
صحيت بعد ثلاث أيام غايبة عن الوعي، والممرضة ووشوشت: “الدم اللي كان متجهز ليكي راح لغرفة عمليات طليقة جوزك”. كنا متجوزين بقالنا 7 سنين. ما صرختش؛ شغلت التسجيل، طلبت ملفي الطبي، وقلعت دبلتي. وساعتها اكتشفت مين اللي مضى على الأمر اللي كان هيضيع حياتي… الجزء الأول —حتى لو كنتِ مراتي، في الطوارئ ما أقدرش أبدلك على مريض تاني. ده كان أول كلام قالهولي أحمد لما صحيت بعد ما قضيت ثلاث أيام غايبة عن الوعي. بس قبلها بساعات، في ممرضتين قالوا جملة غيرت جوازي للأبد.
أنا اسمي داليا، عندي ستة وتلاتين سنة، ولحد الفجرية دي، كنت فاكرة إني عارفة الراجل اللي متجوزاه بقالي سبع سنين. أحمد كان جراح ومدير طبي لمستشفى خاص في التجمع الخامس. الناس كانت بتنبهر بيه. أهالي المرضى كانوا بيبعتوا له ورد وجوابات وعلب حلويات. وفي الحوارات كانوا بيتكلموا عنه كأنه معصوم من الغلط. أنا كمان كنت مصدقة ده. ليلة الحادثة كانت المطر نازلة بغزارة، لدرجة إن أضواء شارع التسعين مكنتش باينة. عربية نقل فقدت السيطرة وخبطت عربيتي من الجنب. فاكرة الإزاز وهو بيتكسر، والوجع اللي شق بطني، وسخونية الدم اللي كانت مغرقة هدومي.
أحمد جه وهو لسه بلبس العمليات. اتنطر على الإسفلت المبلول، مسك إيدي وزعق: —داليا، بصيلي. ما تناميش. حتى لو هحرك المستشفى كلها باللي فيها، هأنقذك. اتمسكت بالوعد ده قبل ما أروح في الوعي. بعد ثلاث أيام صحيت في العناية المركزة. الممرضة كانت بتغيرلي على الجرح لما سمعت صوت في الممر. —يا بختها ميرة مدير المستشفى —واحدة بتتوشوش—. بعد ما بعتوا جزء من أكياس الدم اللي كانت متجهزة ليها لغرفة عمليات ميرنا، كنت فاكرة إنها مش هتعدي.
حسيت ببرودة أكتر من اللي حسيتها وقت الحادثة. سحبت التليفون بالراحة من جنب المخدة وشغلت التسجيل. —ميرنا…؟ —سألت. الممرضتين اتسمروا مكانهم. كنت عارفة الاسم ده كويس جداً. ميرنا كانت خطيبة أحمد أيام النيابة. رجعت مصر من كام شهر، ومن ساعتها وهي بتظهر كتير في حياتنا: مكالمات أنصاص الليالي، استشارات “ضرورية”، مقابلات خاصة، وعلى كلام أحمد، مجرد صدف. لما دخل عليا الأوضة، حاول يبتسم. —حمد الله على سلامتك، كويس إنك فقتي.
ما رديتش الابتسامة. —أنا أخدت كام كيس دم وأنا في العمليات؟ تعابير وشه اتغيرت في ثانية. وكانت كفاية. —داليا، مش محتاجة تشغلي بالك بتفاصيل طبية. —أنا المريضة. بسألك تاني: أخدت كام كيس دم؟ اتنهد. ساعتها واجهته. —انت حولت الدم اللي كان متجهز لحالتي الطارئة لغرفة عمليات ميرنا؟ أحمد سكت خالص. بعدها استخدم النبرة الرسمية اللي بيلجأ لها لما يعوز ينهي أي كلام. —أنتوا الاتنين كنتوا في حالة حرجة. بنك الدم ملك للمستشفى مش لشخص معين. ميرنا جاليها نزيف بعد العملية وضغطها كان بيمو.ت.
—أنا كنت بنزف داخلي وبمو.ت. —وانتِ عشتِ خلاص. الكلمتين دول وجعوني أكتر من الجرح نفسه. —أنا عشت عشان انت أخدت القرار الصح… ولا عشان كان ليا عمر؟ أحمد جز على سنانه. —ما تقلبيهاش مشكلة زوجية. ساعتها سألت سؤال ما كنتش أتوقع في يوم إني أسأله: —هي ميرنا كانت محجوزة هنا ليه أصلاً؟ بص بعيد. —حالتها كانت معقدة. —ومين اللي وافق لها على جناح الـ VIP؟ سكوت. —ومين اللي عملها الخصومات دي كلها؟
سكوت تاني. في الآخر قال: —هي مرت بظروف صعبة، وكان لازم أقف جنبها. بصيت له بثبات. —ودفعت ثمن الوقفة دي من دمي؟ قام وقف فجأة. —انتِ أعصابك تعبانة. —لا. أنا بتهيألي لأول مرة شايفه كل حاجة على حقيقتها. طلبت منه يخرج. وقبل ما يخرج من الباب، كان عنده الجرأة يقولي: —ميرنا المظلومة مالهاش ذنب، بلاش تضايقيها. أنا كنت متوصلة بالأجهزة، والجرح شاقق بطني، وكان كل همه هي. استنيته لما قفل الباب.
حفظت التناشر دقيقة تسجيل. وبعدها ناديت على الممرضة اللي سمعتها بتتكلم. —أنا عاوزه صورة من ملفي الطبي، وسجلات بنك الدم، وكل أوراق التصاريح اللي طلعت وقت عمليتي. الست وشت أصفر. —يا هانم، يمكن المفروض تتكلمي مع الدكتور أحمد الأول. هزيت راسي بالراحة. —أنا خلاص اتكلمت مع جوزي. دلوقتي عاوزه أتكلم بالأوراق. اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن السجلات دي هتثبت إن أحمد مش بس اختار ميرنا في الفجرية دي. ده أخد قرار كان ممكن ينهي حياتي… ومضى باسمه تحت القرار ده مباشرة.
في نفس اليوم طلبت أتنقل لمستشفى تاني. أحمد ظهر وهو هينفجر من الغضب أول ما شاف عربية الإسعاف وهي واصلة. —أنتِ مش في حالة تسمح لكِ بالحرّكة! أمي، حاجّة سناء، كانت لسه عارفة اللي حصل ووقفت في وشه ردت عليه. —بنتي كانت هتمو.ت هنا. لو عاوزة تمشي، هتمشي. أحمد حاول يفهّمها إن كل اللي حصل كان مجرد قرار طبي. أمي سمعته لحد ما قال: —داليا طول عمرها قوية، وكنت عارف إنها تقدر تستحمل شوية كمان. ساعتها أمي إدته قلم نزّل وشه للأرض. —دي مكنتش مراتك اللي المفروض تستحمل! دي كانت مريضتك اللي بتنزف وبتمو.ت!



