
شريف قام وقف بسرعة، وشه بقى أبيض زي الملخية، والورق اتهز في إيده: ـ إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟ تزوير إيه وشركات إيه؟ إنتي اتجننتي يا ياسمين؟ فادية وقفت هي كمان وصرخت: ـ جرى إيه يا بت إنتي؟ إنتي هتتبلي على ابني في بيته؟ شريف سيدك وسيد أبوكي! ده إحنا نطردك بالبنت في الشارع ومتقدريش تعملي حاجة! ـ بيتكوا؟ وسيد مين؟ ـ ياسمين ضحكت بصوت عالي ورنت ضحكتها في الصالة الفاضية ـ البيت ده بيتي أنا بفلوسي أنا. والتوكيل المزور اللي شريف استخدمه عشان ياخد قرض بـ 40 مليون جنيه بضمان الڤيلا دي اتكشف. والبنك بلغ.. ومباحث الأموال العامة كمان بلغت.
شريف حس إن الأرض بتميل بيه. جري على باب الڤيلا عشان يفتح ويهرب، بس قبل ما يوصل للمقبض، الباب اتفتح من برة ودخل الرائد شريف المنشاوي ومعاه القوة. ـ على فين يا استاذ شريف؟ ـ الرائد شريف قال بابتسامة باردة ـ ده السهرة لسه بتبدأ، والجونة بعيدة أوي من هنا. فادية صرخت ولطمت على صدرها: ـ إيه ده؟ إنتوا مين؟ إنتوا داخلين بيت مين كدة؟ شريف الحقني يا ابني!
ـ اثبتي مكانك يا ست فادية ـ الرائد شريف وجه كلامه ليها بحزم وهو بيطلع الكارنيه ـ الرائد شريف المنشاوي، مباحث الأموال العامة. شريف أحمد أبو الدهب.. إنت مقبوض عليك بتهم التزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال البنوك بطرق احتيالية، وتسهيل عمليات غسيل أموال لجهات مشبوهة. شريف رجله مالت ووقع على ركبه على الأرض الرخام. بص لياسمين بعيون مليانة رعب وتوسل: ـ ياسمين.. أرجوكي.. أنا جوزك أبو بنتك! هضيع يا ياسمين.. مستقبلي هيتدمر! اطلبي منهم يمشوا وإحنا هنحل كل حاجة ودي! أنا هتنازل عن كل حاجة! هكتبلك كل اللي تطلبيه!
ياسمين قربت منه ببطء، وقفت قدامه وبصتله بنظرة قرف واحتقار خلت كيانه يتهز: ـ جوزي؟ أبو بنتي؟ إنت نسيت البنت دي وهي عندها تلات أيام تحت المطر والبرد؟ نسيت لما قفلت في وشي السكة وقولتلي روحي باتي عند أختك عشان إنتي نكدية؟ إنت مكنتش بتطردني عشان تضادني يا شريف.. إنت كنت بتطردني عشان تحبسني وتدمر حياتي وحياة بنتك عشان تخلع بفلوسك برة البلد. إنت وأمك كلتكم الأنانية والغل لغاية ما عميتوا.. ودلوقتي جه وقت الحساب.
الرائد شريف شاور للعساكر: ـ كلبشوه.. وخذوا الست دي كمان معاهم، فيه شبهة اشتراك وتستر ومساعدته في التزوير. فادية بدأت تصرخ وتعيط وتشد في شعرها والكلبشات بتتقفل في إيديها وإيد ابنها: ـ يا فض.يحتنا وسط الناس! يا لهوي يا شريف! هنعمل إيه؟ ضيعتنا وضيعت نفسك! شريف كان بيبص لياسمين وهو بيتجر برة الڤيلا، عينيه كانت حمرا من الدموع والغضب المكتوم، وقبل ما يخرج من الباب صرخ فيها:
ـ مش هسيبك يا ياسمين! لو أنا ضعت إنتي كمان هتضيعي! الورق اللي في البنك لسه باسمك! التوكيل ممكن يكون مزور بس إمضاك انتي الشخصية على عقود التمويل التانية حقيقية! أنا ممضيتش لوحدي! إنتي كمان هتتحبسي معايا! الباب اتقفل وراهم وصوت صراخ فادية وعياط شريف بدأ يختفي بالتدريج في هدوء الجنينة. ياسمين وقفت في نص الصالة الفاضية. البيت رجع هادي تاني.. بس هدوء غريب ومليان بالوحشة. نادين قربت منها وطبطبت على كتفها:
ـ ياسمين.. إنتي كويسة؟ ـ كويسة يا نادين.. كويسة جداً. ـ شريف شتم وصرخ كتير برة.. بس كلامه الأخير قلقني. هو يقصد إيه بإن إمضاك الشخصية على عقود التمويل التانية حقيقية؟ إنتي مضيتي له على حاجة تانية فعلاً وإنتي مش دريانة؟ ياسمين بصت لنادين، وفي عينيها ظهرت لمعة تانية خالص.. لمعة مفيهاش انكسار ولا خوف، بل خوف من نوع تاني.
ـ شريف غبي يا نادين.. بس مش غبي لدرجة إنه يعمل كل ده لوحده ـ ياسمين قالت بصوت واطي ومريب ـ التوكيل المزور كان مجرد غطاء للبنك عشان يسرع الإجراءات. بس شريف من ست شهور، لما ولدت ليلى وجالي نزيف وكنت بين الحياة والموت في الرعاية المركزة.. جابلي ورق قالي إنه ورق تأمين طبي عشان مصاريف المستشفى والعملية.. ومضاني عليه وأنا شبه غايبة عن الوعي تحت تأثير البنج. نادين شهقت وحطت إيدها على بوقها:
ـ يا نهار مش فايت! يعني إنتي مضيتي على عقود القروض دي فعلياً؟ ـ أيوة.. بس شريف ميعرفش حاجة مهمة جداً. ـ إيه هي؟ ياسمين مشيت ناحية المكتب الأرضي، فتحت الخزنة المخفية ورا اللوحة الزرقا اللي في الحيطة. طلعت منها جهاز تسجيل صغير جداً، وشريط فيديو مسجل من كاميرات المستشفى الخاصة اللي ولدت فيها.
ـ أنا كنت عارفة إنه بيخطط لحاجة من وقتها يا نادين. المستشفى دي بتاعت شريكي القديم في شركة المستلزمات الطبية. الكاميرات سجلت شريف وهو بيدخل الرعاية بالليل، وبيمضيني على الورق وأنا غايبة تماماً عن الوعي، وجنب منه الممرضة اللي أخدت رشوة عشان تسكت. الفيديو ده معايا.. ومعايا كمان تقرير طبي رسمي ومختوم من المستشفى بيثبت حالتي الصحية في الدقيقة والساعة اللي اتوقع فيها العقد ده، وإن عقلي مكنش في حالة تسمح بالإدراك أو التوقيع.
نادين اتنفست الصعداء: ـ الحمد لله! ده طوق النجاة بتاعك! بالورق ده والتقرير ده، العقود دي هتبقى باطلة تماماً والمسئولية الجنائية كلها هتروح لشريف لوحده بتهمة الاستغلال والتدليس بجانب التزوير! ـ بالظبط.. بس المشكلة مش هنا يا نادين. ياسمين فتحت اللابتوب بتاعها، ودخلت على حسابها البنكي الدولي اللي في سويسرا، الحساب اللي شريف ميعرفش عنه أي حاجة. الحساب اللي كانت بتتحول عليه أرباح شركة المستلزمات الطبية القديمة. شاشة اللابتوب نورت باللون الأخضر، وظهرت قدامهم شاشة التحويلات الأخيرة.
نادين قربت من الشاشة وبصت للأرقام.. عينيها وسعت من الصدمة، ورجعت خطوتين لورا وهي بتبص لياسمين برعب حقيقي: ـ ياسمين.. إيه الأرقام دي؟ ده.. ده تحويل بـ 4 ملايين دولار دخل حسابك الشخصي من تلات أيام بالظبط! من نفس شركة الأوف شور اللي في البهاما! الشركة اللي يملكها ابن خالة شريف! ياسمين قفلت اللابتوب بهدوء وبصت لنادين بابتسامة غامضة وباردة جداً:
ـ شريف كان فاكر إنه بيلعب بيا يا نادين.. بس هو كان بيلعب في ملعبي أنا. الشركة اللي في البهاما دي.. شريف ميعرفش إنها حقيقية، بس المفوض بتاعها اللي هو ابن خالته، باعلي الحصة الحاكمة فيها من شهرين تحت الترابيزة بفلوس كنت مجمداها برة مصر، مقابل إنه يهرب برة البلد ويسيب شريف يلبس الليلة لوحده. نادين صوتها طلع بالعافية من كتر الذهول: ـ يعني.. يعني إنتي اللي ملكة الشركة اللي في البهاما؟ إنتي اللي كنتي بتشتري الڤيلا من نفسك؟


