منوعات

الدنيا اسودت

الدنيا اسودّت في عين ياسمين، وحست إن جرح الولادة اتفتح تاني، بس المرة دي الوجع كان في قلبها. الرائد شريف المنشاوي على الخط مستني ردها، وصوت نفسه المنتظم في السماعة كان بيضغط على أعصابها زي دقات ساعة بتعد تنازلي لخراب بيتها. ـ مدام ياسمين؟ إنتي معايا؟ ـ صوت الضابط رجّعها للواقع المرير. بلعت ريقها بصعوبة، وبصت لهند أختها اللي كانت واقفة مربعة إيديها، مبرقة وعينيها بتتحرك بين ياسمين والتليفون كأنها بتحاول تقرأ الغيب.

ـ أيوة.. أيوة مع حضرتك يا فندم ـ ياسمين نطقت والكلمات طالعة بالعافية من زورها الناشف ـ بس.. بس الڤيلا دي ملكي أنا! أنا شرياها من مالي الخاص قبل ما أتجوز شريف بكتير. معايا العقود المسجلة، ومعايا كل إثباتات الدفع. شريف ملوش فيها سنتيمتر واحد!

ـ إحنا عارفين كل ده يا مدام ياسمين ـ صوت الرائد شريف كان هادي وجاد لدرجة ترعب ـ وعارفين إن العقود الرسمية باسمك. بس المشكلة مش في مين المالك الحقيقي في دفاتر الشهر العقاري.. المشكلة في الأوراق والتعهدات اللي جوزك مضى عليها مع شركاء أجانب ومستثمرين وهميين، والتوكيلات اللي اتضربت باسمك عشان الڤيلا دي تدخل كأصل ثابت وضمان لعمليات مشبوهة بملايين الدولارات. وجودك برة الڤيلا دلوقتي وتغيير الأكواد، مع العرض السريع اللي جالك لبيع البيت كاش وبسرعة.. دي مش صدفة. دي عملية هروب وتسييل أصول متخطط لها على مية بيضا.

ياسمين حست بركبها بتسيب، سندت على كتف هند اللي أول ما سمعت كلمة “قروض” و”غسيل أموال” ولطمت على صدرها بذهول. ـ أنا.. أنا جاية حالاً يا فندم ـ ياسمين قالتها بحسم وهي بتلم هدوم بنتها اللي نايمة ـ أنا مش ههرب، ومليش دعوة بالقرف ده. ربع ساعة وأكون عندك في الڤيلا.

ـ بلاش تيجي بالبنت يا ياسمين ـ الرائد شريف قال بنبرة فيها لمحة إنسانية ـ المكان هنا فيه قوة تنفيذ وضباط، والوضع مش مناسب لرضيعة عندها تلات أيام. تقدري تقابلينا في مقر النيابة بكرا الصبح مع المحامية بتاعتك، بس بشرط.. ممنوع أي اتصال بجوزك شريف أبو الدهب، وممنوع تمضي على أي ورقة تخص بيع الڤيلا لغاية ما تحقيقاتنا تنتهي. مفهوم؟ ـ مفهوم يا فندم. مفهوم. قفلت السكة وصدرها بيعلو ويهبط كأنها كانت في سباق جري. هند مسكتها من كتافها وهزتها جامد:

ـ في إيه يا ياسمين؟ انطقي! الواد ده عمل إيه؟ يخرب بيته وبيت أمه.. طردك بالبنت عشان يسرق الڤيلا ويلبسك قض*ية؟ ـ مش وقته يا هند، مش وقته خالص ـ ياسمين كانت بتتحرك في الصالة زي المجنونة، بتدور على تليفونها التاني، وبتفتح اللابتوب ـ شريف مضى ورق باسمي.. شريف زور توكيل! أنا لازم أكلم نادين فوراً. اتصلت بنادين المحامية، وحكت لها اللي دار في المكالمة في دقيقة واحدة. نادين صرخت في التليفون:

ـ ياسمين! أوعي تكوني مضيتي على طلب البيع اللي بعتهولك من ساعتين! ـ لا ممضيتش.. بس إيه علاقة البيعة باللي بيحصل؟ ـ الزبون اللي كلمتك عليه.. اللي عايز يشتري كاش ويخلص في أسبوع.. طلع تبع شركة أوف شور (Offshore) مسجلة في جزر البهاما. لسه واصلي تقرير عنهم من زميل ليا في السجل التجاري.. الشركة دي يدوب متأسسة من ست شهور، والمدير المفوض بتاعها في مصر هو.. هو ابن خالة شريف!

ياسمين لفت بيها الدنيا. قعدت على أقرب كرسي وهي حاسة إنها بتقع في بير ملوش قرار. ـ يعني.. يعني شريف هو اللي كان بيشتري الڤيلا مني؟ بفلوسي أنا؟

ـ مش بفلوسك إنتي بالظبط يا ياسمين ـ نادين وضحت وصوتها فيه قلق حقيقي ـ شريف أخد قروض بضمان الڤيلا دي بعد ما زور توكيل عام بيع وإدارة باسمك. الفلوس دي دخلت حسابات شركات وهمية برة مصر. وعشان يغسل الفلوس دي ويرجعها “نضيفة” كأصول حقيقية، كان لازم يشتري الڤيلا دي تاني من تحت الترابيزة باسم شركة البهاما، وبكده الفلوس تخرج من بنوك برة وتدخل مصر كـ “استثمار أجنبي مباشر”، وفي نفس الوقت الڤيلا تخرج من ذمتك وتبقي إنتي اللي بعتي وتتحملي المسئولية القانونية لو القروض دي اتعثرت أو اتكشفت! شريف كان بيصفي اللعبة كلها في أسبوع واحد ويخلع برة البلد..

وإنتي كنتي هتصحي تلاقي نفسك مديونة للبنوك بـ 80 مليون جنيه، ومعندكيش ڤيلا، وعليكي حكم تزوير وتسهيل استيلاء على أموال عامة! هند لطمت على وشها بصوت عالي: ـ يا نهار أسود ومنيل! يا جزمة يا شريف.. يا ابن فادية الكلب! ده إيه الغل والوساخة دي؟ دي اللي لسه والدة بنتك! ياسمين مكنتش بتسمع شتايم هند. عقلها التجاري اللي بنى شركة من الصفر بدأ يشتغل بكفاءة مرعبة. الصدمة ولدت جواها طاقة وغضب برودهم أقوى من مية المطر اللي كانت بتغرقها من ساعات.

ـ نادين.. ـ ياسمين قالت بصوت واطي ومخيف من كتر الثبات ـ الزبون ده كلمك تاني؟ ـ أيوة، بعتلي يستعجل توقيع العقود المبدئية وبيقول إن الشيك المقبول الدفع جاهز في البنك الأهلي فرع الزمالك. ـ جميل جداً.. خليهم يجهزوا نفسهم. إحنا هنمضي. ـ إنتي اتجننتي يا ياسمين؟! ـ نادين صرخت ـ الضابط لسه قايلك ممنوع تمضي! دي هتبقى جناية تزوير واشتراك في غسيل أموال رسمي! لو مضيتي برجلك هتدخلي السجن!

ـ مش أنا اللي هتمضي يا نادين.. شريف هو اللي هيمضي نهايته بإيده. اسمعيني كويس واعملي اللي هقولك عليه بالحرف. مرت الساعات بطيئة وكأنها سنين. ياسمين منامتش دقيقة واحدة. كانت بتراقب بنتها “ليلى” وهي نايمة، تلمس صوابعها الصغيرة وتوعدها في سرها: “وحق كل دمعة نزلت مني ومنك في المطر يا بنتي.. وحق الوجع اللي في جسمي.. لأخليهم يدفعوا التمن غالي أوي”.

الساعة تمانية الصبح، كانت ياسمين واقفة قدام مكتب الرائد شريف المنشاوي في مقر مباحث الأموال العامة. نادين كانت معاها ومعاهم شنطة سودا فيها كل مستندات ملكية الڤيلا الأصلية، كشوف الحسابات القديمة، وتاريخ تحويلات بيع شركتها السابقة اللي بتثبت إن مصدر الـ 27 مليون جنيه شريف ملوش علاقة بيه من قريب أو بعيد. الرائد شريف بصلهم بتقدير وهما داخلين. كان راجل في الأربعينات، ملامحه حادة بس عينيه ذكية وبتفهم بسرعة. ـ اتفضلي يا مدام ياسمين. حمد لله على سلامتك وسلامة المولودة. أنا مقدر إنك لسه قايمة من ولادة وتعبانة، بس وجودك هنا النهاردة هيحسم حاجات كتير.

ـ أنا جاهزة لكل الأسئلة يا فندم ـ ياسمين قعدت وحطت الشنطة على المكتب ـ وقبل ما تسألني عن أي حاجة.. أنا عايزة أقدم بلاغ رسمي بالتزوير والنصب ضد جوزي شريف أحمد أبو الدهب، وضد والدته فادية عبد الرحمن. نادين طلعت حافظة المستندات وقدمتها للضابط:

ـ دي عقود الملكية الأصلية للڤيلا يا فندم. وده تقرير فني من مكتب استشارات هندسية وعقارية بيثبت إن شريف ملوش أي صفة مالية في العقار. ودي كشوف حسابات ياسمين اللي اتدفع منها تمن الڤيلا بالكامل. والأهم من ده كله.. دي مسودة عقد البيع اللي شريف باعتها لياسمين عن طريق وسيط عشان تمضي عليها النهاردة تبيع فيها الڤيلا لشركة أوف شور تابعة لقرايبه. الرائد شريف مسك العقود وقراها بتركيز، وبعدين سأل:

ـ والتوكيل اللي استخدمه شريف عشان ياخد القروض باسم ياسمين؟

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى