منوعات

الحاره

الريحة كانت خنيقة، مزيج مكتوم بين ريحة التراب المرشوش في الحارة وريحة زفارة الدم اللي طالعة من البدلة السودة. رجلي كانت بتترعش بطريقة مش قادرة أسيطر عليها، والشنطة اللي في إيدي كنت كابسة عليها بأصوبعي لدرجة إن ضوافري كانت بتغرز في الجلد الصناعي بتاعها. كل خطوة كان بيمشيها ناحيتي كانت الأرض بتتهز تحتيا، وعقلي شغال بفرملة مرعبة: أصرخ؟ مفيش حد حايسمعني في الخرابة دي. أجرى؟ بالجزيمة دي وفي الشارع المكسر ده حأقع على وشي من أول خطوة وهو حيجيبني في ثانية.

​وقف على بعد خطوتين بس، طوله كان فارع، وضله النازل من اللمبة الصفراء الصغيره مغطي عليا تماماً كأنه حيطة مبنية قدامي. عينيه الزرقا كانت باردة، مفيش فيها أي لمعة من لمعة البني آدمين، نوع العيون اللي يسحب منك الدفا ويرميك في ثلج. توطى شوية عشان يبص في وشي بتركيز، ورسم ابتسامة مائلة ومستفزة على شفايفه.
​”إيه؟ اللسان اتعقد؟” قالها بنبرة هادية بشكل مستفز، وهز رأسه بقلة حيلة كأنه بيتكلم مع طفل صغير غلط في الواجب. “بس بصراحة… شجاعة. غيرك كان أغمى عليه من أول ما شاف الجثة. أنتِ بقى واقفة تترعشي في صمت.

عاجباني الثبات ده.”
​بلعت ريقي بالعافية، وحسيت بحلقي ناشف زي الصحراء. حركت شفايفي بحروف طالعة بالعافية ومكسورة: “أنا… أنا مشفتش حاجة. والله العظيم ما شفت حاجة… أنا كنت ماشية في طريقي… عيالي… عيالي مستنييني في البيت… والنعمة الشريفة ما حنطق بحرف…”
​الضحكة اللي طلعت منه المرة دي كانت مسموعة أكتر، ضحكة مليانة تهكم. مد إيده اللي كانت متوسخة بحبر أسود ودم ناشف، وحط صباعه تحت دقني بالراحة، رفعه لفوق عشان أكون جابرة أتحط في عينيه مباشرة. لمسة صباعه كانت ساقعة زي الميتين.
​”عيالك؟” نطق الكلمة وهو بيسحب نَفَس طويل، كأنه بيفكر في معانيها. “عندك عيال يا قطة؟

يا خسارة… يعني فيه طفلين صغيرين بكرة الصبح حيصحوا يلاقوا أمهم اخت.فت في ظروف غامضة؟ شوفتي بقى إن الدخول في الشوارع المقطوعة بالليل بدري مش صح؟”
​دمعة سخنة نزل من عيني رغماً عني، كوت خدي. الفكرة لوحدها كانت بتدبحني من جوة؛ ياسين ومالك، مين حياخد باله منهم؟ مين حيوكلهم؟ مين حيح.ضن مالك لما يخاف من الرعد بالليل؟ الحب والذعر اللي جوايا على عيالي تحولوا للحظة لطاقة غريبة، قوة طلعت من تحت الأرض. ضربت إيده اللي على دقني بقوة وخلاني أرجع خطوة لورا.
​”أوعى تلمسني!” صرخت فيها بصوت كان طالع من محروق جوة صدري، صوت مليان قهر ووجع.

“لو راجل مديت إيدك عليا أنطق! أنا مش خايفة منك ولا من دمك ده! أق.تلني لو عايز، بس وحياة ربنا لو قربت من عيالي أو آذيتهم، أنا هطلعلك من تحت التراب وأحرق قلبك!”
​النبرة المرة دي ما كانتش نبرة حد خايف، كانت نبرة أم بتدافع عن جحرها. الرجل اتفاجأ بالرد، الابتسامة المائلة اخت.فت من على وشه لثواني، وحل محلها نظرة استغراب شديدة. النظرة الميتة اللي في عينيه تحولت للقطة فضول زى اللي بيشوف كائن غريب بيتصرف بعكس المنطق.
​”أووووه…” قالها ببطء شديد وهو بيمسح الوش اللي ضربته إيدي، وبص لكفه. “القطة ليها أظافر وبتخربش كمان؟

تمام… كده اللعبة بقت أمتع بكتير.”
​سحب من جيبه الداخلي للبدلة منديل قماش أبيض، وبدأ يمسح صوابعه بهدوء غريب كأنه في صالون بيته ومش واقف فوق جثة في حارة ضيقة. النظافة والدقة اللي كان بيمسح بيها الدم كانت مرعبة أكتر من منظره وهو شايل الراجل.
​”شوفي بقى يا مدام…” بدأ يتكلم بصوت منتظم ونبرة حادة زي الموس، “أنا شغلي مقتضية إن الأطراف المفتوحة تتقفل، وأنتِ دلوقتي بقيتي طرف مفتوح كبير أوي. منطقياً، الرصاصة في دماغك هي الحل الأسرع والأضمن عشان أنام مرتاح النهاردة.

بس… بصراحة، الق.تل عمال على بطال بيبوظ المود، وأنا المود بتاعي النهاردة كان هادي لحد ما أنتِ جيتي وظطتيه.”
​حط المنديل المتوسخ بالدم في جيبه تاني، وخطى خطوة واحدة إضافية ناحيتي. المرة دي ما حاولتوش أرجع لورا، أرجلي كانت زي ما تكون اتغرزت في الإسفلت.
​”عندك خيارين…” كمل كلامه وهو بيوطي وشي في مستوى وشي بالضبط، ونفسه الساقع بيخبط في خدي. “الخيار الأول: أخلص عليكِ هنا، وتترمي جنب الصديق العزيز ده، ولحد ما الشرطة تلاقيكي بعد يومين حيكونوا عيالك اتجننوا من الخوف.

الخيار الثاني… إنك تديني حاجة تخليكي تحت ضريبتي، حاجة تخليني واثق تماماً إنك لو سمعتي اسمي أو شفتي وشي في أي مكان، بؤك ده مش حيتفتح ولا حتى بالغلط.”
​”إيه… إيه الخيار الثاني؟” سألته ورعشة الصوت لسه موجودة، بس فيه بقايا ثبات طالعة من الرعب.
​ابتسم ابتسامة خفيفة، ومد إيده الشمال. “تليفونك.”
​ترددت ثانية، أيدي كانت بتترعش جوة الشنطة. سحبت الموبايل وإيدي بتخبط في المفاتيح والورق. أديتوله والموبيل بينط في إيدي من الرعب. أخده مني بمهارة، فتح الشاشة وعينيه اتسعت شوية لما شاف الصورة اللي على الشاشة الرئيسية:

أنا ومسكين ياسين ومالك بنضحك في الجنينة في يوم شمس هادي.
​بص للصورة ثانية، وبعدين بصلي. “جمال… وعيلة هادية.” مسك التليفون وطلب رقم معين من مخه، رن رنة واحدة على تليفون تاني في جيبه، وسكت. أخد الرقم بتاعي، وبعدين فتح الكاميرا وسجل فيديو سريع لوشي، وللجثة اللي مرمية على الأرض، ولموقعي في الشارع، وفي أقل من دقيقة كان شغال على التليفون بطريقة سريعة جداً.
​رد التليفون في إيدي، بس المرة دي كان فيه ملف مفتوح أو برنامج شغال في الخلفية.

​”دلوقتي يا… يا أم ياسين ومالك،” نطق أسامي عيالي بنبرة خلت قشعريرة تسرى في جسمي كله، “أنا بقيت عارف شكل وشك، رقم تليفونك، وموقعي وموقعك. التليفون ده عليه برمجية صغيرة خالص، لو فكرتي تروحي لأي قسم شرطة، أو حتى تحكي لجارتك على كباية شاي عن الراجل اللي شفتيه في الحارة… الفيديو ده، ومعاه صور تانية كتير، حتوصل للشرطة والنيابة مع بلاغ إنك أنتِ اللي أصل القتيلة دي، وشهود حيطلعوا من تحت الأرض يأكدوا الكلام ده. وغير كده…”
​قرب من أذني ووشوشني بصوت حاد كالسكين:

“… أنا حأعرف أوصل لبيت عيالك قبل ما الشرطة توصلك.”
​الكلمات كانت زي ضربات الشاكوش على رأسي. الابتزاز كان محبوك بطريقة مرعبة، مفيش فيها منفذ واحد للهروب. نفسيته مريضة وعقله شغال زي الكمبيوتر.
​”فهمتي اللعبة ماشية إزاي؟” سألني وهو بيبعد وشه وبيرجع يلبس جوانتي أسود نضيف سحبه من جيبه.
​هزيت رأسي بسرعة، والدموع نازلة مغرقة وشي.

“فهمت… فهمت والله… مش حنطق… مش حنطق خالص.”
​”شاطرة.” قالها وهو بيلتفت للجثة المرمية على الأرض، شال الراجل تاني بنفس السهولة الغريبة، وكأنه مش شايل وزن بني آدم، وبدأ يسحبه ناحية عربية سودة فخمة كانت مركونة في أخر الشارع المظلم، عربية ما كنتش واخدة بالي منها من كتر الضلمة.
​قبل ما يدخل الشنطة بتاعة العربية، اتلفت لي مرة أخيرة، والنور الأكتم بتاع لمبة الشارع انعكس على نضارة سودة حطها على وشه.
​”امشي يلا… عيالك مستنيينك. وما تنسيش… أنا دايماً ببتفرج.”
​ما استنيتش أسمع كلمة زيادة. لفيت وشي وبدأت أجرى.

جربت بكل القوة اللي في جسمي، كعب الجزمة المكسور طار في الشارع بس ما اهتمتش، كملت حافية على الإسفلت الساقع والتراب. كنت بجرى وقلبي حيطير من صدري، الهوا كان بيدخل حامي في الزور وصدري بيحترق. كل خطوة كنت بحس إن فيه حد بيجري ورايا، كل صوت شجرة بتهزها الريح كان بيرعبني.
​طلعت من الحارة الضيقة على الشارع الرئيسي اللي فيه شوية أنوار ومحلات مقفولة. الشارع كان فاضي تقريباً، بس وجود النور خلاني أتنفس شوية. كملت جري لحد ما وصلت لعمارتنا، طلعت السلم جراي أربعة أربعة، مكنتش قادرة أستنى الأسانسير.

​وصلت باب الشقة، إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مش عارفة أدخل المفتاح في القفل. المفتاح وقع مني مرتين على الأرض. أخيراً فتحت الباب ودخلت بسرعة وقفلته ورجعت ظهري عليه، ورزعت القفل بالترباس.
​قعدت على الأرض ورا الباب، نفسي طالع ونازل بسرعة رهيبة، وصدري بيترفع وينزل. الصمت بتاع البيت كان غريب، هدوء تام. البيبي سيتر كانت قاعدة في الصالة تتفرج على التليفزيون بصوت واطي أوي، أول ما شافتني اتفزعت وقامت وقفت.
​”يا لهوي يا مدام! مالك؟ وشك أصفر زي الليمونة ليه كده؟ ورجلك مالها؟”
​حاولت أجمع شتات نفسي، مسحت دموعي بضهر إيدي وبدأت أظبط هدومي اللي كانت متبهدلة.

“مفيش… مفيش يا ولاء… كريب بس طلع عليا في الشارع وحاول يسرق الشنطة وجريت منه… أنا كويسة… كويسة.”
​ولاء بصتلي بشك، بس مسألتش أكتر لما شافت حالتي الهستيرية. أخدت فلوسها ومشيت بسرعة. أول ما الباب اتقفل وراها، جربت جري على أوضة العيال.
​فتحت الباب بالراحة. كان ياسين نايم على سريره ومغطى نص جسمه، ومالك الصغير حاضن الدبدوب بتاعه ونايم في أمان تام. منظرهم وهم نايمين بسلام كان الحجة الوحيدة اللي خلتني أتمسك بالواقع وما إنهارش. دخلت الأوضة، اتحديت الساقعة وقعدت على الأرض بين السريرين، مسكت إيد مالك الصغيرة وبستها، وعيني مش قادرة تنزل من عليهم.

​الرعب ما اخت.فاش، بالعكس، الرعب يلازم كل نَفَس بتنفسه. الراجل ده بقى معاها رقمي، نمرة بيتي، وشه في دماغي، والتهديد بتاعه معلق فوق رقبة عيالي زي السيف.
​عدت الساعة الأولانية، وبعدين الثانية… الساعة بقت أربعة الفجر. الشقة كانت ساكتة تماماً، مفيش غير صوت دقات الساعة القديمة على الحيطة وصوت التكييف. كنت قاعدة في الصالة، شاربة كباية شاي مغلية مسكتها بإيدي الاتنين عشان أوقف الرعشة، وتليفوني كان محطوط على الترابيزة قدامي زي القنبلة الموقوتة.
​كل ما أبص للتليفون، أفتكر العيون الزرقا الميتة والصوت الحشرجي وهو بيقول:

“أنا دايماً بتفرج.”
​وفجأة… في تمام الساعة أربعة ونصف الفجر…
​شاشة التليفون نورت في الضلمة.
​جسمي اتلجم تماماً. كباية الشاي اتهزت في إيدي والمية المغلية ادلقت على رجلي، بس ما حسيتش بالوجع. عيني كانت مسمرة على الشاشة.
​مفيش صوت رنين… مفيش فيبرشين… مجرد إشعار رسالة جديدة على الواتساب من رقم مجهول مفيش عليه صورة شخصية.
​بإيد بتترعش، قربت من الترابيزة وسحبت التليفون. فتحت الرسالة وأنا حاسة إن قلبي حيقف.

​الرسالة كانت عبارة عن صورة واحدة بس…
​فتحت الصورة… وكانت لقطة مصورة من الشارع قدام العمارة بتاعتنا بالضبط… زاوية الكاميرا كانت جايبة بلكونة صالتنا اللي أنا قاعدة فيها دلوقتي… وتحت الصورة كان مكتوب سطر واحد بس باللغة العربية:
​”النور اللي مولعاه في الصالة مخليكي باينة أوي من تحت… نامي يا أم ياسين، وراكي يوم طويل بكرة.”التليفون وقع من إيدي على السجادة. الصوت الصغير اللي أحدثه لما اتخبط في الأرض كان بالنسبة لي زي صوت انفجار. الشاي الملقوح على رجلي بدأ يحرق جلدي، بس أنا كنت متسمرة مكانتاني، مش قادرة أتحرك ولا سم واحد.

​عيني اتسمرت على الستارة البيضاء الخفيفة اللي مغطية باب البلكونة. كانت بتتهز بالراحة مع نسيم الفجر الساقع… نفس الستارة اللي أنا قاعدة وراها دلوقتي، ونفس النور الأصفر اللي ورايا ومبين خيالي بوضوح لأي حد واقف تحت في الشارع.
​حسيت بإيد سحبت الهوا كله من الرئة. زحفت على أربعي على الأرض زي المجاذيب، ما استجريتش أقف على طولي. زحفت لحد ما وصلت للفيشة بتاعة أبجورة الصالة، وسحبتها بفرقعة مكتومة.
​الصالون غرق في ضلمة كحل.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى