
اقترب عمران برأسه قليلًا، وصوته أصبح أكثر هدوءًا:
— حاسة بإيه دلوقتي؟
تاهت في عينيه للحظات.
ثم خرجت الكلمة منها دون تفكير:
— متسبنيش…
توقفت أنفاسه.
لم يكن مستعدًا لتلك الجملة.
لم يكن مستعدًا لتأثيرها عليه.
ابتسم، ومد يده يزيح خصلاتها عن وجهها برفق.
— طيب ارتاحي… مش هسيبك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مطمئنة، ثم أغمضت عينيها، واستسلمت للنوم وهي تضع رأسها فوق كفه.
ظل ثابتًا.
لا يريد أن يسحب يده حتى لا يوقظها.
ظل يتأملها بصمت، وكأن عقله يرفض تصديق ما يحدث داخله.
يا الله…
ما هذا الشعور الذي زلزل كياني؟
كانت عيناه تتأملان كل تفصيلة فيها؛ ملامحها الهادئة بعد الألم، رموشها المستكينة، خصلاتها التي انسدلت حول وجهها، وشفتيها اللتين نطقتا قبل قليل بتلك الكلمات البريئة التي هدمت آخر حصون مقاومته.
متى أصبحتِ بهذا القرب مني؟
ابتلع ريقه، وأشاح بنظره للحظة، وكأنه يحاول الهرب من نفسه.
لكنه عاد إليها.. كانت نائمة بأمان فوق كفه.
وتلك الثقة البسيطة التي منحتها له دون أن تدري كانت أخطر عليه من أي شيء آخر.
اقترب قليلًا…ثم توقف.
ظل ينظر إلى شفتيها لحظات، وشعور غريب يدفعه نحوها، بتقبيل تلك الشفاة الوردية، ولكنه استجمع نفسه وابتعد.
أغمض عينيه للحظة، ثم زفر ببطء.
— لأ… كفاية يا عمران.
لكنه، رغم ذلك، لم يسحب يده من تحت رأسها.
فقط ظل بجوارها…
يحرس نومها، ويحارب قلبه..
مضى اسبوعًا الى أن عادت الى حياتها كما كانت ذهبت الى كليتها، لقد اشتاقت اليه حد الجحيم، فمنذ أن اتى الى المشفى لم تعرف عنه شيئا، لقد بدل حياتها الهادئة، الى متقلبة بين نبض القلب والاشتياق، تريد أن تسأل عنه، ولكنها لم تقو على ذلك
بينما عند عمران
منذ أن عاد من عندها، وبعد أن شعر بانهيار عالمه بالقرب منها، وهي التي تصغره بالعمر، بأثنى عشر عامًا، لقد اتخذ قراره بالابتعاد عنها قبل أن ينهار عالمه اكثر من ذلك
كل يوم يمر عليه كأنه سنة دون أن يراها، او يسمع صوتها
بمنزل ليلى
ولجت منال زوجة عمها
_ياوفاء، ياوفاء
خرجت وفاء من المطبخ
_خير ياام هشام
_ايه ياختي، ليلى مجتش بقالها اسبوعين ليه، هي ناسية انها مخطوبة ولا ايه، ومابتردش ليه على خطيبها، كلميها ووعيها ياوفاء
_ليلى عندها امتحانات يامنال مش فاضية، ووقت ماتخلص هتيجي
مصمصت شفتيها، تضرب يدها على صدرها
_يوه، بقولك ياولية وحشت خطيبها، ايه مش قادرة تيجي يوم، ماهو مش هسيب الارض وشغله ويروح لها
_بقولك يامنال، لو فاضية تعالي ساعديني في الخبيز، العيش حوا هيبوظ، ولا ايه
استدارت وهي تقول
_ياريت فاضية، انا دابحة كام فرخة ورايحة
انضفهم، البنات هيجوا بكرة
اغلقت وفاء الباب خلفها بعنف تسبها، واتجهت الى عملها، توقفت ثم رفعت هاتفها
_عاملة ايه حبيبتي
_كويسة ياماما
_صوتك ماله ياماما… بقلم سيلا وليد
_مفيش، بس منمتش كويس، هروح اتغدى وانام
_شاطرة حبيبتي، كلي ياليلى، انا عارفة انك بتنسي الاكل، وممكن تنامي وماتاكليش
_حاضر…
لازم اقفل الاتوبيس جه
قالتها واتجهت لكي تستقل سيارة الاجرة المتجهة الى منزل اخيها، ولكنها غيرت رأيها وتحركت الجانب الاخر، واستقلت سيارة اخرى متجهة الى الشركة
بينما دفعت منال باب غرفة ابنها
_انت من النجمة تروح تجيب الغندورة، هي نسيت انها مخطوبة لك ولا ايه
_حاضر ياما، سبيني انام
لكزته غاضبة
_خليك لما حد مصرواي يلف عليها وياخدها منك، علشان ترفض تكتب كتابك ياخايب
_انت تقصدي ايه ياما
بغرفة نيفين، اخرجت قميصًا احمر قصيرًا، وضعته على جسدها وتبسمت
_مااشوف اخرتها معاك ياابن عمي
دلفت الخادمة، تتلفت حولها، ثم أغلقت الباب
_حضرتك طلبتيني ياهانم
استدارت إليها
_هنزل ساعتين وارجع، عايزة اعرف تحركات ثريا هانم وملك كمان
ووقت ماعمران يجي، تنفذي اللي قولته بالحرف الواحد، سمعتيني ولا لا، يارب تنجحي
اشارت الخادمة الى عينيها
_من عينيا… حاضر، بس يارب ملك هانم ماتروحش عنده زي المرة اللي فاتت
_متقلقيش، هشغلها
عند ليلى
وصلت إلى الشركة، وصعدت دون وعي إلى مكتبه، كأن قدميها تعرفان الطريق إليه أكثر مما تعرفه هي.
وجدت السكرتيرة الخاصة به منكبة على عملها، فتوقفت أمام مكتبها، وسألت بصوت خافت:
— عمران بيه موجود؟
رفعت هدى عينيها إليها، وأخذت تتفحصها بنظرات صامتة؛ كنزة صوفية بسيطة، وبنطال أسود واسع، وملامح ريفية هادئة لم تستطع إخفاء ارتباكها.
أجابتها ببرود:
— مشغول… عدي علينا في وقت تاني.. زي المرة اللي فاتت
تجمدت ليلى للحظة.
لم تكن الكلمة قاسية، لكن قلبها كان هشًّا بما يكفي ليؤلمه أبسط رد.
انخفضت عيناها، وحاولت أن تخفي الحزن الذي تسلل إلى ملامحها، بينما تحجرت الدموع في عينيها.
— حاضر.
استدارت لتغادر، وفي اللحظة نفسها انفتح باب المكتب.
خرج عمران وهو يتحدث مع أحد العملاء، وما إن أغلق حديثه حتى رفع عينيه نحو السكرتيرة.
— خليكي مع رائف بيه يا هدى.
استدار ليعود إلى مكتبه، لكنه توقف فجأة.
حين وقعت عيناه عليها.
ليلى… همس بها
كانت واقفة على بُعد خطوات منه، تنظر إليه بعينين امتلأتا بالعتاب أكثر مما امتلأتا بالدموع.
تلاقت عيناهما.
وفي لحظة واحدة، فهم كل شيء.
نظراتها العتابية
ونظراته صرخت باعتذار لم يجد طريقه إلى شفتيه.. ورغم ذلك رسم البرود
— ليلى… فيه حاجة؟
لم تجبه.



