
فقط نظرت إليه لثوانٍ، ثم انزلقت دمعة ساخنة على وجنتها.
مسحتها سريعًا، وكأنها تخجل حتى من دموعها أمامه، ثم استدارت وغادرت.
اتجهت إلى الدرج بخطوات متعثرة، ودموعها تسبقها.
أما عمران، فظل واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت.
التفت إلى السكرتيرة، وصوته خرج هادئًا بشكل مخيف:
— ليلى كانت عايزة إيه؟
نظرت إليه هدى باستغراب.
— ليلى مين؟
اشتعلت عيناه.
— البنت اللي كانت هنا.
— دي كانت عايزة تقابلك، بس قولتلها إن حضرتك مشغول… هي جت قبل كده برده، بس أنا قولتلها إن حضرتك مش فاضي.
تبدلت ملامحه تمامًا.
— إنتِ مين علشان تقرري أنا أقابل مين؟
ارتبكت وخفضت عينيها.
— آسفة… فكرت إن حضرتك
قاطعها بحدة:.. بقلم سيلا وليد
— إنتِ ماتـفكريش تاني.
ثم اتجه إلى مكتبه وأغلق الباب بعنف، غير مكترث بالعميل الذي كان لا يزال يقف بالخارج.
استند إلى الباب للحظة، وأغمض عينيه.
نظرتها لم تفارقه.
ذلك العتاب الصامت كان أقسى عليه من أي كلمة.
كيف لم يرَ أنها جاءت إليه؟
كيف سمح لها أن تخرج وهي تبكي؟
قبض يده، وزفر بعنف، وكأن شيئًا داخله يختنق.
وصلت ليلى إلى مكتب أخيها.
وحمدت الله حين وجدته بمفرده.
رفع فريد عينيه إليها، وما إن رأى وجهها المبلل بالدموع حتى نهض مذعورًا.
— ليلى!
لم تجبه.
اندفعت نحوه وألقت بنفسها بين ذراعيه، وانفجرت في بكاء مكتوم تحول سريعًا إلى شهقات متتالية.
تجمد جسده.. توقفت أفكاره.
كل ما استطاع عقله استيعابه سؤال واحد:
ماذا حدث لها؟
أبعدها عنه قليلًا، وأجلسها على المقعد، ثم جلس أمامها وأحاط وجهها بكفيه.
— مالك؟ إيه اللي حصل؟
هزت رأسها وهي تبكي.
— عايزة أرجع البلد… مش عايزة أقعد هنا. رجعني البلد حالًا يا فريد.
قطب جبينه.
— ليه؟ إيه اللي حصل؟
شهقت، ولم تستطع أن تنطق.
مسح دموعها بإبهامه، وصوته صار أكثر حنانًا:
— بطلي عياط وفهميني… حد زعلك؟
في تلك اللحظة رن هاتف المكتب.
رفع فريد السماعة.
— أيوه، مستر مدحت.
جاءه صوت مدحت:
— اطلع لي يا فريد، فيه شغل لازم نخلصه.
أغلق فريد الهاتف، ونظر إلى أخته بعجز.
نهضت ليلى سريعًا.
— شوف شغلك… أنا هروح.
أمسك يدها.
— لا، خليكي. هطلع أستأذن وأجيلك، عايز أعرف إيه اللي حصل معاكي.
هزت رأسها، ثم أجبرت نفسها على الابتسام.
— مفيش…
ماما وبابا وحشوني بس.
اقترب منها واحتضن وجهها.
— يعني مفيش حد مزعلك؟
هزت رأسها بالنفي، بينما تهربت عيناها من عينيه.
— لا… هسيبك وأروح. عايزة أنام.
تنهد فريد.
— طيب يا حبيبتي. أنا مش هتأخر، وهاخد أجازة بكرة وننزل البلد. إيه رأيك؟
أومأت بصمت، ثم خرجت.
ظل فريد يراقبها حتى اختفت من أمامه.
في الأعلى، كان عمران يراقبها من خلال كاميرات الشركة.
رآها وهي تخرج وحدها.لم يتردد.
جمع أشياءه، وأخذ مفاتيح سيارته، ثم غادر خلفها.
كانت ليلى تقف أمام الشركة، تنتظر سيارة أجرة.
عيناها شاردتان في باب الشركة، وكأنها تستعيد كل شيء.. أول مرة دخلت هذا المكان… ثم اليوم… اليوم الذي خرجت منه بقلب مكسور.
انسابت دمعة على وجنتها، فمسحتها سريعًا.
توقفت سيارة بجوارها.
انخفض زجاج النافذة.
— اركبي.
نظرت إليه، ثم أبعدت عينيها عنه.
ترجل عمران من السيارة واتجه إليها.
— اركبي أوصلك. إحنا قدام الشركة، والعمال خارجين.
رفعت عينيها إليه.
كانتا متورمتين من البكاء.
— ليه؟ أركب معاك ليه؟ علشان أول محطة ترميني فيها؟
صمت.
تابعت، ووجعها يتسلل إلى كل حرف:
— أنا عارفة طريقي كويس… شكرًا لمجهود حضرتك.
ذهل من حديثها.
من هذه؟
أين تلك الصغيرة التي كانت تملأ المكان ضحكًا؟
أين ليلى التي كانت تنظر إليه بعينين لا تعرفان إلا البراءة؟
قال بصوت منخفض، لكنه حازم:
— ليلى، اركبي العربية. ماتخلنيش أستعمل معاكي القوة.
فتحت فمها لترد، لكنه أشار بعينيه نحو السيارة.
صمتت.ركبت.
كان هناك من يخرج من الشركة ورآهما
استقل سيارته وخرج خلفهما
عند عمران، مرت دقائق طويلة دون كلمة.
حتى أوقف عمران السيارة أمام النيل.
ظل الاثنان صامتين.. لدقائق
قال دون أن ينظر إليها:
— عاملة إيه؟
ردت ببرود مكسور:
— أنا كويسة.
ابتسم ابتسامة حزينة.
— بس أنا مش كويس.
التفتت إليه سريعًا.
ظل ينظر إلى المياه، وكأنه يخشى أن ينظر إليها فينهار.
— من وقت ما رجعت من عندك وأنا كل دقيقة بعاتب نفسي.
سكت لحظة.. وقال:
— ليه؟
همست:
— ليه إيه؟
استدار إليها.
كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.. وجع.. ندم.
وحب يحاول بكل قوته أن يخفيه.
— ليه عملتي فيا كده؟
ارتبكت..
وارتجف جسدها
— أنا… أنا ماعملتش حاجة.
هز رأسه ببطء.
— عملتي كتير… كتير أوي.
ارتجف قلبها.. فهمت.
كان يتحدث عن تعلقها به.
عن قربها منه.. عن مشاعرها التي حاولت الهروب منها.
خفض عينيه للحظات، ثم قال:
— إنتِ عندك حق.
رفعت عينيها إليه.
— أنا كبير… وأكبر منك بفرق كبير
ابتلع غصته.
— وإنتِ صغيرة أوي عليا يا ليلى.
توقفت أنفاسها.
تابع بصوت مبحوح:
— كنت فاكر إن الحل إني أبعد. أختفي من قدامك. أخليكي تنسي… وتكملي حياتك بعيد عني..
ولا كأنك شفتيني
ضحك بسخرية موجوعة.
— بس أنا اللي ماعرفتش أنساكي.
نظرت إليه والدموع تتجمع في عينيها.
— اانا… صمتت ولم تكمل
رفع عينيه إليها.
— آسف.
هز رأسه وكأنه يعترف لأول مرة أمام نفسه قبل أن يعترف لها:
— آسف إني حبيتك… غصب عني.
ارتجفت شف.تاها.
— وكان لازم أبعد علشان ماعلقكيش بيا.
سقطت دمعة من عينيها.
— بس أنا اتعلقت…
توقف.. كأن الكلمة أصابته في صدره مباشرة.
اقتربت منه بنظرة مرتجفة، وقالتها مرة أخرى، بصوت خافت:
— اتعلقت بيك.
أغمض عينيه للحظة.
ارتفع نبضه حتى كاد يسمعه في أ.ذنيه.
وحين فتح عينيه، لم يعد هناك مجال لله.وب.
قال بصوت خرج منه كاعتراف انتظره طويلًا:
— ليلى… أنا بحبك.
شهقت، وانهمرت دموعها أكثر.
ابتسمت وسط بكائها، وكأنها للمرة الأولى تسمع الجملة التي كانت تحلم بها رغم خوفها منها.
— وأنا…بقلم سيلا وليد
توقفت.
لم تستطع إكمالها.
اقترب عمران قليلًا، دون أن يلم.سها، وكأن حتى المسافة بينهما أصبحت شيئًا مقدسًا يخشى أن يكسره.
— وإنتِ إيه؟
نظرت إلى عينيه، ثم همست بصوت مر.تعش:
— وأنا…
من يوم ما حبيتك، وأنا بحاول أقنع قلبي إنك مش ليا.
توقفت أنف.اسه.
أكملت وهي تبكي:
— بس قلبي ماصدقنيش.


