منوعات

صقر الصعيد

​حمدان كان مراقبهم من بعيد بمركب تاني مستخبي بين البوص. هو عارف إن صقر في الجزيرة بيكون من غير حراسة، ودي الفرصة اللي كان مستنيها. حمدان ومعاه تلاتة من رجالته المسلحين، بدأوا يقربوا من الجزيرة من الناحية التانية بهدوء.
​وفجأة، وسط اللحظة الرومانسية، صقر ودنه لقطت صوت تكسير خشب ناشف بعيد شوية. عيونه اتحولت في ثانية لصقر بجد، وسحب “الطبنجة” بتاعته من ضهره وبص لمايا بحدة:
“مايا.. ادخلي ورا الجميزة الكبيرة دي وماتتحركيش واصل مهما حصل.. فاهمة؟”
​مايا وشها بقى أبيض زي الورق: “فيه إيه يا صقر؟”
صقر (بصوت يرعب): “نفذي اللي قلت عليه وبسرعة!”

​مايا استخبت وهي بتترعش، وصقر بدأ يتحرك بخفة بين الشجر. وفجأة، طلقة رصاص دوت في المكان وكسرت هدوء الجزيرة. صقر رمى نفسه ورا نخلة وبدأ يبادلهم الضرب ببراعة، وهو بيصرخ فيهم:
“يا واكلين ناسكم! بتغدروا بصقر الجارحي في أرضه؟ والله ما هسيب فيكم نَفَس يطلع!”
​حمدان ظهر من ورا شجرة وهو بيضحك بشر: “خلاص يا صقر.. النهاردة نهايتك، والبنت دي هتاجي معايا بمزاجها أو غصب عنها!”
​صقر أول ما سمع سيرة مايا، فقد أعصابه تماماً.

طلع من ورا النخلة وهو بيضرب نار بدقة، أصاب واحد من رجالة حمدان في كتفه، وبدأ يقرب منهم وهو مش خايف من الرصاص اللي بيطير حواليه.
​في الوقت ده، مايا مكنتش قادرة تقعد مكانها، طلعت رأسها وشافت حمدان وهو بيصوب ناحية صقر وهو مش واخد باله. صرخت بكل قوتها: “صقرررر! حاسب يا صقر!”
​صقر لمح حمدان، ورمى نفسه في الأرض، والطلقة جات في كتفه هو بس إصابة سطحية. صقر قام زي الأسد الجريح، وهجم على حمدان قبل ما يعمر سلا..حه تاني، ونزل فيه ضرب بإيده لدرجة إن حمدان وقع سايح في دمه.

​صقر ساب حمدان وهو بينازع، وجري على مايا اللي كانت بتعيط ومنهارة. مسكها بإيده اللي فيها دم وحضنها بقوة:
“خلاص يا مايا.. خلاص يا جلب صقر.. أنا بخير، مفيش حاجة واصل.”
​مايا كانت بتمسح دمه بطرف شالها وهي بتقول: “إنت اتعورت بسببي.. أنا السبب في كل ده.”
صقر بص في عينيها وقالها بلهجة فيها عشق وتملك مش طبيعي:
“الدم ده فدا نظرة من عيونك.. واليوم اللي حد يفكّر بس يلمس شعرة منك، هيكون آخر يوم في عمره. إنتي بقيتي قدري يا مايا، ومحدش بيهرب من قدره.”
​صقر خدها ورجعوا القصر، بس المرة دي مايا مكنتش مجبورة..

المرة دي كانت هي اللي ماسكة في إيده بقوة، وكأنها أخيراً لقت “الضهر” اللي كانت بتدور عليه.صقر رجع القصر وهو شايل مايا بين إيديه، مش لضعف منها، لكن لأنه مكنش قادر يسيبها تبعد عنه سنتيمتر واحد بعد اللي حصل. دخل بهيبته المعتادة والدم لسه ملوث قميصه، صرخ في الغفر: “اقفلوا الأبواب واقطعوا الرجل اللي تعتب القصر! وحمدان يترمي في المخزن لحد ما أشوف هقطع رقبته كيف!”
​الدكتور رفعت جرى عليهم وهو مرعوب، وصقر طمنه بكلمتين ناشفين وهو داخل جناحه: “بنت أختك في حمايتي يا دكتور، الجرح اللي في كتفي ده تمنه غالي قوي، وهتحاسب عليه مع الكل.”

​جوه الجناح، مايا كانت بتترعش، مش بس من الخوف، لكن من شكل صقر وهو غرقان في دمه وقسوته. جابت علبة الإسعافات وقربت منه ببطء، وصقر قعد على الكرسي وفك زراير قميصه بهدوء يحسد عليه.ماياخالد
​مايا (بإيد بتترعش وصوت باكي): “لازم أنضف الجرح.. إنت كنت هتموت عشاني.”
صقر (بص لها نظرة طويلة وهادية): “الموت في سبيل حاجة تخصني شرف يا مايا.. هاتي يدك.”
​مسك إيدها وحطها على قلبه اللي كان بيدق بقوة: “شايفة ده؟ ده اللي كان هيقف لو حد لمسك. نظفي الجرح يا ست البنات ولا تخافيش، وجع السلا..ح أهون بكتير من وجع إني أشوفك خايفة مني.”

​مايا بدأت تداوي جرحه برقة متناهية، وكل ما كانت بتلمس جلده، صقر كان بيغمض عينيه وبيكتم وجعه عشان ميخوفهاش. الرقة اللي فيها بدأت تدوب جبال الجليد اللي حوالين قلبه. لما خلصت، صقر مسك إيدها وباس باطن كفها بتقدير غريب على طبعه.
​صقر: “من بكرة، النجع كله هيعرف إنك “حرم صقر الجارحي”. مفيش سفر يا مايا.. مفيش خروج من هنه غير وأنا في يدك وقبري في يدك التانية.”
​مايا (باعتراض رقيق): “صقر، إنت لسه بتتحكم.. إنت مسألتنيش!”
صقر (قام وقف وحاوط وسطها بإيده السليمة): “سألت قلبي وقالي إنك ليا. وسألت عينيكي وانتي بتمسحي دمي وقالتلي إنك خايفة عليا.

الصعيد ميعرفش الأسئلة الكتير يا مايا.. الصعيد يعرف إن اللي القلب يعشقه، اليد م تسيبهوش واصل.”
​في اللحظة دي، دخل “عواد” الغفير الكبير وهو مكسوف: “يا صقر بيه، كبارات البلد وحكماء النجع بره، وعايزين يتدخلوا عشان خاطر حمدان.. بيقولوا دمه من دمك.”
​صقر وشه قلب خشب، وصوته بقى زي ضرب النار: “دمه من دمي؟ اللي يغدر بالصقر في أرضه ويخوف ضيفته ملهوش دم عندي! قولهم صقر الجارحي بيقولكم: “العفو عند المقدرة.. وأنا مش قادر أعفو عن اللي فكر يلمس وردة قصر الجارحي”.”
​بص لمايا وقالها بلهجة لا تقبل الجدل: “البسي أغلى فستان عندك، وانزلي جنبي..

عايزهم يشوفوا اللي صقر الجارحي هيحرق النجع عشانها، عشان مفيش كلب يفكر يعيد الكرّة تاني.”
​نزلت مايا جنبه، وكانت زي الملاك وسط الرجالة اللي وشوشهم غاضبة. صقر وقف قدامهم والطلقة لسه معلمة في كتفه، وقال بكلمة واحدة هزت القاعة: “حمدان هيترحل من النجع ده قبل شروق الشمس، ولو رجله عتبت حدودنا تاني، ملوش عندي غير الرصاص. والست دي.. من النهاردة هي كبيرة القصر ده، وكلامها من كلامي.”
​الكل سكت وبصوا في الأرض هيبةً للصقر.

مايا بصت لصقر ولقت في عينيه نظرة انتصار، بس المرة دي كانت حاسة إن سيطرته دي هي أكبر دليل على حبه المجنون ليها.مرت الأيام، وقصر الجارحي اللي كان طول عمره عبارة عن حصن للمؤامرات وكلام الرجال الناشف، بدأت تدب فيه روح جديدة. مايا بلمستها الرقيقة بدأت تغير كل حاجة؛ الستاير السودة الثقيلة اتشالت واتحط مكانها شيفون أبيض بيدخل ضوء الشمس، والجنينة اللي كانت مجرد شجر عالي ومخيف، بقت مليانة ورد وألوان بتبهج العين.
​صقر كان بيراقب التغييرات دي وهو مبهور، وكأنه كان عايش في ضلمة ومايا هي اللي نورت حياته.

في يوم، كان صقر قاعد في الساحة الكبيرة مع كبار النجع بيحلوا مشكلة كبيرة على قطعة أرض، والكل كان صوته عالي والتوتر مالي المكان.
​فجأة، مايا دخلت الساحة وهي شايلة صينية صغيرة عليها قهوة وقطعة حلويات “بسبوسة” هي اللي عاملاها بإيدها. الرجالة كلهم سكتوا ووطوا راسهم احتراماً، وصقر نفسه وقف واستغرب وجودها وسط “مجلس الرجال”.
​صقر (بهمس حاد): “إيه اللي جابك هنه يا مايا؟ إحنا في وسط شغل وجد.”
مايا (بابتسامة ساحرة وثبات): “قلت أكيد القعدة الطويلة دي محتاجة حاجة تحليها.. وبعدين السكر بيخلي القلوب أهدى، ولا إيه يا صقر؟”

​صقر بص في عيونها، ولقى فيها تحدي رقيق. خد منها القهوة، ودوق البسبوسة قدامهم، وفجأة.. صقر الجارحي اللي الكل بيخاف من تكشيرته، ضحك ضحكة عالية وصافية هزت أرجاء القاعة.ماياخالد
​الرجالة بصوا لبعض بذهول، أول مرة يشوفوا كبيرهم بيضحك بالخفة دي. صقر بص لخصمه في القعدة وقال: “خلاص يا هريدي.. كل بسبوسة الست مايا واعتبر الأرض دي هدية مني ليك بمناسبة القهوة دي. مش عايز أشوف نكد في يوم مرتي منورة فيه الدار.”
​هريدي والرجالة مشيوا وهما بيدعوا لصقر ومراته، ومايا فضلت واقفة بتبص لصقر بفرحة. صقر قرب منها، وحاوط وسطها بإيديه قدام الغفر اللي كانوا واقفين، وقالها بصوت واطي:

“عملتي إيه في الصقر يا بت الناس؟ خليتي الرجالة تقول إن صقر الجارحي بقى يلين بكلمة من ست البنات.”
​مايا (بدلع): “ومين قال إن اللين ضعف؟ إنت أسد، والأسد مبيخافش من رقة الوردة.”
صقر (بص لها بعشق): “أنا مش بخاف من الوردة، أنا بخاف عليها. مايا، أنا جهزت لك مفاجأة.. بكرة هننزل مصر سوا.”
​مايا برقت عينيها: “بجد؟ يعني هتخليني أرجع؟”
صقر (ابتسم بوقار): “هترجعي عشان تلمي شنطك وتصفي كل حاجة ليكي هناك، وتجيبي ورق دراستك عشان تحوليها هنه في الصعيد. أنا مش هسيبك تمشي يا مايا، بس ميرضينيش إنك تحسي إنك مقطوعة من شجرة.

هروح معاكي، وأقف قدام الدنيا كلها وأقول إنك بقيتي “جزء من صقر الجارحي”، واللي يفكّر يبصلك هناك، حراسي هيعرفوا مقامهم إيه.”
​مايا رمت نفسها في حضنه من الفرحة، وصقر غمض عينيه وهو بيشم ريحة شعرها، وحس إن التحكم اللي كان بيعمله في الأول كان مجرد خوف من فقدانها، لكن دلوقتي هو واثق إنها مش هتقدر تعيش من غيره، زي ما هو خلاص مبقاش له حياة بعيد عن رقتها.
​صقر همس في ودنها: “من اللحظة دي، إنتي اللي هتتحكمي في صقر وفي القصر وفي النجع كله.. بس بشرط واحد.”
مايا: “إيه هو؟”
صقر: “تفضلي تضحكي..

عشان ضحكتك هي اللي بتخليني أحس إني لسه حي.”
​دي كانت نهاية الحكاية اللي بدأت بخوف وانتهت بعشق صعيدي ملوش حدود. بقلم مايا خالد.
سافر صقر ومايا للقاهرة في موكب مهيب يليق بـ “كبير الجارحي”. صقر كان لابس بدلة سوداء كلاسيكية، بس لسه محافظ على هيبته ونظرة عينه اللي تخلي أي حد يوسع له الطريق. مايا كانت حاسة بزهو غريب وهي ماشية جنبه، حاسة إنها متمسكة بجبل مبيتهزش.
​وصلوا شقة مايا في حي راقي، وصقر كان باصص للمكان بضيق، وكأنه مش متخيل إزاي الوردة بتاعته كانت عايشة في الزحمة والدوشة دي بعيد عن براح الصعيد.

​صقر (وهو بيبص من البلكونة على الشارع): “إنتي كنتي بتنفسي إيه هنه يا مايا؟ دي بلاد مفيهاش روح، كأن الناس فيها في سباق مع الهوا.”
مايا (بضحكة رقيقة): “دي القاهرة يا صقر، حياتي ودراستي وأصحابي هنا.”
​بمجرد ما قالت “أصحابي”، ملامح صقر اتغيرت والغيرة الصعيدية بدأت تطلع على وشه. وفجأة، جرس الباب رن، وكان واحد من زمايل مايا في الجامعة، شاب اسمه “شريف”، عرف إنها رجعت وجاي يطمن عليها.
​دخل شريف وبمجرد ما شاف صقر واقف ب طوله وهيبته، اتخض ورجع خطوة لورا. مايا حاولت تلطف الجو وقالت: “أهلاً يا شريف، ده صقر الجارحي.. زوجي.”

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى