
ما عزمتش عليهم يخشوا.
طلعت على المصطبة.
قفلت الباب ورايا عشان الولاد ما يسمعوش.
وبعدين جت أرخص وأغرب دخلة مساومة في حياتي.
أمي بدأت بكلام الأهل.
“الدم مش بيتحول مية.”
“جنى الله يرحمها كانت هتبقى عايزانا مع بعض.”
استخدمت بنتي الميتة كجزء من الملاوعة.
سبتها تكمل لأن الناس بتكشف نفسها لو اديتهم سكوت كافي.
سرعان ما الكلام بقى محدد أكتر.
الكتاب اتجاب سيرته.
قد إيه هيبقى حلو لو الكتاب الجاي تضمن ذكريات العيلة الحلوة.
الأعياد.
الماضي.
وبعدين “ماجد” اقترح بصوت واطي إن طالما الأمور ماشية معاكي تمام دلوقتي، يمكن نقدر نكون عقلانيين ونساعد بعض.
أهي الكلمة دي ظهرت تاني.
المساعدة.
نفس الكلمة اللي استخدمتها في سلم المستشفى من سنة.
دلوقتي راجعة من الناس اللي رفضوا يدوها.
إلا إن دلوقتي فيه فلوس ملزوقة باسمي.
ففجأة المساعدة بقت حاجة الأهل مديونين بيها لبعض.
وبعدين “ماجد” قال الحاجة اللي نهت الكلام حتى لو هو ما خدش باله.
قال إنه المفروض يبدأ يشوف “ياسين” و”سليم” بانتظام.
إن ما ينفعش أب يتحرم من عياله.
”شيرين” جنبه ثبتت تماماً.
بصة اتنقلت بينهم.
افتكرت المكالمة.
“الوقت مش مناسب لينا دلوقتي.”
لينا.
هو ساب سنة كاملة من السكوت بينه وبين ولاده.
دلوقتي لما أمهم بقت حد الناس تعرفه، عايز يرجع.
ما كنتش محتاجة إثبات عن القرار ده اتأخد إزاي.
هو راجل كبير.
مهما كانت “شيرين” عايزة، هو اختار يختفي برضه.
الظلــ,,ـــــم اللي وقع على ولادي كان الجزء الوحيد في التمثيلية دي اللي تحرك فيا حاجة بجد.
”شيرين” حسّت بتغير الجو.
قربت خطوة بأدفأ ضحكة تقدر تتصنعها.
“يا جنى، اسمعي. إحنا ما كناش نقصد كلام الكاتبة الغلبانة ده خالص.
ده كان يوم صعب ومشدود على الكل. ما كناش نقصد.”
كنت هحترم البجاحة دي.
بس السنة اللي فاتت علمتني حاجة.
أنت مش محتاج تعلي صوتك عشان تكسب.
ما زعقتش.
كل ما صوتهم يعلى، كل ما أنا أهدى.
لأنني ما بقيتش محتاجة أي حاجة من أي حد فيهم.
والشخص اللي مش محتاج منك حاجة، مستحيل تتحكم فيه.
قلت لهم بهدوء إن الإجابة “لا”.
لا للكتاب الجاي.
لا للأعياد.
لا لفكرة المساعدة بين الأهل.
دموع أمي الاحترافية اختفت بسرعة أول ما فهمت إنها مش جايبة نتيجة.
اللي حل محلها كان الغضب.
“بعد كل اللي ضحيت بيه عشانك؟” قالت بصوت بيعلى. “جاية دلوقتي تتخلي عن أمك؟”
تتخلي.
الست اللي قعدت تتفرج على رسايلي من غير ما ترد، بتتهمني إنني بتتخلى عنها على مصطبة بيتي.
”شيرين” دخلت في الكلام.
بتتكلم بسرعة عن قد إيه أنا مش عادلة.
وإزاي أنا بعاقب ابنها الصغير على مشاكل الكبار.
وإزاي أنا نشرت أسرار العيلة في كتاب عشان أفضحهم.
الستين صوتهم بقى أعلى.
بيتكلموا فوق بعض.
فضلت في مكاني.
هادية.
بصمت.
”ماجد” ما قالش حاجة.
“ماجد” دايماً مش بيقول حاجة.
وبعدين أبويا، اللي قضى عمره كله بينكمش ورا أي حاجة تختارها أمي، عمل حاجة مختلفة.
رفع عينيه من على أرضية المصطبة.
بص لي مباشرة.
عينيه كانت مبلولة.
المرة دي، ما بصش بعيد.
”يا جنى،” قال.
صوته اتكسر.
“كان المفروض عليّ إني—”
وبعدين سكت.
الجملة فضلت مش كاملة في هواء الصيف.
“كان المفروض عليّ إني…”
الباقي كان تقيل عليه بعد 63 سنة من شيل ولا حاجة.
لثانية واحدة، شفت الشكل الحزين كله لأبويا.
راجل عارف.
كان طول عمره عارف.
واختار السكوت مرات كتير لدرجة إن السكوت بقى لغته الوحيدة.
وبعدين أمي ندهت اسمه بحزم:
“فاروق.”
قفل بؤه.
رجع خطوة ورا جنبها.
اختارها تاني.
طول عمره هيختارها.
ده كان أكتر حاجة تحزن على المصطبة دي.
سمحت لنفسي أزعل على ده.
بس ده ما غيرش حاجة.
في الآخر، هِديوا وتعبوا.
ما بقاش فيه حتة للزعاق يروح فيها.
المصطبة بقت ساكتة.
والسكوت كان ملكي أنا، لأنني كنت الشخص الوحيد اللي واقف هناك ومش خايف.
بصيت لأمي وقلت لها الجملة اللي شيلتها من يوم وفــ,,ـــــاه “جنى”.
“أنا اديتها كل حاجة.”
اديت بنتي كل حاجة حيلتي.
كل ساعة.
كل جنيه.
كل حتة مني.
في الوقت اللي الأربعة فيكم قررتوا إن دي مش مسؤوليتكم.
ما بقاش فاضل حاجة لكم.
مش لأنني شايلاها غل أو قسوة.
ببساطة ما بقاش فيه حاجة فاضلة.
أنا اديتها كل حاجة.
وبعدين رديت لأمي كلامها هي.
“أنتِ قلتِ لي أنتِ اللي اخترتي العيشة دي، ومشيليناش شيلتك،” قلت لها. “أنتِ كنتِ صح في حاجة واحدة. أنا فعلاً اخترتها. اخترت الولاد دول واخترت أختهم واخترت أقف وأشيل. فالفرق بيننا دلوقتي:
أنا اخترت العيشة دي، ومش هشيلها لكِ.”
أمي فتحت بؤها.
ما طلعش حاجة.
في الآخر، التفت لـ “شيرين”.
كانت لسة بتحاول تظبط وشها على حاجة توصل لي.
“عايزة تعرفي أنا بفكر في إيه بجد؟” قلت لها.
قربت.
“أعتقد إنك تقدري تقرأيها زي الباقيين. هي في الكتاب، الصفحة 204.”
وبعدين فتحت الباب.
دخلت جوة.
وقفلته بالراحة.
من غير رزعة.
لأن الرزعة دي حاجة بتعملها لما يكون لسة عندك حاجة تثبتها.
أنا ما كانش عندي.
من ورا الباب، سمعت صوت أمي بيعلى تاني وبعدين بيختفي بالتدريج وهم نازلين السلم بالراحة.
من الشباك، “ياسين” كان بيزق “سليم” على المرجيحة المربوطة في الشجرة الوحيدة الحلوة في جنينتنا.
ولا واحد فيهم سمع الكلام.
دي كانت الحاجة الوحيدة اللي يهمني أحميها.
وأنا حميتها.
طلعت من باب الجنينة اللي ورا عشان أزق عيالي.
ما رجعوش تاني خلاص.
كان فيه رسائل في جروب العيلة لفترة.
أمي بتقلب بين المظلومة والمغلوبة والمقهورة تاني.
في الآخر، حتى ده وقف.
ما عملتش بلوك لحد.
وما مسحتش الجروب.
عملت Mute للنوتيفيكيشنز (كتم التنبيهات).
فيه فرق بين إنك ترزع الباب، وبين إنك تتمشى بعيد عنه بهدوء.
أنا اتعلمت الفرق.
الحياة بقت أصغر وأدفأ بعديها.
بالظبط في الاتجاه اللي كنت عايزاه.
الأرباح من كتاب “من بين الرماد” أدِتني حاجة عمري ما عشتها في حياتي بعد ما كبرت.
مساحة أتطلع وأتنفس فيها.
مش يخوت ولا عربيات.
مساحة بس.
حطيت فلوس في حسابات باسم “ياسين” و”سليم” عشان ما يجيش يوم على أي عيل من عيالي ويتقال له ما حيلتناش.
فضلت في البيت الصغير.
الشجرة الحلوة.
وفضلت أكتب.
الصبح دلوقتي بدل الساعة تلاتة بالليل.
لسة بالرصاص.
ولسة على الكشاكيل الصفرا.
فيه حاجات مش محتاجة تتصلح طالما شغالة صح.
”مس مرفت” بقت حاجة لسة ما عنديش كلمة صريحة توصفها.
بتيجي تتغدى معانا معظم أيام الأحد.
“ياسين” بيناديها “مس مرفت”.
“سليم” بيناديها “تيتة مرفت”.
وهي بتسيبهم يقولوا كده.
أول مرة سمعته بيقولها، اضطريت أخرج من الأوضة قبل ما حد يشوف وشي.
في يوم حد، بعد أكتر من سنة من خناقة المصطبة دي، عملت حاجة كان نفسي أعملها من أيام إقامة المستشفى.
جبت طاجن البايركس أبو غطا أزرق.
نفس الطبق الزجاجي اللي قعد جنب باب وبعدين باب تاني في أوحش فترة في حياتي.
دعكته لحد ما بقى بيبرق.
مليته أكل من اللي طبخته بإيدي.
وبعدين سلمته لـ “مس مرفت” على الترابيزة في مطبخ مليان نور ربنا.
”من تمريض القسم،” قلت لها وأنا بّسلمهولها.
“مس مرفت” ضحكت.
الضحكة الحقيقية.
لأن إحنا الاتنين كنا عارفين إن عمره ما كان فيه تمريض قسم.
كانت هي وبس.
في النهاية، البني آدمين هما الناس اللي بيظهروا بجد.
دول هما الناس اللي استحقوا أماكن على ترابيزتي.
طاجن البايركس بقى بيلف بين بيوتنا دلوقتي.
مليان في الرايح والجاي.
ده اللي العيلة بقت تعنيه.
حاجة دافية بتفضل ترجع لك.
كنت فاكرة زمان إن العيلة هما الناس اللي شاربين من نفس الدم.
أنا دفــ,,ـــــنت الاعتقاد ده في نفس السنة اللي دفــ,,ـــــنت فيها بنتي.
ده اللي أنا مصدقة فيه دلوقتي:
العيلة هو الشخص اللي بيظهر الساعة تلاتة الصبح وأنت ما حيلتكش حاجة تديها له.
والناس اللي مش بتخبط غير لما كل حاجة تبقى سهلة وحلوة، مش من حقهم يدخلوا جوة البيت أوتوماتيك كده.
دي قصتي.
بنت واحدة مستعدة أدفع عمري عشان أحــ,,ـــــضنها تاني.
ممرضة واحدة خبطت وأنا ما حيلتيش حاجة.
وولدين لسة هنا لأن في ليلة هادية، كانوا بياخدوا نفسهم في الأوضة اللي جنبي، وأنا قررت إن لازم أكرر أخد نفسي انا كمان



