منوعات

البيجامه الزرقاء

خطأ في الأتصال بقلم مايا خالد حصري
“أنا جيت يا حلوة.. افتحي عشان نشوف هنعمل إيه في ابننا”
سلمى كانت قاعدة في الصالة، والبيت فاضي وهادي لدرجة تخنق. الملل كان واكل دماغها، والشيطان بدأ يوزها تعمل أي حوار تضيع بيه وقتها. مسكت الموبايل، وبدأت تكتب أرقام عشوائية، أرقام عمرها ما شافتها ولا تعرف أصحابها، مجرد لعبة سخيفة عشان تسمع رد فعل الناس وتضحك.
​طلبت رقم آخره أصفار كتير، وانتظرت. الخط فتح، بس مفيش “ألو”، كان فيه صوت أنفاس تقيلة وهادية، كأن اللي بيرد ده مستنيها تتكلم. سلمى ضحكت بـ لؤم، وقربت الموبايل من شفايفها وهمست بصوت واطي:

“أنا حامل منك”.
​كانت مستنية شتيمة، أو قفلة سكة، أو حتى واحد يسايرها في الهزار. بس الصمت اللي جه من الناحية التانية كان تقيل لدرجة إنها حست ببرودة في ودنها. وبعد ثانيتين، جه الرد بصوت هادي، بارد، وخالي من أي مشاعر، صوت كأنه طالع من سرداب تحت الأرض: “أوه.. اعتني بطفلنا جيدًا، واستني موعد قدومي يا حلوة”.
​جسمها اتنفض، وقفلت الخط فوراً. رمت الموبايل بعيد عنها وفضلت باصة له بخوف. “ده أكيد واحد بيحب يرعبني مش أكتر”، حاولت تطمن نفسها، بس كلمة “يا حلوة” كانت بترن في دماغها.. هو عرف منين إنها حلوة؟

​قامت عشان تقفل باب الأوضة، وفجأة الموبايل نور برسالة من غير رقم، مكتوب فيها: “البيجامة الزرقا اللي أنتي لابساها دي جميلة، بس وسعيها شوية عشان الحمل”. سلمى بصت لهدومها بصدمة، كانت فعلاً لابسة بيجامة زرقا! بدأت تبص حواليها في الأركان، ورا الستاير.. مفيش حد، بس الإحساس بإن فيه عين باصة عليها كان بيزيد.
​دخلت تحت اللحاف وحاولت تغمض عينيها، وفجأة الشاشة بتاعته بتنور وتطفي بجملة واحدة: “الرقم الذي طلبته.. أصبح ملكي الآن”.
سلمى كانت بتترعش تحت اللحاف، أنفاسها مسموعة والهدوء اللي كان خنقها في الأول اتحول لمرعب، كأن الحيطان ليها ودان وعيون.

فجأة، نور الموبايل ض*رب في سقف الأوضة، المرة دي مش رسالة، ده كان اتصال فيديو “Video Call”.
​إيديها كانت بتترعش وهي بتدوس “رد” غصب عنها، كأن الموبايل هو اللي بيتحكم في صوابعها. الشاشة كانت سودة في أول ثانية، وبعدين ظهرت أوضة مكتب فخمة جداً، ورا المكتب كان قاعد راجل لابس بدلة سودة شيك، ملامحه حادة زي السكينة، وفي إيده خاتم ذهب عليه شعار “جمجمة وجناحين”.
​الراجل مرفعش عينه من على ورق قدامه، وقال بصوت هادي يقطع القلب من الخوف: “لعبة حامل منك دي قديمة قوي يا سلمى.. بس حظك السيئ وقعك في رقم (الجنرال).

أنتي عارفة المكالمة اللي أنتي قطعتيها دي كانت صفقة بكام؟ كانت صفقة سلاح بـ ٤٠ مليون دولار، وبسبب هزارك، السيستم هنج والعملية اتعطلت.”
​سلمى لسانها اتعقد، كانت عايزة تصرخ بس صوتها مكنش طالع. الراجل رفع عينه وبص للكاميرا ببرود مرعب وكمل: “المافيا مابتهزرش.. وأي حد بيدخل دايرة (الجنرال) بالصدفة، قدامه طريقين: إما يشتغل معانا عشان يسدد تمن غلطته، أو يختفي من الوجود وكأنه مكنش.”
​فجأة، سمعت صوت “تكة” باب شقتها بيتفتح بالراحة. بصت ناحية باب الأوضة وهي مرعوبة، لقت الموبايل بيتبعت عليه رسالة تانية: “الرجالة بتوعي وصلوا، افتحي الباب بدل ما يكسروه..

وبلاش تحاولي تطلبي البوليس، عشان اللي بيرد على نجدة منطقتك دلوقتى.. شغال عندنا.”
​سلمى اتنفضت من مكانها، لقت نفسها محاصرة بين شاشة موبايل فيها زعيم مافيا دولية، وبين خطوات تقيلة بدأت تقرب من باب أوضتها، وصوت حد بيخبط تلات خبطات هاديين ومنتظمين، ونفس الصوت البارد اللي سمعته في أول مكالمة بيقول من ورا الباب: “أنا جيت يا حلوة.. افتحي عشان نشوف هنعمل إيه في ابننا.”
سلمى اتسمرت مكانها، والدم هرب من عروقها وهي شايفه أكرة الباب بتتحرك ببطء.. ببطء شديد يوتر الأعصاب. الباب اتفتح بصرير يوجع الودن، ودخل طول بعرض، راجل لابس بالطو أسود ونضارة غامقة رغم إننا بالليل.

مكنش شايل سلاح في إيده، بس هيبته كانت كفيلة تخلي قلبها يقف.
​الراجل قرب من السرير بخطوات واثقة، وسلمى رجعت لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وشدت اللحاف عليها كأنه ه يحميها. الراجل وقف قدامها، قلع النضارة وبان عينيه اللي لونها زي التلج، وقال بابتسامة صفرا: “قومي البسي حاجة تقيلة، الجنرال مبيحبش يتأخر على مواعيده، والعربية مستنية تحت.”
​سلمى حاولت تستجمع شجاعتها وقالت بصوت مهزوز: “أنا.. أنا كنت بهزر، والله مكنت أعرف.. أنا ماليش دعوة بيكوا، سيبوني في حالي.” الراجل ضحك ضحكة مكتومة وبص للموبايل اللي لسه منور بصورة المكتب الفخم، وقال لها:

“الهزار خلص من اللحظة اللي دوستي فيها اتصال. أنتي دلوقتي بقيتي ‘صندوق بريد’ بشري. فيه شريحة معلومات لازم تخرج من البلد، ومحدش هيشك في بنت زيك وهي بتعدي من المطار.”
​وفجأة، سحب موبايلها من إيدها وبدله بموبايل تاني خالص، لونه غريب وتقيل، وقال لها بصيغة أمر: “الموبايل ده هيفضل في إيدك، لو حاولتي تفتحي غيره، أو تكلمي حد، أو حتى تمسحي الرسائل.. القنبلة الصغيرة اللي مزروعة في بطارية الموبايل ده هتنفجر في وشك.”
​سلمى قامت وهي دايخة، لبست جاكت فوق بيجامتها وهي بتبكي من غير صوت. نزلت معاه، ولقت قدام البيت تلات عربيات سودا “جيب” واقفين في صمت مرعب.

ركبت في الكنبة اللي ورا، ولقت جنبه شنطة جلد سودة، الراجل فتح الشنطة وطلع منها باسبور جديد تماماً، فتحه قدام عينيها، لقت صورتها مكتوب جنبها اسم تاني خالص وجنسية تانية.
​العربيات بدأت تتحرك بسرعة جنونية في شوارع القاهرة الفاضية، وسلمى بتبص من الشباك على بيتها وهو بيبعد، حاسة إنها بتودع حياتها القديمة للأبد. فجأة، الموبايل الجديد اللي في إيدها نور، وجات لها رسالة من رقم مجهول: “الجنرال بيراقبك من الكاميرا اللي في الزرار بتاع الجاكت.. اضحكي، عشان ميبانش إنك مخطوفة وتعملي لنا مشاكل في أول كمين.”

​سلمى بصت لزرار الجاكت بتاعها برعب، ولقت فعلاً فيه نقطة حمرا صغيرة جداً بتنور وتطفي. وفي اللحظة دي، العربيات وقفت فجأة قدام ممر ضلم تحت كوبري، وظهرت موتوسيكلات كتير محاوطاهم من كل ناحية، والراجل اللي جنبها سحب مسدسه من جنبه وفك الأمان وهو بيقول: “شكلك نحس يا سلمى.. البوليس الدولي ورانا، اجهزي عشان العرض هيبدأ.”
صوت ض*رب النار بدأ فجأة زي الرعد، الرصاص كان بيخبط في جسم العربيات المصفحة وبيعمل شرار في الضلمة. سلمى رمت نفسها في أرضية العربية وهي حاطة إيديها على راسها وبتصرخ، بس صوتها كان ضايع وسط ض*رب الرصاص المتبادل بين المافيا والبوليس الدولي.

​الراجل اللي جنبها كان بيض*رب نار باحترافية من الشباك، وفجأة العربية لفت لفة حادة خلت سلمى تتخبط في الباب. الراجل زعق وهو بيبدل خزنة المسدس: “انزلي تحت الكرسي ومتحركيش! لو حد فتح الباب غيري.. اقت*ليه.” رمى في حضنها طبنجة صغيرة لونها فضي، سلمى بصت للسلاح برعب، دي عمرها ما مسكت حتى مسدس مية!
​وفجأة، انفجار قذر حصل وراهم، عربية من العربيات السودا طارت في الجو واتقلبت. العربية اللي سلمى فيها فرملت فرملة خلت راسها تخبط في الكرسي اللي قدامها وفقدت توازنها لثواني. الراجل فتح الباب وخرج وسط الدخان، وبدأ يشتبك مع ناس لابسين قناعات سودة وعساكر قواة خاصة.

​سلمى لقت باب العربية اللي ناحيتها اتفتح، كان واحد من المهاجمين، لابس لبس عسكري بس مفيش عليه رتب، مد إيده ليها وقال بسرعة: “سلمى؟ أنا من المخابرات.. تعالي معايا بسرعة قبل ما الجنرال يبعت الدعم، أنتي في خطر أكبر مما تتخيلي!” سلمى بصت له بتردد، لقت الموبايل اللي في إيدها نور برسالة جديدة من (الجنرال): “اللي قدامك ده مش بوليس، ده قاتل مأجور من عصابة تانية.. لو نزلتي معاه، مو*تك هيكون بطيء.”ماياخالد
​سلمى بقت في نص نارين، مابقتش عارفة تصدق مين. الراجل العسكري مد إيده أكتر وقال لها: “مفيش وقت، الموبايل ده متفخخ، ارميه وانزلي!”

في اللحظة دي، سلمى شافت الراجل اللي كان معاها في العربية واقع على الأرض وبينزف، بس لسه ماسك سلاحه وموجهه على العسكري.
​بدون تفكير، سلمى لقت نفسها بتفتح باب العربية التاني وبتجري في وسط الملاحقة، دخلت بين العربيات المركونة والممرات الضيقة تحت الكوبري، والاتنين بدأوا يجروا وراها. وهي بتجري، الموبايل في إيدها بدأ يعمل صوت “بييب” سريع ومنتظم.. صوت عد تنازلي.
​سلمى لقت نفسها قدام طريق مسدود، حيطة عالية ومفيش مخرج، وصوت الخطوات بتقرب منها. بصت للموبايل، كان فاضل ٥ ثواني والعد يخلص.

في آخر لحظة، رميت الموبايل بأقصى قوتها ناحية الشخص اللي كان بيطاردها، واترمت هي ورا صندوق زبالة حديد.
​انفجار الموبايل عمل هزة في المكان ودخان كثيف، سلمى استغلت اللحظة وقامت تجري وهي مش شايفة قدامها، لحد ما خبطت في شخص واقف في الضلمة، لابس كاب ومنزل وشه. رفع راسه وبص لها ببرود، كان هو.. نفس الراجل اللي كلمته فيديو، “الجنرال” بشحمه ولحمه.
​ابتسم لها ببرود وقال: “أنتي فاكرة إن الهروب مننا سهل؟ أنتي دلوقتي معاكي أهم حاجة المافيا بتدور عليها.”

سلمى بصت لإيدها وهي مذهولة، لقت إنها وهي بترمى الموبايل، “الشريحة” كانت لزقت في عرق إيدها من التوتر والخوف، الشريحة اللي عليها أسرار دولية بقت جزء من جسمها.الجنرال مد إيده ومسك معصم سلمى بقوة، عينه كانت بتلمع بانتصار وهو شايف الشريحة لزقت في جلدها. “دي ميزتك يا سلمى، الحاجة اللي بنموت عشانها بقت حرفياً تحت جلدك، وده معناه إنك بقيتي أغلى قطعة في مجموعتي.”
​سلمى كانت بتنهج، وعينيها رايحة جاية في المكان بتدور على مخرج، بس فجأة سمعت صوت طيارة “هليكوبتر” بتقرب من فوقهم، وكشافات النور خلت المكان كأنه عز الظهر. الجنرال مسكها من رقبتها بالراحة بس بتهديد واضح وقال:

“الطيارة دي مش لينا، دي لقوات التحالف الدولية.. لو اتمسكتي معاهم هيشرحوكي عشان ياخدوا الشريحة، لكن معايا.. هتعيشي ملكة.”
​سحبها وراه ودخلوا في نفق ضلم تحت الكوبري، والرجالة بتوعه بدأوا يرموا قنابل دخان عشان يغطوا على هروبهم. سلمى لقت نفسها جوة عربية مصفحة تانية كانت مستنية في الضلمة، الجنرال قعد قدامها وطلع جهاز صغير وبدأ يمرره على إيدها، الشريحة بدأت تنور من تحت الجلد بلون أزرق غريب.
​”دلوقتي إحنا خارجين من الحدود،” الجنرال قالها وهو بيفتح لاب توب، “الشريحة دي فيها أكواد البنوك المركزية لـ ٣ دول، وبما إنها اتفعلت بحرارة جسمك، فلو قلبك وقف..

الأكواد دي هتتمسح، يعني حياتك بقت هي الضمان الوحيد لثروتي.”
​سلمى ضحكت بمرارة وسط دموعها: “يعني أنا دلوقتي بقيت خزنة ماشية؟”
الجنرال بصلها ببرود: “بالظبط، ومن اللحظة دي مفيش نوم، مفيش هزار، ومفيش رجوع. أنتي بقيتي أهم واحدة في المافيا.”
​فجأة العربية وقفت قدام طيارة خاصة في مطار سري، والجنرال نزل وشدها وراه، بس قبل ما يطلعوا السلم، سلمى لفت وشها وشافت “القناص” اللي كان بيراقبهم من بعيد، النقطة الحمرا كانت على صدر الجنرال نفسه.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى