
الخط ده أنا حافظه أكتر من اسمي. خط أمي. قريت الجملة مرتين. وبعدين قريتها للمرة التالتة. “هو اختار شغله في الجيش، ومش عايز يعرف حاجة عنك ولا عن الولد.. ياريت تبطلي تدوري عليه وتنسيه.” رفعت عيني ليها بالراحة. — أنا عمري ما كتبت الكلام ده. ياسمين ما ردتش. — ياسمين بصيلي.. أنا والله العظيم ما قلت الكلام ده ولا كتبته! — عارفة. — عارفة منين ومن إمتى؟ — من كام أسبوع بس.
— إزاي؟ أخدت نفس عميق. — لأن أمك جاتلي لحد هنا ودورت عليا. جسمي كله اتجمد. — أمي كانت عارفة أنتِ عايشة فين؟ ياسمين بصتلي بحزن كفيل يهد أي راجل. — إسلام.. أمك طول الـ 7 سنين كانت عارفة أنا وسيف عايشين فين بالظبط. خرجت من البيت ده والجواب مجروح جوة الجاكيت بتاعي، ومعايا إحساس عمري ما جربته في حياتي قبل كده. طول السنين دي كنت فاكر إن أوحش حاجة عملتها هي إني سيبت ياسمين ومشيت من غير ما أسمعها.
دلوقتي عرفت إنه وأنا بعيد، أمي أخدت قرار يخص ابني. قرار ما كانش من حقها تأخده أبداً. رجعت الفندق. ما اتصلتش بأي حد. حطيت حظاظة سيف على المكتب وفضلت بصلها لحد بعد نص الليل. 7 سنين. أول سنة طلعتله. أول كلمة نطقها. أول يوم يروح فيه المدرسة. أول مرة يقع فيها من على العجلة. الليالي اللي كان بيسخن فيها. أعياد ميلاده. كل حاجة حصلت من غيري. وجزء من الذنب ذنبي أنا.
وده كان أصعب حاجة أتقبلها. أمي لعبت بالحقيقة وزوّرتها، بس هي لقت الأرض الخصبة جاهزة لأن أنا اللي مهدتها بنفسي. أنا اللي عملت بلوك لياسمين. أنا اللي غيرت أرقامي. أنا اللي فضلت إني أعيش دور المخدوع والمظلوم على إني أقعد وأسمع. الساعة 9:15 صباح يوم عيد الميلاد، اتصلت بأمي. ردت عليا بصوت كله فرحة. — إسلام! أنا قلت إنك لسه في القاعدة العسكرية.. أنا هعمل غدا الساعة 2، وخالتك أمل جاية هي و…
— أنا في إسكندرية. سكتت خالص. — إيه؟ — إمبارح بالليل كنت في بيت ياسمين. السكوت طول أكتر وأكتر. — إسلام… — أنا شفت سيف. سمعت صوت نفسها. وبعدين اتنهدت. — كنت عارفة إن الست دي عاجلاً أم أجلاً هتحاول تعمل الحركة دي. ما كنتش مصدق اللي بتمعه. — عنده 7 سنين يا أمي. — بالظبط. — ده ابني. — هي اللي بتقول كده. غمضت عيني. — عنده نفس عيني.. وضحكة أبويا الله يرحمه.. وجواب مكتوب بخط إيدك بتقوليله فيه إني مش عايز اعرف حاجة عنه ولا عن أمه.
المرة دي ما ردتش. — قوليلي إنك مش أنتِ اللي كتبتي الكلام ده! — إسلام، أنا كنت بحاول أحميك! حسيت بإن فيه حاجة اتكسرت جوايا للأبد. — تحميني من إيه؟ — كان قدامك مستقبل ومستقبلك العسكري بيتبنى.. كنت طالع مأموريات وشهور برة البلد.. الست دي كانت عارفة إن وجود طفل هيجبرك ترجع و… — دي كانت مراتي! — كنتم خلاص اتطلقتوا! — عشان أنا غبي وغلطت! ضــ,,ـــــربت المكتب بكف إيدي بقوة.
— هي كانت حامل لما أنا مشيت.. أنتِ كنتِ عارفة؟ أمي أخدت وقت طويل أوي عشان ترد. — أيوة. قعدت على الكرسي. فجأة حسيت إن طافتي اتسحبت وما بقاش فيا حيل حتى أقوم أقف. — من إمتى؟ — اتصلت بيا بعد ما أنت سافرت. — وما قلتيليش خالص؟ — أنت كنت مركز في مأموريتك وشغلك.. كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ طلعت مني ضحكة كلها مرارة. — كنتِ تقوليلى! — أنا عارفة طبعك زمان يا إسلام.. كنت هتسيب كل حاجة وترجع فوراً!
— بالظبط! — وكانت حياتك ومستقبلك هيبوظوا. عصرت الجواب في إيدي. — أنتِ ما أنقذتيش مستقبلي. صوتي طلع أهدى بكثير من الأول. — أنتِ دمرتي عيلتي. — أنا أمك! — وعشان كده كنتِ عارفة بالظبط حجم الأذى اللي هتسببهولي. — بكرة تكبر وتعرف إني… — لأ. قاطعتها. — إياكِ تتصلي بياسمين تاني.. إياكِ تقربي من سيف.. وإياكِ تفتكري إنك ممكن تشوفيني تاني. — إسلام، أنت مش من حقك تمنعني أشوف حفيدي!
— أنتِ قررتِ لمدة 7 سنين إني ما أعرفش ابني.. دلوقتي مش أنتِ اللي بتحطي القواعد يا أمي. قفلت السكة في وشها. بس مواجهة أمي كانت الجزء السهل في اللعبة. الصعب الحقيقي كان لسه بيبدأ بعد كده. كان لازم أواجه طفل مش مديون لي بأي حاجة خالص. خلال الأسابيع اللي بعد كده، ما طلبتش من سيف إنه يقولي “يا بابا”. ما حاولتش أشتري حبه باللعب والهديا. ما وعدتوش بسفريات ولا خروج.
أنا بس كنت بظهر في حياته. أول يوم سبت أخدته نأكل أيس كريم. تاني يوم سبت عملنا صاروخ ورق وكارتون مع بعض. تالت يوم سبت رحت حضرتله ماتش كورة في المدرسة لعب فيه 12 دقيقة بس. وعملت نفسي كأني بتفرج على نهائي كاس العالم في الـ 12 دقيقة دول. ياسمين كانت بتبص على ده كله من بعيد. ما كانتش واثقة فيا. وكان عندها حق. في يوم بالليل، وسيف بيلعب بالـ Puzzle، قالتلي:
— بلاش تخلط بين إنك متحمس وإنك جاهز فعلاً. — أنا مش بخلط. — أنت النهاردة عايز تعوض 7 سنين في 3 أسابيع. نزلت عيني في الأرض. بصيت للأرض وسكت لحظة، وبعدين رفعت رأسي وقلتلها: — عارف.. عارف إن الـ 7 سنين دول مش هيرجعوا بكلمة ولا بـ 3 أسابيع، ولا حتى بـ 3 سنين.. بس أنا مش جاي أعوض اللي فات يا ياسمين، أنا جاي أحضر اللي جاي.. لو وافقتِ تسيبيني أكون موجود.
ياسمين بصلتي بثبات، وقالت بصلابة المكسور اللي اتعلم يقف على حيله: — سيف مش لعبة يا إسلام.. الولد ده كبر وهو فاكر إن أبوه مات في الشغل، كبر وهو شايفني بشيل كل حاجة لوحدي.. لو ناوي تدخل حياته يومين وتزهق، أو شغل المأموريات يشدك تاني وتختفي، أرجوك امشي من دلوقتي قبل ما يتعلق بيك وترجع تكسر قلبه.. أنا مستعدة أستحمل أي حاجة، بس سيف لأ. — مش همشي.. وأقسم بالله ما هختفي تاني.
ومن اليوم ده، بدأت رحلة تانية خالص. قدّمت على نقل رسمي من المأموريات الخارجية، وطلبت أكون ثابت في الخدمة جوة الإسكندرية، حتى لو ده هيأخر ترقيتي أو يقلل من رتبتي العسكرية.. ما كانش يهمني الشغل ولا الرتب زي الأول.. كان يهمني إن الساعة لما تيجي 3 العصر، أكون واقف قدام باب المدرسة مستني سيف وهو طالع بشنطته التقيلة. في الأول، سيف كان بيتعامل معايا بحذر.. كان شايفني “عمو الضابط الطيب” اللي بيجيب بسكويت وبيصلح اللعب المكسورة.. بس مع الوقت، الثلج بدأ يدوب.
أول مرة قاللي فيها “يا بابا” كانت بعد 4 شهور.. كنا قاعدين في الجنينة وبنحاول نطيّر طيارة ورق عملناها سوا، والطيارة كان كل شوية الشباك يطيرها وتوقع في الأرض.. هو اتعصب ورمى الخيط وقاللي: — مش نافعة يا بابا! الكلمة طلعت منه بعفوية كاملة، من غير ما يقصد.. هو ما أخدش باله، بس أنا جالي ذهول.. وقفت مكاني والدموع اتجمعت في عيني.. جُريت عليه وحــ,,ـــــضنته بقوة وهو مستغرب ومش فاهم أنا ليه بقيت طفل أصغر منه في اللحظة دي.
وعلى الناحية التانية، كانت ياسمين بتبص للمشهد من بعيد.. وبدأ كبريائها وجرحها القديم يهدوا بالتدريج لما شافت إني بجد اتغيرت، إني مش الراجل الأني والشكاك بتاع زمان. في يوم، بعد ما سيف نام، قعدنا أنا وياسمين في الصالة بنشرب شاي.. كانت أول مرة نتكلم فيها عن زمان من غير صريخ ولا عتاب. — أنت ليه ما سمعتنيش يا إسلام؟ — سألتني بهدوء.
— عشان كنت عبيط.. كنت فاكر إن الكبرياء والأصول هي إني أخد موقف حاسم وأمشي، وما كنتش فاهم إن المرجلة الحقيقية هي إني أحمي بيتي وأسمع مراتي وأثق فيها.. الصورة اللي شفتها لطارق صاحبك هي اللي عمّت عيني، وأمي كملت على عمياي. ياسمين اتنهدت وقالت: — طارق يومها كان لسه دفــ,,ـــــن أبوه في نفس المستشفى، وكان نزل مش قادر يقف على حيله.. مسك في إيدي وهو بيبكي.. أنت شفت الصورة وافترضت الخيانة وسيبتني وأنا في الشارع، وأنا كنت لسه عارفة إني حامل في سيف بـ 3 أيام بس.. ولما جيتلك عشان أقولك، لقيتك غيرت كل أرقامك وقغلت الباب في وشي.
— أنا آسف.. آسف على كل لحظة وجع عشتيها لوحدك.. وأوعدك، حياتي الباقية كلها هتبقى عشان أصالحك وأصالح سيف. الشهور مرت، وبقت علاقتنا أقوى.. ما استعجلتش إني أرجع أعيش معاهم في نفس البيت.. كنت بروح معاهم كل حتة، بصرف على سيف، وبشيل مع ياسمين مسؤوليته، وبسيبهم ينقوا كل حاجة في حياتهم.. لحد ما في يوم، في عيد ميلاد سيف الـ 8، الولد طفى الشمع وبصلي وبص لأمه وقال: — أنا أمنيتي السنة دي إن بابا يفضل عايش معانا في البيت وما يمشيش يروح الفندق تاني.
ياسمين بصتلي.. المرة دي ما كانش في عينها حزن ولا شك.. كان فيه سماح وتسامح طال انتظاره.. ابتسمت وهزت رأسها بالراحة. رجعت لبيتي ولعيلتي.. وأمي حاولت كتير تتصل وترجع المياه لمجاريها، بس أنا فرضت حدود صارمة جداً.. قلتلها إن سيف ممكن يزورها ويبوس إيدها كجدته، بس هي مالهاش أي كلمة أو تدخل في حياتنا أو طريقة تربيتنا، وإن ياسمين هي ست البيت والوحيدة اللي ليها الاحترام الكامل في وجودها وغيابها.
شلت الجواب القديم وحظاظة المستشفى في صندوق صغير، وحطيته في مكتبي.. عشان كل ما كبريائي أو غروري يحاولوا يتحركوا، أفتح الصندوق وأفتكر إن الغرور كاد يحرمني من أعظم نعمة ربنا أداهالي في دنيتي: ابني وياسمين.

