
اتلفت وراه بسرعة، لقاها واقفة جنبه بابتسامة واسعة، رجع بص للمراية، لقاها فاضية تماماً. اتنفض وخد خطوتين لورا وهو بيحاول يجمع شتات نفسه: إنتي.. إنتي مش باينة في المراية!
عزة ضحكت ضحكة رنانة هزت ركان الشقة وقالت: يا راجل؟ توك تاخد بالك؟ ما أنا قولتلك يا ذكي إني مش من عالمكم، وبعدين المرايات دي بتكشف المستور، وأنا لسه مش عايزة أكشف كل أوراقي ليك دلوقتي، ها.. قولت إيه في موضوع الساندوتش؟ أنا بجد جعانة جداً، والجبنة اللي في التلاجة نوعها إيه؟ يارب تكون رومي عشان بحبها.
مصطفى مشي ناحية المطبخ وهو بيتمتم بكلمات مش مفهومة، زي “لا حول ولا قوة إلا بالله” و”أكيد التعب عمل فيا كدة”، دخل المطبخ وطلع الجبنة والعيش، وهو بيقطع العيش كان بيسأل نفسه: هو أنا بكلم مين؟ عفريتة؟ ولا واحدة هربانة من مصحة؟ بس المراية.. المراية كانت حقيقية، هي مكنتش موجودة فيها!
وهو بيحضر الساندوتشات، فجأة النور بدأ يرمش، والكاتل بتاع الشاي اشتغل لوحده وبدأ يغلي، ريحة قهوة تركي قوية ملت المطبخ رغم إن مصطفى مكنش لسه ولع البوتجاز.
سمع صوتها جاي من ورا باب المطبخ:
زود السكر شوية يا مصطفى، بحبها مظبوطة، والجبنة حط عليها شوية زيت زيتون لو عندك، عشان العفاريت اللي زيي بيحبوا الأكل الصحي برضه.
مصطفى اتنفس بعمق، خرج لها ومعاه الصينية، لقاها قاعدة في نص الصالة، فارشة سجادة صغيرة كانت ملمومة في ركن الأوضة، وحاطة مخدات كنبة الصالون حواليها، وكأنها بتقول له: البيت بيتي يا عريس.
حط الصينية قدامها، وقعد على الأرض قصادها، بص لها بتركيز وقال: عزة.. أنا بقيت مش خايف، أنا بقيت مستغرب. إنتي عايزة مني إيه بالظبط؟ غير الأكل طبعاً؟
عزة مدت إيدها خدت ساندوتش، أخدت قطمة كبيرة، وبصت له وعينيها لمعت ببريق غريب:
عايزة أحس إني موجودة يا مصطفى، عايزة حد يكلمني من غير ما يخاف، عايزة أخرج من الوحدة اللي أنا فيها بقالي سنتين.. ممكن نعتبر دي بداية صداقة مش أكتر؟
مصطفى بص للحيطة اللي وراها، لقى خيالها على الحيطة بيتحرك قبل ما هي تتحرك، اتأكد إن الموضوع مش هلوسة، اتنهد وقال: صداقة؟ ماشي يا عزة.. بس بشرط، بلاش حركات “نور بيقطع” و”خيال مش موجود” دي تاني، عشان قلبي ده لا يحتمل، أنا راجل غلبان وشغلي في الشركة بيطلع عيني، مش ناقص رعب في البيت.
عزة ابتسمت بكسرة خفيفة، وقالت: اتفقنا، من اللحظة دي..
أنا مجرد ضيفة تقيلة دم شوية، بس بتعرف تعمل قهوة تعدل المزاج.
مصطفى ابتسم لأول مرة، وبدأ ياكل هو كمان، والهدوء نزل على الشقة لأول مرة من سنين.. بس وهو بياكل، لمح حاجة تحت السفرة، حاجة خلت لقمة العيش تقف في زوره.
……..
مصطفى سكت فجأة، وعيونه اتسمرت على الأرض تحت السفرة، عزة خدت بالها من تغير ملامحه، وقفت أكل وبصت له بهدوء وقالت: “في إيه يا مصطفى؟ وشك جاب ألوان ليه؟ فيه تعبان تحت السفرة؟”
مصطفى ماردش عليها، نزل بجسمه ببطء تحت السفرة، وقلبه بيدق بعنف، إيده بتتمد لشيء بيلمع في الضلمة..
سحب حاجة وطلع بيها، كانت “دبلة فضة” قديمة، عليها نقش غريب ومحفورة من جوه بحروف “م. ع”.
بص لعزة اللي ملامحها اتغيرت 180 درجة، الابتسامة اختفت تماماً، وعيونها اتسعت بذهول، صوتها طلع مخنوق وهي بتقول: “أنت.. أنت لقيت دي فين؟”
مصطفى وقف وهو ماسك الدبلة بإيده اللي بتترعش، وبص لها بنظرة شك ممزوجة بصدمة: “لقيتها تحت السفرة.. مكتوب عليها ‘م. ع’. ميم يعني مصطفى، وعين يعني.. عزة؟ إنتي مين يا عزة؟ وإيه اللي يخلي دبلة عليها اسمي واسمك تكون في بيتي، وأنا عمري ما شوفتك قبل النهاردة؟”
عزة قامت وقفت، والجو في الشقة فجأة برد بطريقة غير طبيعية، لدرجة إن مصطفى بدأ يظهر بخار مع كل نفس بيطلعه، قربت منه خطوة، ومن غير ما تلمسه، حست بإيدها بتمسح على وشها وكأنها بتفتكر حاجة قديمة جداً: “مصطفى.. أنت مش فاكر أي حاجة؟ ولا حتى الحادثة اللي حصلت في الشارع ده من سنتين؟”
مصطفى رجع لورا واتخبط في الحيطة، صوته طلع متهدج: “حادثة؟ أي حادثة؟ أنا.. أنا كنت مسافر الشغل، رجعت لقيت الشقة زي ما هي.. إنتي بتلمحي لإيه؟”
عزة بصت في المراية اللي كانت لسه فارغة منها، وشاورت على انعكاس مصطفى وهو ماسك الدبلة، وقالت بصوت مليان شجن: “بص في المراية يا مصطفى، شوف مين اللي واقف وراك.”
مصطفى بص للمراية وقلبه وقف، هو مش شايف حد وراه، بس شاف نفسه في المراية.. كان لابس هدوم تانية خالص، هدوم متبهدلة ودم كتير على قميصه، وكان فيه خيال لشخص تاني واقف جنبه بيسنده.. الخيال ده كان “عزة”، بس عزة اللي كان وشها باهت وكأنها من نور.
مصطفى صرخ وبص وراه ملقاش حد، رجع بص للمراية لقى نفسه لوحده تاني، وقعت الدبلة من إيده وهي بتترنح على الأرض بصوت رنان، عزة بصت له وقالت بدموع محبوسة: “أنا مش بس عفريتة يا مصطفى، أنا جزء من ذاكرتك اللي أنت قررت تمسحها عشان تقدر تكمل حياتك.. أنا الذكرى اللي رفضت تموت.”
مصطفى مسك دماغه بإيديه الاتنين: “أنا مش فاهم حاجة.. يعني إيه؟ يعني أنا اتجننت فعلاً؟”
عزة قربت منه أكتر، وصوتها بقى همس بيتردد في كل ركن في الشقة: “مش جنون.. دي الحقيقة اللي مخبيها عن نفسك بقالك 730 يوم.. الحقيقة اللي بتخليني أظهرلك كل ما بتمسك دبلتنا.”
بقلم انجي الخطيب مصطفى فضل باصص للدبلة اللي بتلمع على الأرض، وكلمة “730 يوم” بترن في ودنه زي الجرس، نطق بصوت مبحوح: “730 يوم؟ سنتين؟ يعني أنا.. أنا كنت عايش إزاي؟ والبيت ده.. والشركة.. والناس اللي بشوفهم؟”
عزة اتنهدت، وصوتها بقى فيه نبرة واقعية وموجعة: “بتشوفهم يا مصطفى، بتتعامل معاهم، وبتاكل وبتشرب، بس جواك فيه فراغ كبير، فراغ أنا سكنته. أنت في الحقيقة كنت معزول، عايش في ‘فقاعة’ من الذكريات اللي بتعيد نفسها كل يوم عشان تهرب من الحقيقة.”
مصطفى رفع راسه ببطء، وعينيه بقت مليانة دمع: “يعني إيه الحقيقة؟ قوليلي يا عزة.. أنا عملت فيكي إيه؟ الحادثة دي..
أنا اللي كنت سايق؟ أنا اللي موتك؟”
عزة هزت راسها بالنفي، وابتسامة حزينة اترسمت على وشها: “لا يا مصطفى.. مكنتش أنت اللي سايق، كانت عربية تانية. بس أنت كنت معايا.. كان يوم فرحنا، كنا راجعين من الكوافير.. وأنا.. أنا روحي طلعت هناك في الشارع، قدام عينك.”
مصطفى غمض عينيه بقوة، وصور مشوشة بدأت تظهر في خياله: صوت فرامل عربية، ضوء عالي، صرخة عزة، وبعدين صمت مطبق.
فتح عينيه وبص حواليه، الشقة اللي كان فاكرها بيته، بدأت ملامحها تتغير قدامه، العفش اللي كان نضيف ومرتب، بقى مغطى بطبقة خفيفة من التراب، والهدوء اللي كان بيحس بيه، طلع هو هدوء “البيت المهجور” اللي محدش دخله من سنتين.
”أنا.. أنا كنت عايش هنا لوحدي؟” سأل مصطفى بصوت واطي ومكسور.
عزة لمست كتفه، ولأول مرة حس بلمسة باردة كأنها نسمة هوا: “كنت بتيجي هنا كل يوم بعد الشغل، تقعد على السفرة، تكلمني كأني لسه موجودة، تاكل، تشرب، وتنام.. كنت بتعمل السيناريو ده عشان متصدقش إني مشيت. بس النهاردة.. النهاردة كان لازم تفوق، لأن النهارده ذكرى السنتين.”
مصطفى بص لها بذهول: “ولما أفوق؟ هيحصل إيه؟ هتختفي؟ هتسيبيني لوحدي تاني؟”
عزة دمعت لأول مرة، مسحت دموعها اللي كانت بتنزل كأنها حبات لؤلؤ بتختفي قبل ما تلمس الأرض: “أنا مش هختفي، أنا هروح للمكان اللي المفروض أكون فيه، وأنت.. أنت لازم ترجع تعيش حياتك يا مصطفى. كفاية حبس نفسك في البيت ده، وكفاية هروب من اللي حصل.”
مصطفى قام وقف، حس إن جسمه خفيف بشكل غريب، مسك الدبلة من الأرض ولبسها في صباعه، لقى نفسه بيبص للمراية تاني، المرة دي، هو وعزة كانوا باينين فيها مع بعض..
هو بهدومه العادية، وهي بفستانها الأبيض البسيط اللي كانت لبساه يوم الحادثة.
قال بصوت واثق رغم الألم: “مش عارف أقولك إيه.. بس لو دي النهاية، فأنا مش ندمان على السنتين دول، لأنهم خلوني أودعك صح.”
عزة ابتسمت، وبدأت ملامحها تشف، وكأنها بتتحول لنور بيملأ الشقة: “هستناك في حتة تانية يا مصطفى، مش في شقة مهجورة، هستناك في يوم ما تلاقي حد يخليك تحس بالحياة من تاني.. وعد؟”
مصطفى دموعه نزلت وهو بيبتسم: “وعد.”
وفي لحظة، النور اللي كان في الشقة سطع بقوة لدرجة إن مصطفى غمض عينيه..
ولما فتحهم، كان واقف في نص الشقة، مفيش عزة، مفيش عشا على السفرة، مفيش غير غبار السنين وسكوت مريب.. بس وهو بيبص في صباعه، لقى الدبلة بتلمع، وريحة “قهوة تركي” خفيفة لسه معلقة في الهوا، كأنها رسالة وداع أخيرة.
………..
مصطفى وقف في نص الشقة، ساكت تماماً، بيسمع دقات قلبه اللي بقت طبيعية لأول مرة من سنتين. النور اللي كان في البيت مش بس انطفى، ده كأنه سحب معاه “الخيال” اللي كان عايش فيه.
بص حواليه بتركيز.. الشقة فعلاً مهجورة.
أكوام التراب على الكنبة، الستاير اللي لونها بهت من الشمس، والهدوء اللي كان مفكره “سك..ينة” طلع هو هدوء الغياب. مشي خطوة ناحية باب الشقة، إيده بتلمس الحيطة، حاسس بخشونتها وببرودة الحقيقة.
مسك مقبض الباب وفتحه، نور النهار ضرب في عينيه بقوة، نور شارع حي، عربيات، ناس، وحياة تانية خالص بعيد عن جدران الشقة دي. بص لصباعه تاني، الدبلة كانت لسه موجودة، لمعتها الهادية كانت بتطمنه إن اللي حصله مكنش وهم، كان “مواجهة”.
قفل باب الشقة وراه، مش بالمفتاح، ساب الباب موارب شوية زي ما يكون بيسيب جزء من ذكرياته جوه، وبدأ ينزل السلم.
وهو نازل، عدى عليه جارهم القديم، “عم صبحي”، اللي كان باصص له باستغراب:
”يا أستاذ مصطفى؟ حمد لله على السلامة يا ابني، فين الغيبة دي كلها؟ بقالك يومين مش بتبان، والناس كانت بتسأل عليك.”
مصطفى وقف، بص لعم صبحي بابتسامة باهتة، بس فيها سلام داخلي:
”كنت في رحلة طويلة يا عم صبحي.. رحلة طويلة أوي، بس خلاص، قررت أرجع.”
خرج للشارع، الهواء خبط في وشه، خد نفس عميق، وأول مرة من سنتين يحس إن “الأكسجين” بيدخل صدره بجد. مشي وسط الناس، بيحاول يستوعب إن العالم مكنش واقف مكانه وهو بيعيش في ذكرياته.
وصل لقهوة قريبة من البيت، قعد وطلب قهوة سادة.. وهو بيشرب، لمح في الانعكاس بتاع فاترينة محل قدامه، خيال بنت واقفة بتعدل طرحتها وبتضحك له.. مسح عينه بسرعة، الخيال اختفى، بس سابت له مكانه “طاقة نور” في قلبه.
مصطفى حط كوباية القهوة، وطلع تليفونه من جيبه.. الشاشة كانت مكسورة ومطفية، داس على زرار الباور، نورت لأول مرة بعد محاولات كتير.. أول مسدج ظهرت كانت: “خُد بالك من نفسك يا مصطفى، الحياة لسه فيها كتير.”
ابتسم، قفل التليفون، وخد أول خطوة فعلية في حياته الجديدة، وهو عارف إن “عزة” مش بس ذكرى، دي كانت الدرس اللي علمه إزاي يبدأ..
من غير ما ينسى، بس من غير ما يفضل محبوس.
قام، نفض هدومه، ومشي في طريق عكس طريق الشقة، طريق بيبدأ بـ “بداية جديدة” حقيقية.
………..
مشي مصطفى في الشارع بخطوات تقيلة في الأول، لكن مع كل خطوة كانت دقات قلبه بتهدى، وكأنه كان شايل جبل على كتافه ونزله. الشمس كانت بتميل للغروب، ضي الهوا في الغروب كان شبه ضي النور اللي ساب الشقة، حس ببرودة خفيفة في صباعه اللي لابس فيه الدبلة، وكأنها لمسة وداع أخيرة.
وقف قدام محطة المترو، زحمة الناس وصوت الدوشة اللي كان بيزعجه زمان بقى دلوقتى بالنسباله موسيقى حقيقية، موسيقى معناها “الحياة مستمرة”. بص لصورته في زجاج المحطة، ملامحه اللي كانت دبلانة بدأت ترجع لها الروح، عيونه اللي كانت مطفية بدأت تلمع ببريق الإصرار.


