منوعات

الخا.دمه حكايات ميراا

رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه.
رفع رأسه نحو إيلين وقال
لقينا مكانها…
بس معانا أقل من ساعة، وإلا هنفقدها للأبد.
يتبع…انقبض قلب إيلين.
تقدمت خطوة وهي تكاد لا تصدق ما سمعته.
أمي… عايشة؟
أجاب اللواء عادل بحزم
وصلتني إشارة من الفريق اللي بيتابعها. المكان اتحدد، لكن الناس اللي محتجزينها بدأوا ينقلوها.
نظر جلال إلى ساعته.
هنروح حالًا.
بعد أقل من عشر دقائق، انطلقت ثلاث سيارات من القصر.
كان المطر قد توقف، لكن السماء ما زالت ملبدة بالغيوم.

جلست إيلين في المقعد الخلفي، تضم الصورة إلى صدرها.
لم تكن تعرف ماذا تشعر.
فرح؟
خوف؟
أم غضب على السنوات التي ضاعت من عمرها؟
بعد ساعة تقريبًا، توقفت السيارات أمام مزرعة قديمة مهجورة على أطراف إحدى القرى.
أطفأ الجميع الأنوار.
أشار اللواء عادل إلى مبنى صغير في نهاية الأرض.
هناك.
تسلل رجال الأمن بهدوء.
وفجأة…
فُتح الباب.
خرج رجلان مسرعين، لكن القوة الأمنية سيطرت عليهما خلال ثوانٍ.
ركضت إيلين نحو الداخل دون أن تنتظر أحدًا.
كانت الغرفة مظلمة.
وفي أحد الأركان…

جلست امرأة بشعر اختلط فيه السواد بالبياض.
كانت نحيفة، وملامح التعب واضحة على وجهها.
رفعت رأسها ببطء عندما سمعت خطواتها.
تلاقت أعينهما.
حدقت المرأة فيها طويلًا.
ثم همست بصوت متهدج
إيلين…؟
توقفت إيلين في مكانها.
الدموع غطت عينيها.
ماما…
وقفت المرأة بصعوبة، وكأنها لا تصدق ما تراه.
ثم ركضت نحوها، واحتضنتها بكل ما بقي لديها من قوة.
ظلتا تبكيان طويلًا دون أن تنطقا بكلمة.
وقف جلال عند الباب، وقد اغرورقت عيناه بالدموع.
نظرت ليلى إليه بعد سنوات طويلة.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت
وعدت نفسي…

لو ربنا كتب لي أشوف بنتي تاني… أشكرك.
اقترب جلال بخطوات بطيئة.
أنا اللي لازم أعتذر… ما عرفتش أحميكم.
هزت ليلى رأسها.
كان أكبر همي إنها تعيش… والحمد لله، عاشت بكرامة.
أمسكت إيلين بيد أمها.
ولأول مرة منذ طفولتها…
شعرت أن الفراغ الذي بداخلها بدأ يمتلئ.
لكن بينما كانوا يستعدون للمغادرة، دخل أحد

الضباط مسرعًا.
وقال للواء عادل
قبضنا على كل أفراد العصابة…
إلا شخص واحد.
رفع اللواء رأسه.
مين؟
رد الضابط
العقل المدبر.
الشخص اللي أصدر كل الأوامر من البداية…
وللأسف…
الاسم اللي لقيناه في الملفات، محدش كان يتوقعه.
نظر الجميع إليه في ترقب.
قال الضابط ببطء
هو شريك جلال المنصوري في الشركة… الشخص اللي بيشتغل معاه بقاله أكتر من عشرين سنة.
تبادل جلال واللواء النظرات.
وأدركا أن المعركة الحقيقية…
لم تبدأ إلا الآن.
يتبع…وقف جلال للحظة، وكأن الكلمات أصابته بالشلل.

قال بصوت خافت
مستحيل…
تقصد الأستاذ فؤاد؟
هز الضابط رأسه.
أيوه… فؤاد الدمنهوري.
كان شريكك في الشركة، لكن في الحقيقة كان بيستغل مشروعات النقل الخاصة بالشركة كغطاء لتحركات العصابة.
أغمض جلال عينيه.
تذكر كل مرة دافع فيها عن فؤاد أمام مجلس الإدارة.
وكل مرة قال فيها
فؤاد عمره ما يخون.
أما الآن…
فكانت الأدلة أمامه.
قال اللواء عادل
لازم نتحرك قبل ما يهرب.
لكن ليلى رفعت يدها فجأة.
استنوا.
التفت الجميع إليها.
قالت بصوت ضعيف
فؤاد مش هيهرب.
استغرب جلال.

عرفتي منين؟
ابتسمت ليلى بحزن.
لأنه عمره ما بيهرب… هو دايمًا بيستخبى في المكان اللي محدش يشك فيه.
ثم نظرت إلى جلال مباشرة.
مكتبه.
قطب جلال حاجبيه.
فتشناه أكتر من مرة.
هزت رأسها.
مش المكتب اللي فوق…
المكتب القديم في أول مصنع أسسته.
اتسعت عينا جلال.
كان ذلك المصنع مغلقًا منذ خمسة عشر عامًا.
حتى معظم الموظفين الجدد لا يعرفون بوجوده.
قال اللواء
نتحرك.
بعد أقل من ساعة…
وصلت القوة إلى المصنع القديم.
كان المكان مهجورًا.
الأبواب مغطاة بالصدأ.
والنوافذ محطمة.

لكن عندما دخلوا…
وجدوا الأنوار مضاءة.
في آخر الممر…
كان فؤاد يجلس وحده أمام مكتب خشبي قديم.
يشرب فنجان قهوة بهدوء.
رفع رأسه عندما رآهم.
ثم ابتسم.
اتأخرتوا.
اقترب جلال وهو يكاد لا يصدق.
ليه يا فؤاد؟
نظر فؤاد إليه طويلًا.
ثم قال
لأن الطمع بيغيّر أي إنسان.
كنت دايمًا أشوفك تكبر…
وأنت اللي الكل بيشكرك.
أما أنا…
فكنت مجرد الشريك.
ولما وصلتني الملفات، عرفت إنها تساوي ثروة أكبر من أي شركة.
قال اللواء بصرامة
انتهى الكلام.
لكن فؤاد لم يقاوم.

بل فتح درج المكتب بنفسه.
وأخرج فلاشة صغيرة.
ووضعها فوق الطاولة.
كل حاجة هنا.
أسماء.
حسابات.
وشركاء.
وسلم نفسه بهدوء.
بعد ستة أشهر…
عاد الهدوء إلى قصر المنصوري.
ثبتت براءة إيلين رسميًا، واعتذرت لها سامية أمام جميع العاملين.
كما كرمتها العائلة على إخلاصها طوال السنوات الماضية.
أما ليلى…
فبدأت رحلة علاج طويلة، وكانت تستعيد حياتها يومًا بعد يوم.
وفي إحدى الأمسيات، وقفت إيلين في حديقة القصر تنظر إلى السماء.
اقترب منها جلال.
وقال
أنا عارف إن السنين اللي ضاعت مستحيل تتعوض.

لكن لو تقبلي…
نفسي أبدأ معاكي من جديد.
مش كرجل أعمال…
ولا كصاحب القصر…
لكن كأب بيحاول يصلح اللي فات.
ابتسمت إيلين، والدموع تلمع في عينيها.
ثم احتضنته لأول مرة.
وفي تلك اللحظة…
شعرت أن العلامة الصغيرة على يدها لم تعد مجرد أثر وُلدت به…
بل أصبحت رمزًا للطريق الطويل الذي أعاد إليها أمها، وكشف الحقيقة، ومنحها أخيرًا العائلة التي حُرمت منها طوال عمرها.
تمت بما إن القصة انتهت ووصلت لنهاية مغلقة تم القبض على الشرير، انكشفت الحقيقة، واجتمعت إيلين بأمها، وانتهت العقدة، فأي تكملة مباشرة هتكون متناقضة مع النهاية.

لكن لو حابة تعملي جزءًا ثانيًا بنفس الشخصيات، ممكن يبدأ بأزمة جديدة، مثل
بعد مرور عام على عودة ليلى، كانت إيلين ترتب الصندوق الخشبي القديم الذي احتفظت به أمها. وبين الأوراق، وجدت ظرفًا صغيرًا لم يسبق أن رآه أحد.
على الظرف كُتب بخط يد ليلى
لا تفتحي هذا الظرف إلا إذا عاد شخص اسمه يوسف.
تجمدت إيلين في مكانها.
رفعت رأسها نحو أمها، لكنها وجدتها شاحبة الوجه.
همست ليلى
كنت بدعي اليوم ده ما يجيش أبدًا…
وفي اللحظة نفسها، دوى جرس القصر.

فتح الحارس الباب، ليجد رجلًا خمسينيًا يحمل حقيبة جلدية قديمة، وقال بهدوء
أنا يوسف… وجيت أنفذ آخر وعد قطعته لوالد إيلين.
وبكده تبدأ حبكة جديدة منفصلة، من غير ما تهدم نهاية الجزء الأول بعد لحظات، دخل الرجل إلى صالون القصر وهو يحمل الحقيبة الجلدية بكلتا يديه، كأنها أثمن ما يملك.
وقفت ليلى فجأة.
اخت.فى اللون من وجهها.
همست بصوت مرتجف
يوسف…
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
الحمد لله… لسه فاكراني.
اقتربت منه ببطء.
افتكرت إنك…
قاطعها بهدوء
مت.
هزت رأسها.
كل الناس قالوا كده.
تنهد يوسف.

وده كان المطلوب… علشان أقدر أحافظ على الأمانة.
نظر جلال إلى الحقيبة.
أمانة إيه؟
وضع يوسف الحقيبة فوق الطاولة.
فتحها ببطء.
كان بداخلها صندوق خشبي صغير، ومجموعة مستندات، وميدالية فضية عليها نفس النجمة الخماسية الموجودة في يد إيلين.
قال يوسف
ليلة ما ليلى اخت.فت… سابتلي الحاجات دي، وقالت لو بنتي رجعت لعيلتها يومًا… سلمهم الأمانة بنفسك.
تناولت إيلين الميدالية.
كانت النجمة محفورًا على ظهرها تاريخ قديم.
وتحت التاريخ عبارة قصيرة
الحقيقة لا تمو.ت… حتى لو تأخرت.
ثم فتح يوسف أحد الملفات.

قال وهو ينظر إلى جلال
قبل أكثر من خمسة وعشرين سنة، ليلى ما كانتش شاهدة على جريمة واحدة…
كانت شاهدة على شبكة كاملة.
ولما الشرطة قبضت على فؤاد، الناس افتكروا إن القضية انتهت.
لكن الحقيقة…
إن فؤاد كان مجرد واجهة.
رفع جلال رأسه بسرعة.
يعني في حد أكبر منه؟
أومأ يوسف.
الشخص اللي كان بيمول كل حاجة اخت.فى قبل القبض على فؤاد بأيام… وما حدش عرف يوصل له.
وقبل أن يكمل…
سقطت من بين الأوراق صورة قديمة.
التقطتها إيلين.
تأملتها لثوانٍ…
ثم اتسعت عيناها.

في الصورة كان يقف جلال، وليلى، ويوسف…
وخلفهم رجل يبتسم للكاميرا.
أشار يوسف إلى الرجل وقال
ده…
هو العقل الحقيقي لكل اللي حصل.
سأل جلال بقلق
مين ده؟
رد يوسف بصوت منخفض
الشخص اللي الكل افتكر إنه مات من عشرين سنة…
لكنه لسه عايش.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف يوسف.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقها دون أن يرد.
قال بهدوء
عرف إننا فتحنا الحقيبة…
والظاهر…

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى