صافية مكانش قدامها غير إنها توافق، رغم إن القرار ده كان بيخنقها أكتر. أوقات كتير كانت بتحس إنها محبوسة، كأنها في سجن. بتشوف جزء صغير من الفيلا، والغرفة اللي بتشاركها مع البنات التانيين هي مساحتها الوحيدة في يوم من الأيام، بعد أسبوع كامل من حكاية “متخرجيش لما يكونوا موجودين”، كان الليل متأخر أوي. صافية كانت جعانة. طول النهار مكنتش قدرت تاكل كويس بسبب زحمة الشغل، ومكانش ليها نفس أصلًا. قامت بهدوء من سريرها، البنات التانيين كانوا نايمين. اتسللت بره الأوضة، والفيلا كانت ضلمة وهادية. وصلت للمطبخ، ولعت نور خافت، وفتحت التلاجة عشان تشوف أي حاجة خفيفة.
وفي اللحظة اللي كانت بتطلع فيها طبق جبنة، لقت اللي دخل المطبخ وراها. قلبها وقع في رجليها. لفت بسرعة، وبصت للشخص الواقف على باب المطبخ. شاب طويل، شعره منكوش شوية، ولابس شورت وتيشيرت. عيونه كانت باصة عليها باستغراب، وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة. “إيه ده، هو في حد صاحي دلوقتي؟” قالها الشاب بصوت هادي، وعيونه كانت بتفحص صافية من فوق لتحت. شكلها الغريب، لبسها البسيط، كل ده خلاه يفتكر إنها الخدامة الجديدة اللي أمهم قالت عليها. بس كانت أحلى بكتير من أي خدامة شافها قبل كده.
صافية حست بخوف فظيع. ده واحد من ولاد خالها اللي مدام نيفين حذرتها منهم! وايه اللي جايبه المطبخ دلوقتي؟ هي كده هتتنفخ أكيد. اتوترت أوي، والطبق كاد يقع من إيدها. “أنا… أنا كنت… كنت جعانة بس.” قالت صافية بصوت متقطع، وهي بتحاول تبعد عينيها عن عيونه. الشاب ابتسامته وسعت أكتر. “أكيد جعانة” قالها وهو بيقرب خطوة.
صافية حست إنها لازم تهرب. خافت أوي من مدام نيفين لو عرفت، ومن الشاب ده نفسه. سابت طبق الجبنة على الرخامة وجريت من المطبخ بسرعة الصاروخ، ورجعت على أوضتها وهي قلبها بيدق زي الطبلة. قفلت الباب بهدوء، واتغطت كويس، وهي حاسة إن وشها نار من الكسوف والخوف. الشاب اللي هو كريم، فضل واقف في المطبخ مبتسم. “دي الخدامة الجديدة؟ دي حلوة أوي، ومجنونة كمان.” قال لنفسه، وهو بيفتكر نظرة الخوف في عينيها وجريتها الغريبة. الموضوع ده عجب كريم، وحس إن الفيلا بقى فيها حاجة جديدة ومثيرة.
تاني يوم الصبح، كانت صافية صاحية بدري كعادتها، وبتساعد في تحضير الفطار اللي بيتحط على سفرة مدام نيفين الكبيرة. كانت بتحاول متلفتش أي انتباه، وبتتجنب أي عين ممكن تيجي عليها، وخصوصًا بعد اللي حصل في المطبخ بالليل. كانت بتدعي إن الشاب ده ميكونش من ولاد خالتها، أو على الأقل، ميعرفش يوصلها. قاعدة مدام نيفين على رأس السفرة، ووراها قعد فريد وكريم. فريد، الأخ الكبير، كان باين عليه الجدية والتركيز، لابس بدلته الرسمية ومستعد ليوم شغل طويل كمحامي مشهور. أما كريم، كان لسه شكله باين عليه آثار النوم، شعره منكوش بس بابتسامة خبيثة مش مفارقاه.
مدام نيفين بدأت تدي الأوامر للخدم بصوتها اللي مفيش فيه هزار، وبتتابع كل كبيرة وصغيرة. صافية كانت بتبص للأرض وهي ماشية عشان متتقابلش عينيها بعين حد، وخصوصًا كريم. وفي وسط ما الخدم كانوا رايحين جايين، كريم ميل على أخوه فريد وهمسله في ودنه، وصوته كان كله حماس: “إيه يا فريد، مش ملاحظ حاجة جديدة في البيت؟” فريد كان بيشرب قهوته وهو بيبص في ورق قدامه، رفع حاجبه ورد بضيق: “ملاحظ إيه يا كريم؟ يا ريت تكون حاجة ليها علاقة بشغلك أو دراستك بدل سهرك اللي ملوش لازمة ده.”
كريم ضحك ضحكة مكتومة: “يا عم لا، دي حاجة أحلى بكتير. أنا شوفت بالليل في المطبخ خدامة جديدة، إيه القمر ده يا فري! بجد أنا اتفاجئت، دي صاروخ أرض جو. وأول مرة أشوفها هنا.” فريد بصله بنظرة حادة، وساب الورق من إيده بغضب واضح: “ايه الكلام ده يا كريم؟ إيه صاروخ أرض جو دي؟ عيب عليك! وبعدين، أنت إزاي تتكلم على أي بنت بالشكل ده، وخصوصًا لو شغالة هنا في البيت؟”
كريم بصله باستغراب: “في إيه يا فريد؟ مالك اتعصبت كده ليه؟ دي خدامة زي أي خدامة. وأنا بتكلم عنها عادي يعني، مفيهاش حاجة. دي كانت بتسرق جبنة من التلاجة بالليل، شكلها طفسة وبتتخفى عشان محدش يشوفها.” فريد كان وشه أحمر من الغضب: “سرقت جبنة إيه وهبل إيه اللي بتقوله ده؟ حتى لو زي ما بتقول، ده مش مبرر إنك تتكلم عنها بالطريقة دي! أنت فاكر نفسك مين؟ البنت دي ليها كرامتها، وبعدين إزاي تتدخل في خصوصيات الناس كده؟ سيب البنت في حالها، ومتقربلهاش أبدًا، فاهم؟”
كريم تنهد بملل: “يا عم فري، على إيه العصبية دي كلها؟ ما خلاص فهمت. بس بجد يا أخي لو شفتها هتقولي إن كلامي صح. دي جميلة بشكل مش طبيعي، ولونها القمحاوي ده يجنن!” فريد بصله بنظرة تحذيرية: “كريم! أنا قولت كلمتي. سيبها في حالها، ومش عايز أسمع سيرة الموضوع ده منك تاني. أنت فاهم كويس إن أمك بتتصرف تصرفات ساعات مش مفهومة، ومش عايزك تكون جزء من أي مشكلة.”
كريم عمل نفسه متفهم، لكن في عينه كانت لسه لمعة فضول مش هتطفي بسهولة. صافية، اللي كانت بتعدي من جنبهم بالظبط وهي بتحط طبق مخلل على السفرة، سمعت آخر كلمتين من كلام كريم عن “لونها القمحاوي”، قلبها دق بسرعة، وعرف إن هو ده الشاب اللي شافته في المطبخ. حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها، وخافت أوي.
بعد الفطار، صافية كانت على أعصابها. كل كلمة سمعتها بين فريد وكريم كانت بترن في ودانها. الخوف كان مسيطر عليها من مدام نيفين، ومن كريم اللي باين عليه استهتار، ومن نظرة فريد الحادة. كل اللي كان في دماغها دلوقتي إنها تلحق تروح الجامعة، يمكن هناك تحس بإنها بني آدمة ليها قيمة.



