السكون اللي خيّم على الجنينة كان أتقل من الحر. صرخة سمر الأخيرة وهي ماسكة بطنها وبتبص لأحمد صدمت الكل. الضيوف وقفوا مسمرين، كوبايات العصير في إيد العيال وقعت على السيراميك المبلول، وصوت الفحم في الشواية وهو بيلهب كان الصوت الوحيد اللي بيخترق الصمت ده. مريم كانت واقفة حاسة إن الهوا اتسحب من أفيز صدرها. عينيها بتبص لثلاثة: لبنتها فريدة اللي ماسكة في ذيل فستانها وخايفة، لأحمد جوزها اللي وشة بقى بلون الملاية البيضا، ولسمر اللي كانت بتعيط وهي ضاغطة بإيدها على جنبها مكان التاتو.
الحاج إبراهيم قرب بخطوات تقيلة، عكازه الخشب بيخبط على الأرض بصوت منتظم زي دقات ساعة المو.ت. — “سر إيه يا هانم؟ سر إيه اللي خبيتوه سنين؟ أنتِ بتقولي إيه يا سمر؟” أحمد حرك أيديه في الهوا برعشة، لسانه كان مشلول، بيحاول ينطق حروف مش طالعة: — “يا حاج إبراهيم.. يا مريم والله العظيم الفكرة مش كده.. استنوا بس!” مريم نزلت على ركبتها تاني، بس المرة دي مش عشان تهدّي فريدة. مسكت إيد بنتها الصغيرة وبصت في عينيها بنبرة صوت مفيهاش أي روح:
— “فريدة.. حبيبتي.. أنتِ شفتي الرسمة دي فين قبل كده؟” البت فريدة وهي بتشهق في العياط، شاوّرت بصابعها الصغير على سمر تاني: — “أنا شفت بابا بيمسك القلم وبيرسمها في الأوضة الكبيرة لما كُنا في اسكندرية.. وشفت طنط سمر بتعيط وبتقول له خايفة.. وبابا قالها محدش هيعرف!” الكلام نزل على مريم زي مية نار. اسكندرية؟ الصيف اللي فات لما أحمد قال إنه مسافر تبع شغل لمدة أسبوع، وفي نفس الأسبوع سمر اعتذرت عن جمعة العيلة وقالت إن عندها ظروف صحية في القاهرة!
مريم قامت وقفت بكل طولها. الضعف اللي كان جواه تحول لفولاذ صلب. قربت من سمر لحد ما بقت المسافة بينهم شبر واحد. — “أنتِ حامل من جوزي يا سمر؟” السؤال نزل زي الصاعقة. الحاج إبراهيم شهق، وصدره بدأ يعلى وينزل بنهجان مش طبيعي. مسك في كتف أحمد بكل قوته، وعينيه كانت هتطلع من مكانها: — “أنت عملت إيه يا واطي؟ أنت تخون بنتي مع مراتي؟!” سمر رفعت رأسها بدموع مغرقة وشها، ونفت براسها بسرعة جنونية:
— “لا! لا يا إبراهيم! لا يا مريم والله العظيم مش كده! مش حامل ومش خيانة بالمعنى اللي في دماغكم!” مريم زقتها في كتفها زقة خفيفة بس كانت كفيلة تخلي سمر تتراجع خطوة لورا: — “أومال إيه؟! التاتو اللي على جنبك ده إيه؟ نفس الرسمة! نفس الشمس الملتوية بسبع أشعة اللي أحمد بيرسمهالي في كل جواب! التفاصيل دي محدش يعرفها غيري أنا وهو! اشمعنى محفورة على جلدك أنتِ بالذات؟!” أحمد قرب من مريم وهو بيمسك إيدها بلهفة:
— “مريم أرجوكِ اسمعيني! التاتو ده مش رمز حب.. التاتو ده علامة كفارة! علامة ذنب أنا وهيا شايلينه من خمسطاشر سنة!” الكلمة قطعت شكوك جديدة في عقلي مريم. خمسطاشر سنة؟ دي نفس الفترة اللي اتجوز فيها الحاج إبراهيم سمر.. نفس السنة اللي ماتت فيها أم مريم! الحاج إبراهيم ساب كتف أحمد وقعد على أقرب كرسي وهو ماسك قلبه: — “ذنب إيه؟ اتكلم يا أحمد بدل ما أفرغ فيك طلقة من مسد..سي! اتكلموا كلكم!”
سمر قعدت على الرخام المبلول جنب البسين، مش قادرة تشيل جسمها. الروب الأبيض كان مرمي جنبها، ونقط المية نازلة من شعرها بتختلط بدموعها. — “أنا هقول كل حاجة يا إبراهيم.. مابقاش في العمر بقية عشان أخبي.. سرك يا أحمد هيتقال النهار ده، وسري أنا كمان.” أحمد غمض عينيه وجسمه كله بيترعش. كان شكل الراجل الشديد الوسيم اللي مريم اتجوزته بيتدمر في ثواني قدام عينيها. سمر بدأت تتكلم بصوت خافت، بس كل كلمة كانت بتطلع زي الخنجر:
— “من خمسطاشر سنة.. قبل ما أتجوّزك يا إبراهيم بسنة كاملة.. كنت شغالة ممرضة في المستشفى الكبيرة في الجيزة. في الليلة دي.. ليلة حا.دثة الست هدى الله يرحمها.. أمك يا مريم.” مريم حسيت بقشعريرة في جسمها كله: — “أمي؟ أمي ماتت في حا.دثة عربية على طريق السخنة!” سمر هزت راسها بالنفي وهي بتعيط بحرقة: — “أمك ماماتتش في الحا.دثة يا مريم.. أمك وصلت المستشفى عايشة.. كانت مصابة إصابات خطيرة، بس كانت تقدر تعيش لو دخلت العمليات فوراً.”
الحاج إبراهيم صرخ بصوت مجروح: — “أنتِ بتقولي إيه يا متخلفة؟! الدكاترة قالولي إنها ماتت قبل ما توصل!” سمر بصت لأحمد اللي كان واقف باصص للأرض ودموعه بتنزل على التيشيرت بتاعه: — “الدكاترة قالوا كده عشان النائب اللي كان ماسك النبطشية ليلتها.. النائب الشاب اللي كان لسة متخرج ومستقبله قدامه.. اتلخبط في جرعة المخدر المبدئية، وإداها جرعة زيادة وقفـت قلبها قبل ما تخش العمليات!” السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان سكوت المو.ت.
مريم بصت لأحمد بذهول مش مستوعبة: — “أحمد؟ أنت.. أنت كنت الدكتور النائب؟” سمر كملت بصوت بيترعش: — “أحمد هو اللي إدا الجرعة الغلط.. ولما قلب الست هدى وقف، أحمد أغمى عليه من الرعب. أنا كنت الممرضة اللي معاه في الاوضة. كان شاب صغير، بيترعش وبيمو.ت من الخوف، وقال لي مستقبلي هيروح، هيدخلوني السجن.. أنا أمه وأبوه ضحوا بكل حاجة عشان يبقوا دكتور! أنا أشفقت عليه يا مريم.. زورت التقرير الطبي بالاتفاق معاه، وكتبنا إنها وصلت متوفية بتهتك في الطحال من أثر الحا.دثة!”
مريم كانت حاسة إن الدنيا بتدور بيها. مسكت في حرف الترابيزة عشان متوقعش. — “يعني.. يعني أنت قتلت أمي؟” أحمد صرخ بوجع ونزل على ركبه قدام مريم: — “والله ما كان قصدي! والله كانت غلطة غير مقصودة، كنت سهران 48 ساعة متواصلة، التركيز راح مني! والله العظيم طوال الـ 15 سنة اللي فاتوا وأنا بعيش في جهنم!” مريم زقته برجليها وهي بتبكي بهستيريا: — “ما تلمسنيش! ما تقربليش! والـ تاتو؟ والتاتو ده إيه علاقتة بالمصيبة دي؟!”
سمر مسحت دموعها وكملت: — “بعد الحا.دثة بسنة.. الحاج إبراهيم جالي المستشفى بيشكرني عشان رعيت مراته في آخر لحظاتها. لما شافني، أُعجب بيا وطلب يتجوزني. أنا وافقت عشان كنت وحيدة ومحتاجة أمان.. بس الذنب كان بياكل في جسمي. أحمد لما عرف إني اتجوزت أبوكِ، اتجنن! كان خايف أضعف وأقول للحاج إبراهيم في أي لحظة صفاء.” سمر رفعت أطراف المايوه أكتر عشان التاتو يبان بوضوح:
— “الفنار ده.. أحمد هو اللي رسمه ودقّ ألوانه بإيده على جسمي من عشر سنين.. لما التقيت بيه بالصدفة بعد ما اتجوزك أنتِ يا مريم! لما عرف إنه اتجوز بنت الست اللي قتـلها.. حس إن ربنا بيعاقبه. دقّ التاتو ده على جسمي عشان يبص له كل ما يفكر ينسى.. الفنار رمز للمستشفى اللي جمعتنا، والموج هو الذنب اللي غرقنا فيه.. والشمس دي..” أحمد كمل بصوت مخنوق بالبكاء:
— “والشمس دي رسمتها بسع أشعة.. على عدد الساعات اللي قضيتها بحاول أنعش قلب أمك قبل ما نسلم الجث..ة.. كنت برسمها في كل حتة عشان افتكر إن إشراقة حياتي مبنية على جث..ة ست مظلومة!” الحاج إبراهيم قام من مكانه زي الأسدر الجريح. مسك الفحامة الحديد من الشواية وهجم على أحمد. الضيوف صرخوا والرجالة جيروا يمسكوا الحاج إبراهيم بالعافية وهو بيصرخ وبيدعي عليه: — “يا خاين! يا قاتل! دخلتك بيتي وجوزتك بنتي واستأمنتك على عرضي ومالي.. وأنت قاتل مراتي وساترت على الممرضة اللي زوّرت مو.تها؟!”
أحمد ما دافعش عن نفسه. كان واقف مستسلم، الدموع مالية وشة، ومستني الض.ربة تيجي منه. في وسط الزيطة دي كلها.. الصغيرين كانوا بيعيطوا، وفريدة كانت ماسكة في أمها بانهيار. مريم بصت لأحمد.. الراجل اللي حبته من كل قلبها، الراجل اللي كان سندها وأبو بنتها.. طلع هو الشخص اللي حرمها من أمها وهي لسة صبية.. طلع كل الجوابات والورق الرومنسي اللي كان بيسيبهولها بالشمس الصغيرة دي، مش رموز حب.. دي كانت رسائل تكفير عن ذنب متداري!
سمر قربت من مريم وهي بتنوح: — “سامحيني يا مريم.. أنا السبب إنك عشتي يتيمة.. أنا اللي سترت عليه!” مريم بصت لسمر بعيون ميتة، وقالت بصوت طالع من قاع بئر: — “أنتِ محرمة عليا وعلى أبايا من النهاردة.. وأنت يا أحمد..” أحمد بص لها برجاء:



