
الجزء التاني
فضلت متسمرة ورا الباب، ضهري لازق في الحيطة الباردة ونَفَسي مقطوع، حاسة كأن جردل مية بتلج اتدلق فوق دماغي دفعة واحدة. صوت دقات قلبي كان عالي لدرجة خفت يسمعوه جوة الأوضة. هشام، الراجل اللي كنت بفرش معاه شقة العمر وبختار ستاير الصالون وبلف وراه في معارض الموبيليا، بيحسبها بالورقة والقلم علشان يسرقني، ومش بس كده، ده متجوز في السر أو
مدورها مع واحدة تانية اسمها نيرمين وحامل منه في عيل!
مسحت دمعة سخنة نزلت غصب عني ومسحت وراها أي ذرة ضعف.
في اللحظة دي بالذات، الخوف والحزن اتقلبوا لجمر مولّع، شيطان الانتقام صحي جوايا ونفض عني أي سذاجة عشت بيها الاتنين وتلاتين سنة اللي فاتوا. ستي الله يرحمها كانت دايماً تقولي يا ندى، اللي يطاطي للريح تكسره، واللي يعض إيدك حط صباعك في عينه.
رجعت لورا خطوة بخطوة على طراطيف صوابعي من غير ما أعمل أي صوت، سحبت شنطة إيدي من على الترابيزة اللي جنب الباب البراني، وخرجت وقفت في الجنينة أتنفس الهوا المخنوق بتاع الكمبوند. بعد دقيقتين بالظبط، الباب اتفتح وخرج هشام، وشه لسه محتقن وعروق رقبته ناطة، بس كان بيحاول بكل رخص يرسم ابتسامة مصطنعة فوق ملامحه.
قرب مني ومسك دراعي بضغط خفيف، كأنه بيهديني بس في الحقيقة كان بيقرص على لحمي
حقك عليا يا ندى.. أمي أعصابها تعبانة شوية وإنتِ فاجئتينا بحركة الوزة دي، يعني بذمتك حد عاقل يدخل على ناس أكابر بطير بلدي مربوط بشريطة؟ بس خلاص، أنا دخلتها الجنينة الخلفية لحد ما نتصرف فيها.. يلا علشان أروحك، مش عايزك تزعلي، المهم عندي الأيام اللي جاية وفرحنا.
بصيت في عينيه، كنت شايفة الرماد اللي مستخبي ورا لمعة عينيه الكدابة. بلعت ريقي ورسمت على وشي أبلَه ابتسامة غبية ممكن تتشاف، ونزلت راسي في الأرض بحرج مصطنع
أنا مكنتش أقصد يا هشام..
افتكرتكم هتهزروا وتضحكوا، خلاص مش هعمل كده تاني.. أنا أسفة لو زعلت طنط ميرفت.
هشام اتنهد براحة حسيتها في ريحة نفسه، افتكر إني لسه العبيطة البسيطة بتاعة التخاطب اللي بتصدق أي كلمتين معسولين. طبطب على كتفي وقال بنبرة ناعمة زي الحية
خلاص يا حبيبتي، المهم متنسيش ميعادنا بكرة الصبح بدري، هنعدي على الشهر العقاري في الجيزة نعمل التوكيل اللي قولتلك عليه علشان أخلص كل إجراءات المرافق بتاعة البيت والأرض عشان نعرف نظبط القرض بتاع تشطيب الشقة قبل الفرح.. ماشي يا قلبي؟
حاضر يا هشام، اللي تشوفه. . ميعادنا تسعة الصبح.
ركبت معاه العربية وفضل طول الطريق يشغل أغاني رومانسية ويدعي الحب، وأنا قاعدة جنبه باصة من الشباك، شايفة انعكاس وشي في الإزاز، وبحلف بكل دمعة نزلت من عيني وأنا صغيرة إني هخليه يلف حوالين نفسه زي الفرخة الدايخة. نزلني أول شارعنا في الهرم، ومجرد ما عربيته لفت واختفت، طلعت تليفوني واتصلت ب سعيد.
سعيد مش بس ابن خالتي، ده زي أخويا الكبير، ومحامي شاطر جداً في قضايا الأراضي والتعويضات وعاجن وخابز شغل الشهر العقاري والورق العرفي والشرعي. أول ما رد، قولتله بنبرة صوت ثابتة متخوفش
سعيد، أنا محتاجاك دلوقتي حالاً في بيتي..
متتأخرش دقيقة واحدة، في مصيبة لازم تتقلب على دماغ اللي عملوها.
بعد نص ساعة كان سعيد قاعد قدامي في الصالة، شربت بق مية وحكيتله كل حرف سمعته ورا باب المكتب، من أول الوزة لحد بيع الأرض لحما نيرمين والواد اللي في بطنها. سعيد وشه احمر وعروقه ضربت، خبط كف بكف وهو بيجز على سنانه
ابن الكلب! ده واقع من طيارة ده ولا إيه؟! أرض أوسيم؟ الأرض اللي داخلة كردون مباني وهتنزع منها الدولة حتة للمحور الجديد والمتر فيها هيعدي؟ ده تعويضها لوحده يدخل في ملايين يا ندى! هو ده الملعوب!
حما نيرمين ده تلاقيه مقاول من الحيتان الكبار اللي ليهم سكة في التخطيط العمراني، وعارفين المخطط قبل ما ينزل في الجريدة الرسمية، وعايزين يلهفوا الأرض بتراب الفلوس باسم التوكيل!
سكت شوية وبصلي بتركيز
إنتِ ناوية على إيه يا بنت خالتي؟ أنا ممكن أروح الصبح أفرمه في منطقته وأفضح أهله وأفركش الحوار ده كله.
ابتسمت ببرود خوّف سعيد نفسه، وقولتله
تفرمه إيه يا سعيد؟ الفرم ده بتاع العيال الصغيرة.. الفركشة ببلاش متبردش ناري. هشام وعيلته فاكريني صيدة سهلة، وأنا هدخلهم المصيدة برجليهم..
إنت هتعملي بكرة توكيل مزبوط على الشعرة، توكيل يخليه يفتكر إنه ملك الدنيا، بس في الحقيقة ميعرفش يحط مسمار في الأرض.. وفي نفس الوقت، عايزة أعرف مين نيرمين دي، وأبوها مين، وحماها مين، وعايشة فين بالظبط.
سعيد لمعت في عينيه نظرة فهم وخبث
يا بت اللعيبة! دماغي شغالة معاكي.. بصي بقى، التوكيل اللي هو عايزه توكيل عام إدارة وتصرف وبيع للنفس وللغير، ده اللي يخليه يبيع من ورا ضهرك.
إحنا هنروح معاه بكرة عادي، بس أنا هسبقك على موظف معرفة هناك في مكتب توثيق الجيزة، وهنجهز صيغة توكيل شكلها يخض ومليانة بنود بيع وشرا، بس هنحط بند خبيث في النص لا يسري هذا التوكيل ولا يجوز التصرف بالبيع إلا بوجود إقرار موقع من الموكل ومصدق عليه بصحة توقيع في تاريخ لاحق، يعني ورقة في الهوا، يروح يبيع بيها للمقاول، ياخد منه العربون، والمقاول يكتشف إن التوكيل مش نافع، وساعتها حيتان السوق هيقطعوا لحم هشام بسنانهم.
ونيرمين؟ سألته بجمود.




