
الشمس طلعت، وأنا كنت لسه مرمية مكاني على الأرض، مش قادرة أحرك حتة في جسمي. وشي متورم، وعيني مقفولة من الض.رب، وهدومي متقطعة ومتبهدلة دم. في الوقت ده بالظبط، كانت عربية أبويا وأمي وأخويا الكبير واصلة عند البيت تحت… أصل النهارده ميعاد الزيارة الأسبوعية الكبير، وجايبين معاهم خيرات ربنا كلها؛ طيور وفطير ومشلتت وخضار، وجايين بضحكتهم وفرحتهم يطمنوا على العروسة الجديدة. أمي كانت شايلة الشيل ومستعجلة، طلعت على السلم وهي بتنده بضحكة مالية البيت: يا بت يا عروسة! افتحي يا قلب أمك، جايبينلك الخير كله النهارده!
محدش رد، فإخويا زق الباب اللي كان محمود سايبه متأرب ومفتوح سنة صغيرة… ودخلوا الشقة… وكانت الصد.مة اللي هدت البيت كله على رأسهم! أمي سابت الشيل من إيدها، والأطباق اتك.سرت على الأرض. وأبويا وإخويا اتسمروا مكانهم، والذهول والرعب جمد الدـ,ـم في عروقهم، وهما شايفين العروسة الجديدة اللي بقالها شهر متجوزة… مرمية على الأرض في دمها، وشها متشوفش من كتر الض.رب والمتـ,ـورم، وجسمها زي الجـ,ـثة الهامدة! أكيد، دي تكملة كاملة بنفس أسلوب الحكاية وبنهاية فيها تصعيد ومفاجأة:
الكتابة أمي أول ما شافتني بالشكل ده، طلعت منها صرخة هزت البيت كله: — بنتي! يا حبيبتي! مين عمل فيكي كده؟! جريت عليا، وح.ضنتني وهي بتعيط، وأبويا وقف مكانه ثواني مش قادر يستوعب المنظر. أخويا الكبير كان أسرع واحد فيهم، نزل على ركبته جنبي وقال: — مريم! سامعاني؟ افتحي عينك يا بنتي! فتحت عيني بالعافية، وأول ما شفت وش أبويا، حاولت أتكلم، لكن صوتي ما طلعش غير همسة: — محمود… أخويا بص لأبويا، وقال بغضب:
— محمود هو اللي عمل فيها كده؟ أبويا ما ردش. كان وشه متغير، لكنه كان بيحاول يتمالك نفسه. أمي مسكت إيدي وقالت: — متتكلميش يا بنتي، هنودّيكي المستشفى الأول، وبعدها كل حاجة هتتحل. وأول ما حاولوا يشيلوني، دخلت حماتي من تحت وهي بتقول بصوت عالي: — إيه اللي حصل؟ وإيه الدوشة دي؟ لكن أول ما شافتني، سكتت. أخويا وقف قدامها وقال: — إنتِ كنتي عارفة؟ قالت بسرعة: — عارفة إيه؟ أنا مالي؟! دي أكيد وقعت ولا خبطت نفسها!
قالت: — خرج من بدري. أخويا رد عليها: — يبقى خليه يرجع… ولو فاكر إن الموضوع هيتلم بكلمتين، يبقى غلطان. خرجنا بي المستشفى. الأطباء قالوا إن عندي إصابات محتاجة متابعة، وإن لازم أرتاح فترة، وفضلت في المستشفى يومين. خلال اليومين دول، محمود ماجاش. ولا مرة. حتى لما عرف إني في المستشفى، ما سألش عليا. وفي اليوم التالت، وأنا نايمة، دخل أبويا الأوضة ومعاه أخويا. أبويا قعد جنبي وقال: — يا بنتي… أنا مش هضغط عليكي في حاجة. بس لازم أعرف الحقيقة كلها. محمود كان بيض.ربك قبل كده؟
سكت. دموعي نزلت من غير ما أتكلم. فهم الإجابة. قال: — يعني دي مش أول مرة؟ هزيت راسي. أمي حطت إيدها على بوقها وانهارت في العياط. وقتها حكيت لهم كل حاجة. حكيت لهم عن كلام حماتي، وعن إنها كانت عايزاني أنزل من الصبح أخدم، وعن الأكل اللي كانوا عايزين ياخدوه كله، وعن إن محمود ض.ربني لما حاولت أشتكيله. أبويا فضل ساكت لحد ما خلصت. وبعدين قال جملة عمري ما هنساها: — أنا جوزتك عشان تبقي ست متكرمة في بيت جوزك، مش عشان تبقي خدامة عند حد.
بعدها أخويا قال: — ومحدش هيرجعها هناك تاني. لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما أبويا رجع البيت في نفس اليوم، وفتح شنطة قديمة كان محتفظ بيها من يوم جوازي. طلع منها ظرف. جواه ورقة. كانت ورقة كتبها محمود قبل الجواز بشهور، بخط إيده. أخويا قرأها، واتصدم. الورقة كانت عبارة عن إقرار إن الشقة اللي اتجوزنا فيها كانت ملكي أنا، وإن أبويا هو اللي دفع تكاليفها كاملة، وإن محمود وافق وقت الجواز إن الشقة تبقى باسمي. لكن كان فيه حاجة تانية…
ورقة تانية تخص حماتي. كانت موقعة منها هي شخصيًا، ومكتوب فيها إنها استلمت مني مبلغًا كبيرًا كان والدي أعطاه لمحمود لتجهيز البيت. أخويا بص لأبويا وقال: — يعني هما كانوا عايزين ياخدوا كل حاجة؟ أبويا قال: — الظاهر إن الموضوع من البداية مش موضوع أكل ولا خدمة. وبالفعل، بعد ما رجعت بيت أهلي، بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة. عرفنا إن حماتي كانت بتحاول تقنع محمود إن الشقة دي لازم تتباع، وإن الفلوس تتحط في مشروع باسم العيلة.
ومحمود كان رافض في الأول. لكن من فترة، بدأ يتغير. والسبب؟ حماتي كانت موعدة أخوه الأصغر بالجواز، وكانت محتاجة فلوس. وبدأت تقنع محمود إن مراته لازم “تشارك في البيت”، وإن كل اللي جاي من أهلها حق للعيلة. لكنها ما كانتش عارفة إن أبويا كان محتفظ بكل الإيصالات والتحويلات. بعد أسبوع، محمود جه قدام بيت أبويا. كان واقف لوحده. طلب يقابلني. أبويا رفض في البداية، لكني أنا قلت: — خلوه يدخل. دخل محمود. كان شكله مختلف تمامًا.


