنا بعت شبكتي وذهبي كله.. الدكاترة دخلوا أبويا غرفة العمليات، والعملية استمرت خمس ساعات متواصلة.. كنا قاعدين في الممر، أمي كانت ماسكة سبحتها وبتدعي وهي بتبص لي بخجل.. كل ما عينها تجي في عيني، تتكسف وتدير وشها. بعد خمس ساعات، الدكتور خرج وتبسم: “الحمد لله.. العملية نجحت قدرنا نشيل التجمع الدموي، والحالة استقرت.. قدامه فترة علاج طبيعي وهيرجع يتكلم ويمشي ثاني إن شاء الله.”

أمي سجدت على الأرض وهي بتبكي وتسجد لله.. أنا ساندت فارس، وقعدت على الكرسي وأنا بحس إن في جبل انشال من على صدري.. أنا عملت بأصلي.. ما سبتش أبويا في زنقته، ورجعت له حياته. بعد أسبوعين.. أبويا اتنقل البيت.. مش بيتنا القديم، لأن المحكمة فعلاً حجزت على عمارة العباسية والبيت كضمان للديون.. أبويا وأمي نقلوا في شقة صغيرة بالإيجار، فارس هو اللي دفع لها إيجار أول ست شهور من جيبه!

أبويا كان قاعد على الكرسي المتحرك، نص جسمه حركة بصعوبة، ولسانه بدأ يتحسن شوية.. في يوم، زرتهم في الشقة الجديدة.. أول ما دخلت، أمي جرت جابت لي الميه والعصير وبتعاملني زي الملكة.. أبويا بص لي، وأشر لي بإيده السليمة عشان أقرب منه.. قربت وقعدت جنبه على الأرض، زي ما قعدت يوم العناية.. أبويا مسك إيدي، ودموعه نزلت على إيدي.. وصوته المكسور طلع بالعافية: “سامحيني يا مريم… أنا… أنا كنت أعمى.. الكرسيين الفاضيين بتوع الفرح… كانوا… كانوا عقاب ليا أنا، مش ليكي!”

أنا بكت، وحطيت رأسي على ركبته: “مسامحاك يا بابا.. المهم تقوم بالسلامة.” أبويا بكي بصوت عالٍ، ولأول مرة في حياتي، أشوف أبويا بيح.ضنني بالدفا ده.. الحنان اللي حرمت منه طول عمرى، جالي بعد ما البيت انخرب، بس جالي وأنا مرفوعة الرأس. لكن القصة مخلصتش هنا… أختي ندى.. المحامي قدر يثبت إنها تعرضت لعملية نصب واحتيال، وإن التوكيلات كانت باستغلال حسن نية، بس كان فاضل عليها شيكات واجبة التنفيذ بـ 800 ألف جنيه.. ولو مادتفعتش، ندى هتاخد حكم نهائي بـ 3 سنين سجن.

أمي وأبويا مكنش معاهم مليم.. ونفس القرايب اللي ندى كانت بتتفاخر عليهم، رفضوا يدوا أبويا جنيه واحد، وقالوا: “اللي دلعها يشيل شيلتها!” في ليلة، وأنا قاعد مع فارس في شقتنا، الباب خبط.. فتحت.. لقيت ندى! كانت طالعة بكفالة مؤقتة، وشها كان شاحب، خاسة النص، شعرها المسبوغ مطفي، وعينيها فيها سواد وك.سرة عمرها ما كانت فيها.. ندى وقفت على الباب، مكنتش قادرة تدخل.. بصت لي، وفجأة… نزلت على ركبتها على الأرض قدام شقتي!

نفس الجملة اللي أبويا كتبها في الورقة زمان: “مش هتشوفي وشنا إلا لما تجيلي زاحفة على ركبتك!”.. سبحان الله، الجملة تحققت، بس مش عليا أنا.. على ندى! ندى كانت بتبكي وبتبوس جزمتي: “حقك عليا يا مريم.. أنقذيني يا أختي.. أنقذيني من السجن! أنا آسفة على كل لحظة تكبرت فيها عليكِ.. أنا اللي بوظت الفرح، وأنا اللي دمرت بابا وماما.. أنقذيني وحيات عيالك!” أنا وقفت مصدومة.. فارس جه من ورايا، مسك كتفي بثبات.

أنا بصيت لـ ندى وهي سايحة في دموعها على الأرض.. الست اللي كانت فاكرة إن العالم بيلف حواليها، دلوقتي تحت رجلي بتترجاني عشان ما تدخلش السجن! قعدت على ركبتي قدامها، رفعت وشها بإيدي، وبصيت في عينها المكسورة وقلت لها بصوت هادي ومسموع: “أنا ممكن أدفع الـ 800 ألف جنيه يا ندى.. فارس يقدر يبيع قطعة الأرض اللي وورثها من أبوه ونسدد الدين وتطلعي براءة…” ندى عينها لمعت بأمل هيستيري: “جد؟ بجد يا مريم؟! ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي!”

لكن أنا كملت كلامي، وصوتي كان أبرد من الثلج: “… بس الفلوس دي مش هتدفع ببلاش يا ندى.. الفلوس دي هتدفع مقابل شرط واحد بس.. شرط لو وافقتي عليه النهاردة هتدفع الفلوس بكرة، ولو رفضتيه.. هترجعي التخشيبة وتلبسي أفرول السجن بكرة الصبح!” ندى بلعت ريقها بصعوبة، وعينيها اتسعت بفرع: “شرط إيه يا مريم؟! أرجوكي قولي!” فارس طلع من جيبه ورقة وقلم، وحطهم على التربيزة قدام ندى.. أنا بصيت لـ ندى وقلت لها والابتسامة على وشي:

“الشرط هو…”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى