
عمري في حياتي ما سمعت أمي بترمّي بصوتها بالطريقة دي. فريدة، أختي ونداي وصاحبة عمري وهي محامية متخصصة في القضايا الطبية، وصلت بعد ساعة. قدمت طلبات رسمية عشان يتحفظ على ملفي الطبي، والسجلات الإلكترونية لبنك الدم، وتفريغ كاميرات الممرات. أحمد بدأ يرتبك ويتوتر. —الموضوع كدة بياخد أكبر من حجامه. فريدة بصت له بهدوء يخوّف. —في مريضة جاليها نزيف حاد وفي حد غير مسار الموارد والأدوية في وقت طوارئ. الحجم ده اللي بتحدده الحقائق يا دكتور. بعد ثلاث أيام وصلنا لأول دفعة من الأوراق والمستندات. الساعة 2:47 الفجر، بنك الدم أكتّد توافر أكياس متوافقة مع عمليتي.
الساعة 3:12، كيسين منهم اتحولوا لغرفة عمليات ثانية. التوقيع: د. أحمد السري. الساعة 3:28 ضغط دمي نزل لمستوى خطر جداً. ولما الأطباء طلبوا دم زيادة، مكنش فيه أكياس متجهزة خلاص. أنا فضلت على قيد الحياة بفضل تبرع طوارئ وصل في آخر لحظة. بصيت لـ فريدة. —لو الشخص ده مكنش اتبرع… ما كملتش الجملة. أمي خرجت التواليت وهي بتبكي. أنا مكنتش القادرة أبكي. حتى البكاء كان بيوجع جسمي والجرح. بس المستند الأكتر إقلاقاً ظهر بعد كده. ميرنا بقالها أسابيع بتاخد مساعدات وتسهيلات من صندوق الرعاية الخاص بالمستشفى. وأنا كنت عارفة الصندوق ده أكتر من أي حد لأني أنا اللي ساعدت في تأسيسه.
عشان أي حد ياخد دعم مالي كان لازم يثبت احتياجه ويمر على لجنة. ميرنا مكنتش منطبقة عليها ولا شرط من دول. وفي ملفها كان مكتوب جملة واحدة: “تصريح خاص من مدير المستشفى”. والتوقيع برضه: أحمد السري. فريدة دورت أكتر. عيلة ميرنا عندهم شركة مقاولات واستثمار عقاري، وقبل الحادثة بشهور، كانوا بيتكلموا مع أحمد عشان يدخلوا بتمويل وضخ مبالغ ضخمة للتوسع في المستشفى. مكنش استثمار رسمي لسه، بس التواريخ كانت متطابقة بشكل يخوف. رجوع ميرنا. المزايا اللي بتاخدها. المفاوضات. وأخيراً الفجرية اللي أحمد قرر يبعتلها الدم فيها قبلي. ميرنا كلمتني لما عرفت إننا بنحقق في الموضوع.
—أنا كنت عاوزة أعيش بس —قالتها وهي بتشهق بالبكاء—. أنتِ مراته وبقالكم سبع سنين مع بعض، كنتِ عاوزاني أعمل إيه؟ —كنتِ عارفة إن الدم ده كان متجهز لحالتي أنا الأول؟ سكتت. وبعدها وقعت في الفخ. —أحمد كان عارف إنك هتتفهمي الموقف. حسيت بإن في حاجة جوايا اتكسرت للمرة الأخيرة. —وانتِ عرفتِ منين أحمد كان بيفكر في إيه؟ سكوت تام. سجلت المكالمة كلها. في الليلة دي فريدة جابت أمر نيابة عشان نتحفظ على التسجيلات الصوتية والكاميرات الداخلية للمستشفى. الصبح بدري كلمتني. صوتها كان متغير. —داليا، لقينا تفريغ كاميرا الممر. —فيها صوت واضح؟ —أيوه. —قالوا إيه؟ فريدة سكتت ثواني.
—فيه دكتور مسموع وهو بيحذر أحمد إن تحويل أكياس الدم منك هيعرض حياتك للخطر. حسيت بكتفِ بيبثقل ونفسي بيتسحب. —وهو رد قال إيه؟ فريدة أخدت نفس عميق. —قال: “دي مراتي، أنا عارفها كويس، هي هتتفهم”. بس ده مكنش الأسوأ. قبل الجملة دي بدقايق، أحمد كان جاله اتصال يخص ميرنا واستثمار عيلتها. وفي التسجيل كان مسموع بالظبط هما وعدوه بإيه لو هي خرجت من العملية دي سليمة. الجزء الثالث والأخير
المكالمة دي مكنتش مجرد وعد شفوي، دي كانت صفقة كاملة. صليب الاستثمار، النسبة اللي هياخدها أحمد في الشركة الجديدة، والكرسي اللي هيقعد عليه في مجلس إدارة المجموعات العقارية بتاعة عيلة ميرنا… كل ده كان مشروط بحاجة واحدة: إن ميرنا تخرج من المستشفى دي على رجليها وبأقل خسائر ممكنة. وحياتي أنا كانت هي الثمن اللي تدفع عشان الصفقة دي تتم. فريدة ما ضيعتش وقت. خلال أربع وعشرين ساعة، كانت المحاضر متسجلة في النيابة العامة، والبلاغ المتقدم لمجلس نقابة الأطباء بيتضمن التسجيلات الصوتية، تفريغ الكاميرات، شهادة الممرضات، والأوراق الرسمية لبنك الدم اللي بتحمل توقيع أحمد.
بعد يومين، كنت قاعدة في الصالة في بيت أمي، لابسة هدوم واسعة بداري بيها الجرح اللي في بطني، لما الباب اتخبط. أحمد كان واقف بره. وشه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سودة، وهدومه مش مترتبة لأول مرة في حياتي أشوفه بالمنظر ده. —داليا… أرجوكِ اسمعيني. أمي كانت هتقفل الباب في وشه، بس أنا هزيت راسي وقلتلها: “سيبيه يدخل يا أمي”. قعد قدامي على الكرسي، وكانت إيديه بيلفها الخوف. —داليا، كل حاجة بتدمر. النقابة استدعتني، والنيابة فتحت تحقيق عاجل، ومجلس إدارة المستشفى وقفني عن العمل لحد ما التحقيقات تخلص. أنا ممكن أخسر شغلي ورخصتي… ممكن أتسجن!
بصيت له بهدوء تام، الهدوء اللي بييجي بعد ما الصدمة تخلص وما يفضلش غير الحقيقة. —انت ما فكرتش في ده وأنت بتمضي على أكياس الدم؟ —أنا ما كنتش عاوز أؤذيكي! —زعق وهو بيحاول يدافع عن نفسه—. أنا كنت عارف إن جسمك قوي، وإن حظك هيبقى أفضل! ميرنا كانت بتمو.ت، وعيلتها… —وعيلتها كانوا هيعملوك شريك —كملت أنا الجملة عنه—. ما تكدبش يا أحمد. التسجيلات فيها كل حاجة. انت ما اخترتش ينقذ مريضة، انت اخترت المستثمر اللي هيدفع أكتر. انت بعت حياتي عشان كرسي في مجلس إدارة.
سكت، والدموع نزلت من عينيه، بس مكنتش دموع ندم عليّ، كانت دموع حسرة على كل اللي كان بيبنيه وبيروح منه. —أرجوكِ اسمعيني يا داليا، احنا بيننا سبع سنين… اسحبي البلاغ، وأنا أوعدك هقطع علاقتي بـ ميرنا تماماً، وهكتبلك نص المستشفى باسمك، كل اللي عاوزاه هيتعمل. قمت وقفت بالعافية، ومسكت الدبلة الذهبية اللي طلعتها من جيبي، وحطيتها على الطاولة قدامه. —السبع سنين دول ماتوا الفجرية اللي سيبتني فيها بنزف. والدبلة دي ملهاش قيمة عندي. انت مش بس خسرت زوجتك، انت خسرت نفسك وشرف مهنتك.
في القضايا اللي زي دي، الأوراق مابتكذبش. التحقيقات أثبتت إن تحويل الموارد الطبية لحالة غير أولوية بناءً على مصالح شخصية يعد إهمالاً طبياً جسيماً واستغلالاً للنفوذ. نقابة الأطباء شطبت اسم أحمد السري من سجلاتها نهائياً، وصدر ضد حكم بالسجن المشدد. عيلة ميرنا لما لقت الفضيحة كبرت، انسحبت من كل الاتفاقيات، وباعت أسهمها وسافرت برة مصر، وميرنا نفسها خرجت من المستشفى بجسد سليم لكن باسم متلوث في كل الأوساط الطبية والاجتماعية.
بعد سنة من اليوم ده… واقفة قدام المراية، وبصيت على الندبة الممتدة على بطني. الندبة دي مابقتش بتوجعني، بقت بتفكرني باليوم اللي نجيت فيه، مش بس من المو.ت، لكن من جوازة كادت تقضي على حياتي. طلقت منه رسمياً، واسترديت كل حقوقي، وبدأت أرجع لحياتي بالتدريج. أحياناً القرارات الصعبة بتبقى هي السبيل الوحيد عشان نعيش من جديد، وأنا اخترت إنِ أعيش.



