
شدّك نوير من إيدك بالراحة عشان تطلعي من الصندوق الكرتون الكبير، وحركتك كانت بطيئة ومترددة، ورجليكي المربوطة بفستان الأرنب اللطيف اتكعبلت في طرف العلبة، فبقيتي فجأة بين إيديه، على بعد سنتيمترات قريبة جداً من نفسِه الدافي. نظراته الباردة اللي بيك.سر بيها أعتى رجال الأعمال في مصر كانت مختفية تماماً، وحلّ محلها لمعة دافية وخبيثة، تخلّي قلبك يض.رب في ضلوعك زي الطبلة.
مسكِت في لياقة بدلتُه الرخامية السودا بإيديكي الاتنين، وعينيكي جت في عينيه، فراولة صغيورة كانت لسه بين صوابعك، ووشك كله بيغلّي من الكسوف.
”أونكل نوير… أنا… أنا بس كنت عايزة أعملك مفاجأة…” بصوت واطي ومقطّع نطقتي الكلمات، وأنتِ بتحاولي تتنفسي طبيعي.
نوير ابتسم ابتسامة شقية، ابتسامة ما شافهاش حد في البلد دي كلها غيرك، ونزل براسه شوية لحد ما بقى مستوى عينيه في مستوى عينيكي: “مفاجأة؟ دي أحلى وأجن المفاجآت اللي جتلي في حياتي يا سما. بس أنتِ عارفة إن الهدية لما بتوصل… صاحبها بياخدها ومابيرجعهاش تاني؟”
ضحكته الرنانة الهادية كانت مالية الأوضة، والأجواء المصرية الداشّة في القصر الكلاسيكي الفخم بتاع القاطمية كانت بتزود حلاوة اللحظة.
بره، صوت الهوا الخفيف بتاع ليالي القاهرة كان بيهز الستاير الستان، والأوضة ما كانش فيها غير نور سهاري دافي طالع من الأباجورة الخشبية المذهبة اللي في الزاوية.
هو لمس طرف ودن الأرنب القماش اللي على راسك بصباعه، وقال بأسلوب كله دلع وسخرية حب: “وبعدين بقى في الرجالة بتوعي؟ طالعين بمواضيع وشغالة معاهم يلبسوكي أرنب ويحطوكي في صندوق؟ حسابهم معايا بعدين… بس بصراحة، الفكرة عجباني أوي.”
أنتِ أخدتي نفس عميق وحاولتي تلمي شتات نفسك، وابتعدتي خطوة صغيرة ورا عشان تقفي على رجليكي مظبوط، بس هو ما سابش إيدك. بصيتي للأرض وقلتي:
“أصلهم قالولي… لما سألتهم أونكل نوير بيحب إيه… قالولي إنك… إنك يعني مش ناقصك حاجة غير…”
”غيرك أنتِ.” كمل نوير الجملة بصوت جاد وواطي، والصوت دا بالذات هو اللي بيخلي أكبر حيتان المعادي والتجمع يقفوا انتباه لما بيتكلم في الاجتماعات. بس المرة دي، كان الصوت مليان حنية مش منطقية.
قرب منك أكتر، ومسك خدك بإيده الكبيرة والدافية: “سما… أنتِ من يوم ما دخلتي حياتي وأنتِ الهدية الوحيدة اللي ربنا جابهالي عشان تطري القسوة اللي بشوفها كل يوم في السوق. أباكي عم أحمد هو أخلص راجل عندي، وأنتِ… أنتِ حتة من قلبي.”
أنتِ بلعتي ريقك وابتسمتي بكسوف:
“بس أنا بجد كنت محتارة أجيبلك إيه… يعني أنت عندك كل حاجة، ساعة أوميجا؟ عندك منها عشرة. عربية جديدة؟ الجراج مليان. فقلت… أسمع كلامهم وأعمل الجنان ده.”
نوير فك كرافتته السودا وإداكي إياها وهو بيضحك: “طب امسكي دي كده… وعايز أقولك، العروسة الأرنوبة دي بمليون ساعة وبمليون عربية. تعالِ نقعد، أنتِ أكيد تعبتِ قعدة الصندوق دي.”
أخدك من إيدك وقعدتوا على الكنبة الجلد العريضة اللي في نص الأوضة. مسك طبق الفراولة الصغير اللي كان جنبك، وأخد واحدة وحطها قدام بقك:
“كلي… ولا الأرانب بياكلوا جزرة بس؟”
ضحكتِ بصوت عالي، والضحكة دي بالذات كانت كفيلة تخلي نوير ينسى تعب يوم كامل من صفقات المليارات ومشاكل البورصة والهيئة العامة للاستثمار: “لا بياكلوا فراولة عادي يا أونكل!”
”أونكل…” كرر نوير الكلمة وهو بيهز راسه بقلة حيلة وابتسامة راقية: “ما فيش فايدة في كلمة أونكل دي؟ أنا حاسس إنك بتبكبريني عشر سنين فوق سني.”
”ما أنت أكبر مني بكتير يا أونكل نوير! وبعدين بابا دايماً يقولي نوير بيه دا ولي نعمنا وأستاذنا، فلازم أحترمك.”
نوير بصلك بنظرة غريبة، نظرة فيها عمق وغموض يخليكِ تتساءلي هو بيفكر في إيه بالظبط.
حط طبق الفراولة على الترابيزة الرخام، وقرب منك وسند إيده على ظهر الكنبة وراكي: “أبوكي راجل أصيل، وأنا بديله حقه وزيادة. بس بيني وبينك… بعيد عن الشركة والمكاتب والأرقام… أنتِ مش مجرد بنوته صاحبي أو أستاذي. أنتِ الوحيدة اللي لما بتطلبي حاجة، بلاقي نفسي بنفذها فوراً من غير ما أفكر.”
قلبك بدأ يدق بسرعة تاني. التوتر اللذيذ ده كان بيزيد كل ما الليل يليل أكتر.
”عارفة ليه كل ما بتطلبي لعبة، أو جزمة جديدة، أو شنطة عجباتك في مول، بتلاقيها تاني يوم الصبح قدام باب أوضتك؟” سألك وهو بيبص في عينيكي مباشرة.
هزيتي راسك بالنفي ببطء:
“كنت بفتكر إنك بتجيبهم عشان بتعطف عليا أو عشان بابا…”
”لأ.” قاطعك نوير بصوت قاطع وحاسم: “أنا ما بعطفش على حد، وما بجيبش هدايا لطلب حد غير لو كان الشخص ده يفرق معايا لدرجة ما تتوصفش. أنتِ بالنسبة لي… السكن. الهدوء اللي بلجأ له لما الدنيا كلها بتبقى صخب ودوشة.”
الكلمات كانت قوية وتقيلة، طالعة من راجل مش متعود يعبر عن مشاعره ولا يقول كلام حلو لستات. الستات في المجتمع الراقي كانوا بيتمنوا بس كلمة منه في أي حفلة أو اجتماع، وهو كان بيديهم ظهره بكل برود.
لكن قدامك أنتِ، الأرنوبة الصغنونة اللي قاعدة بالفستان المزين بشرائط، كان كل كبرياء نوير الجبالي بيدوب.
قام نوير وقف، وراحت عينيه ناحية المكتب العتيق اللي في طرف الأوضة. فتح الدرج السري وأخرج منه علبة قطيفة كحلي صغيرة. رجعلك وقعد جنبك تاني، وفتح العلبة قدام عينيكي.
جوة العلبة كان في سلسلة دهب أبيض، نازل منها دلاية على شكل أرنب صغير مرصع بفصوص ألماص بتلمع تحت نور الأباجورة.
”إيه ده؟” فتحتي بقك من الذهول، والعينين اتسعت من جمال السلسلة.
نوير مسك السلسلة وقال بنبرة دافية: “دي هدية عيد ميلادي… ليكي أنتِ.”
”ليا أنا؟!
بس ده عيد ميلادك أنت يا أونكل نوير! المفروض أنا اللي أهديك!”
”أنتِ أهديتيني أثمن حاجة… وجودك وضحكتك دي. والسلسلة دي اشتريتها من أسبوع لما شفتها في المعرض وفتكرتك فوراً. قلت الأرنوبة دي لازم تلبس أرنب زيها بس ألماص.”
قرب منك ولف السلسلة حولين رقبتك بالراحة، وصوابعه الدايرة لمست بشرتك الدايرة وخلت قشعريرة خفيفة تمشي في جسمك كله. قفل القفل بالراحة وانسحب لورا وهو بيبصلك بإعجاب شديد: “طالعة عليكي أجن مما تخيلت.”
لمستي الدلاية الألماص بإيديكي، وابتسمتي ابتسامة عريضة: “شكراً أوي يا أونكل… بجد تحفة!”
فجأة، رن تليفون نوير على الترابيزة.
كان صوت الرنة المخصص للمكالمات الطارئة بتاعة العمل. نوير بصل للتليفون بضيق، وأخد نفس طويل قبل ما يرفعه: “أيوة يا أحمد… في إيه؟”
كان الصوت طالع من السماعة، صوت باباكي أحمد، وهو بتتكلم بنبرة متوترة ومستعجلة: “يا نوير بيه… آسف جداً إني بكلمك في وقت متأخر كده وفي يوم عيد ميلادك… بس في مصيبة في الميناء! شحنة الأجهزة الحديدية اللي مستوردينها من ألمانيًا محجوزة في الجمرك وفي رجال أعمال منافسين بيحاولوا يوقفوا التخليص ويكسروا العقد!”
ملامح نوير اتحولت في ثانية! الابتسامة الشقية والحنية اللي كانت على وشه اختفت، ورجع نوير الجبالي، حوت السوق البرد الصلب.
وقام وقف بطوله وجسمه الرياضي المتناسق، وزرر قميصه وقال بصوت حاد وزي السيف: “مين اللي بيحاول يلعب في ملعبي يا أحمد؟”
”سامح المليجي يا بيه… استغل إنك مش فاضي النهاردة وبيحاول يضغط على الموظفين هناك.”
نوير ضحك ضحكة قصيرة وسافرة، ضحكة خوف أي حد يسمعها في السوق: “سامح المليجي؟ هو فاكر نفسه كبر خلاص؟ تمام يا أحمد… جهز العربية والورق كله، أنا نازل الميناء حالا.”
قفل نوير المكالمة وبصلك. أنتِ قمتي وقفتي بسرعة والخوف باين في عينيكي: “في إيه يا أونكل؟ بابا كويس؟”
نوير قرب منك وحط إيده على كتفك بثبات، ونبرته رجعت تهدى شوية عشان يطمنك:
“أبوكي كويس يا سما… دي شوية شغل كلاب في السوق فاكرين إنهم يقدروا يستغلوا غيابي. أنا هطلع أخلص الموضوع ده في ساعتين وأرجع.”
”هتمشي وتسبني؟” سألتي بصوت طفلي شوية فيه رجاء.
نوير بصلك بنظرة فيها شغف وشوق مش طبيعي، وقرب وشوشك وقال بصوت واطي جداً: “أنا مش عايز أمشي… بس لازم أوري الناس دي مقامهم عشان أرجعلك وأنا بالي رايق. أنتِ هتفضلي هنا في القصر، في الأوضة دي، ومش هتخلعي فستان الأرنب ده لحد ما أرجع… فاهمة؟”
ابتسمتي بكسوف وهزيتي راسك:
“حاضر… هستناك.”
نوير أخد معطفه الأسود الطويل ولبسه، وقبل ما يخرج من الباب، اتلفت وبصلك بابتسامة خ.بيثة: “ليلتنا لسه ما خلصتش يا سما… ألعابي يادوبك هتبدأ لما أرجع.”
خرج وقفل الباب وراه، وسابك واقفة في نص الأوضة الفخمة، قلبك بيمو.ت من الخوف والحماس في نفس الوقت، والسلسلة الألماص بتلمع على صدرك.




