
ـ التوكيل ده مزور يا فندم ـ نادين ردت بسرعة ـ إحنا تواصلنا مع فرع الشهر العقاري اللي مكتوب على صورة التوكيل اللي شريف استخدمه في البنك، وطلع الرقم يخص معاملة تانية خالص لبيع عربية بين اتنين ملهمش علاقة بياسمين. شريف ضرب التوكيل بالكامل واستغل علاقاته مع موظف ائتمان فاسد في البنك عشان يمرر القرض بضمان الڤيلا. الرائد شريف سكت شوية، وسند ضهره لورا وسأل ياسمين: ـ وإنتي نيتك إيه دلوقتي يا مدام ياسمين؟ جوزك لسه في الجونة، وتليفونه مقفول من ساعتين. تفتكري حس بحاجة؟
ـ شريف محسش بحاجة يا فندم ـ ياسمين ابتسمت ابتسامة باردة ـ شريف فاكرني دلوقتي بعيط عند أختي وبندب حظي وبدور على وسيط يصالحه عليا عشان يخليني أرجع بيتي بالبنت. شريف طمعان في الڤيلا.. بس طمعه الأكبر في إنه يخلص البيعة دي بسرعة عشان يسدد الفجوة اللي في البنك ويهرب بالباقي قبل ما البنك يكتشف التزوير. هو قافل تليفونه عشان يعمل نمرة “الراجل الغضبان” اللي مستني مراته تترجاه. ـ وعايزة تعملي إيه؟
ـ خلوه يرجع من الجونة وهو فاكر نفسه منتصر. خلوه يفتكر إن الخطة ماشية زي ما هو عايز بالظبط. أنا هكلمه وأقوله إني موافقة على البيع، وإني هقابل المشتري بتاعه النهاردة بالليل في الڤيلا عشان نوقع العقود ونستلم الشيك.. بس بشرط واحد، إنه يحضر بنفسه عشان “يصالحني” ويمضي كشاهد على العقد عشان أضمن حقي.
الرائد شريف عينيه لمعت بذكاء: ـ إنتي عايزة تعملي له كمين في الڤيلا؟
ـ بالظبط يا فندم. شريف مش هيقاوم فكرة إنه يشوفني مكسورة وبمضي على بيع شقا عمري بإيدي، وفي نفس الوقت هيحب يطمن إن العقد اتوقع والفلوس بقت في جيبه. خلوه يجي وهو مطمن.. وإحنا هنكون مستنيينه هناك. الرائد شريف بصلها بنظرة إعجاب واضحة بقوتها وجرأتها: ـ ماشي يا ياسمين.. أنا هجاري خطتك. بس تحركاتك كلها هتكون تحت عينينا. الڤيلا هتبقى متراقبة بالكامل، وإحنا هنكون جوة الڤيلا في الغرف المقفولة وباللبس المدني. أول ما شريف يمسك القلم ويمضي كشاهد أو يمسك الشيك المزور.. القوة هتدخل وتقبض عليه متلبس.
الساعة كانت ستة المغرب لما ياسمين وقفت تاني قدام بوابة الڤيلا في التجمع الخامس. المطر كان بطل ينزل، بس الهوا كان بارد جداً والأرض لسه مبلولة. ياسمين كانت لابسة فستان أسود أنيق، وحاطة ميك اب خفيف عشان تداري إرهاق وتعب الولادة. هند كانت واقفة بعيد في عربيتها ومعاها البنت “ليلى”، مراقبة الموقف بقلق. ياسمين طلبت شريف. المرة دي رد من أول رنة. صوت الأغاني اللي ورا منه كان اختفى، وحل محله صوت هدوء وهوا البحر في الجونة.
ـ أيوة يا ياسمين؟ فقتي وعقلتي ولا لسه فيكي نوبة النكد دي؟ ـ صوت شريف كان مليان استعلاء يغث النفس. ـ أنا تعبانة يا شريف.. وتعبت من البهدلة برة بيتي بالبنت ـ ياسمين قالت بصوت مكسور ومصطنع لدرجة تخليه يصدقها ـ أنا اتكلمت مع نادين المحامية وعرفت بموضوع البيع والعرض اللي جالك.. أنا موافقة. هبيع الڤيلا ونقسم الفلوس ونبدأ صفحة جديدة في شقة تانية بس نخلص من المشاكل دي.
ـ أيوة كده يا حبيبتي ـ شريف صوته اتقلب 180 درجة للود المزيف ـ هو ده العقل. أنا برضه بعمل كل ده عشان مصلحتنا ومصلحة ليلى. والشركة اللي هتشتري دي عرضها لقطة ومش هيتعوض. ـ طيب.. المحامي بتاعهم كلم نادين وقال إنهم جاهزين يمضوا العقود المبدئية ويسلموا الشيك المقبول الدفع النهاردة بالليل. أنا واقفة قدام البوابة ومعيش الكود الجديد.. تعالي يا شريف عشان نمضي سوا وندخل البيت بالبنت. أنا مش همضي على ورقة واحدة من غير ما تكون جنبي وتصالحني قدام أختي والمحامية.
ـ مسافة السكة يا قلبي ـ شريف قال بلهفة مكشوفة ـ أنا أصلاً كنت بجهز الشنط وراجع القاهرة حالا. تلات ساعات بالظبط وأكون عندك. هبعتلك الكود الجديد دلوقتي على الواتساب ادخلي ارتاحي وغيري هدومك لغاية ما اوصل. قفل السكة. ثواني وجت رسالة على موبايلها بالكود الجديد: (002700). ياسمين بصت للرقم وضحكت بسخرية مريرة. الرقم كان تلميح لـ 27 مليون جنيه تمن الڤيلا اللي كان بيحلم بيهم. كتبت الرقم.. البوابة فتحت بنغمة هادية وصوت تكة الحديد. دخلت الڤيلا. الڤيلا اللي بنتها بعرق جبينها وسهر الليالي. الأنوار كانت مطفية، والبيت بارد كأنه مقبرة.
خلال نص ساعة، كانت قوة من مباحث الأموال العامة بقيادة الرائد شريف المنشاوي بتنتشر في المكان ببطء وهدوء. اتنين ضباط استخبوا في المطبخ التحضيري ورا الريسبشن، وتلاتة تانيين استخبوا في الدور التاني في غرف النوم. الرائد شريف قعد في غرف المكتب الأرضي، الملاصق للصالة الكبيرة اللي هيتم فيها التوقيع. الساعة بقت عشرة بالليل. البوابة الخارجية فتحت، وصوت عربية مرسيدس سودا وقف في الجنينة. ياسمين كانت قاعدة على الكنبة الكشمير، حاطة رجل على رجل، وقدامها على الترابيزة عقود البيع المبدئية وصورة من التوكيل المزور وكشف حساب بنكي.
الباب اتفتح، ودخل شريف وبصحبته والدته فادية، اللي كانت لافة شال كشمير حوالين كتافها ولابسة نضارة شمس بالليل كأنها نجمة سينما. ملامحهم كانت مليانة زهو وانتصار، كأنهم داخلين يستلموا جايزة. ـ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ـ فادية قالت بصوت عالي وهي بتبص في أركان البيت ـ البيت نور بأصحابه والله. وحشتنا الڤيلا يا ياسمين.. معلش بقى قرصة ودن عشان تعرفي إن كلام شريف هو اللي بيمشي.
ياسمين مقامتش من مكانها. فضلت قاعدة وبصتلهم ببرود تام. شريف دخل وابتسامته واصلة لودانه، قرب من ياسمين ومد إيده عشان يبوس راسها: ـ حمد لله على السلامة يا أم ليلى. شفتي بقى لما بتسمعي الكلام الدنيا بتبقى سهلة إزاي؟ فين نادين والمشتري؟ ياسمين بعدت راسها عنه بخفة وقالت بصوت هادي: ـ نادين في الطريق يا شريف.. والمندوب بتاع الشركة كمان دقايق وهيكون هنا ومعه الشيك. بس قولي الأول.. الجونة كانت حلوة؟
شريف اتوتر ثانية بس دارى توتره بسرعة وقعد جنبها: ـ شغل يا ياسمين كله شغل. إنتي عارفة أنا بتعب قد إيه عشان أأمن مستقبل البنت. فادية قعدت على الكرسي المقابل وقالت بتعالي: ـ وطبعاً الشيك هيطلع باسم شريف عشان هو اللي هيتصرف في الإجراءات ويشتري الشقة الجديدة اللي هنعيش فيها كلنا سوا.. مش كده يا ياسمين يا حبيبتي؟ ياسمين بصت لفادية وقالت بنبرة حادة زي الموس: ـ الشيك هيطلع باسم المالك الحقيقي يا طنط.. والمالك الحقيقي هو اللي هيقرر الفلوس دي تروح فين.
شريف حس بنبرة ياسمين الغريبة، وشه بدأ يتغير، وبص على العقود اللي على الترابيزة. مد إيده ومسك الورق وبدأ يقرأه بسرعة. ملامحه اتقبضت فجأة وهو بيشوف البند التاني في العقد. ـ إيه ده يا ياسمين؟ ـ شريف سأل وصوته بدأ يترعش ـ المشتري هنا مكتوب إنه “شركة النيل للاستيراد”.. دي مش الشركة اللي أنا اتفقت معاها! والاسم المكتوب للمفوض مش ابن خالتي! إيه التغيير ده؟
ـ التغيير ده لأن الشركة بتاعتك مكنتش بتشتري الڤيلا يا شريف ـ ياسمين وقفت وربعت إيديها وبصتله من فوق لتحت ـ الشركة بتاعتك كانت بتغسل الفلوس اللي إنتي سرقتها من البنك بضمان الڤيلا دي بالتوكيل المزور اللي إنت عملته باسمي.



