منوعات

سكه المو.ت

سكتة المو.ت اللي خيمت على القاعة كان ليها صوت، صوت تشويش الشاشات وهي بتعرض أرقام الحسابات السرية، والمستندات المسربة من ملاذات ضريبية خارج مصر، وكشوفات بالأسماء والشركات الفانتوم اللي عيلة الزيني زرعاها عشان تهرب شقا الناس وفلوس البنوك. الألوان في القاعة اتغيرت؛ ثريات الكريستال الضخمة بقت تعكس وشوش مظلمة ومصنوعة من الفزع. هانم بيه اللي كانت لسه من شوية بتضحك ضحكتها الرنانة المترتبة، إيدها اتجمدت وهي ماسكة المايك، وشفايفها المتغرقين بالروج الأحمر بقوا يترعشوا من غير ما تطلع كلمة واحدة.

يوسف مسك إيدي بحدة، عروق رقبة شبّت وفمه اتفتح بصدمة: — مريم! إيه القرف اللي مكتوب على الشاشات ده؟ أنتِ اتجننتِ؟ اقفلي المهازل دي حالاً! شديت إيدي من قبضته ببرود تام، وبصيتله من فوق لتحت، نظرة واحدة كانت كفاية تخليه يحس إن اللعبة انقلبت كلياً. — المهازل دي هي الحقيقة يا يوسف… الحقيقة اللي بقالكم سنين بتداروها تحت بدل الشياكة وسيارت الفارهة وفلل التجمع.

المعازيم -اللي كانوا من شوية بيضحكوا بهستيريا على أمي وعلى شغلها وصبرها- بدأوا يتهامسوا برعب. رجال أعمال كبار، وزراء سابقين، وسيدات مجتمع راقي، كل واحد فيهم بقى يبص للتاني وكأن القاعة بقت لغم وهينفجر فيهم. الفضايح اللي كانت بتتعرض على الشاشات ماكانتش تخص عيلة الزيني وبس، دي كانت طايلة أسماء ناس تانية كتير قعدة في وسط القاعة، أسماء كانت فاكرة إن فلوسها ونفوذها بيحموهم من أي مسائلة.

في اللحظة دي، الويترات الثلاثة اللي كانوا واقفين جنب الباب طلعوا الأجهزة اللاسلكية، وفتحوا جواكتهم عشان يبان الكارنيه الرسمي التابع لمباحث الأموال العامة والأجهزة السيادية. واحد منهم قرب من المايك الثاني على المسرح، وصوته الجهوري هز القاعة: — محدش يتحرك من مكانه! القاعة محاصرة بالكامل، وأي محاولة للخروج هتعتبر مقاومة للسلطات! الصراخ بدأ يعلى، الحريم بقوا يلموا حاجتهم بجنون، والرجالة الكبار بقوا يتصلوا بمحامينهم وإيديهم بتترعش، بس التغطية على الموبايلات كانت مقطوعة تماماً بفعل أجهزة التشويش اللي رجالتي زرعوها في القاعة من الصبح.

يوسف جاب آخره، مسكني من كتفي بغضب وهزني: — أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ حتة بت جربوعة من حارة في شبرا! فاكرة إن شوية الصور والأرقام دول هيهزوا عيلة الزيني؟ بابا بكلمة واحدة من تليفونه يمحيكي أنتِ وأمك من وش الأرض! ابتسمت، وهزيت رأسي بالراحة: — أبوك؟ قصدك الأستاذ توفيق الزيني؟ طب بص كدة على الشاشة اللي على يمينك…

توفيق الزيني، اللي كان قاعد في صدر القاعة حاطط رجل على رجل ومستمتع بإهانة أمي، كان وشه اصفر تماماً. الشاشة الكبيرة كانت بتعرض تسجيل صوتي وصورة حية من مكتبه في التجمع، وهو بيبصم على عقود بيع صورية وبيدفع رشاوي لمهندسين التنظيم عشان يمرروا أبراج سكنية مخالِفة آيلة للسقوط، بالإضافة لتسجيل صريح وهو بيكلم يوسف وبيقوله: *”الجوازة دي لازم تتم يا يوسف، بت الـ… دي أمها عندها عقارات ومحلات تسوى ستين مليون جنيه في سوق الحسين وشبرا، هنرهنهم ونسلك بيهم القرض اللي علينا، وبعد ست شهور ارميها هي وأمها في الشارع وطلقها.”*

الصوت خرج من السماعات الضخمة صافي وواضح، يتردد في أركان القاعة زي صدى اللعنة. أمي «رضوى» رفعت رأسها بالراحة. كانت لسه واقفة جنب الورقة بـ خمسمية جنيه اللي مرمية على الأرض. عينيها المدمعة التقت بعيني. الوجع اللي كان في وشها اختفى، وحل محله ذهول مخلوط بفخر مكتوم. هي ماكانتش عارفة أنا خططت لإيه، بس كانت عارفة إن بنتها المظلومة الصامتة ماكانتش بتخيط فستان الفرح… كانت بتخيط كفن العيلة دي. هانم بيه هجمت عليا وهي بتصرخ زي الممسوسة:

— يا زبالة! يا شحاتة! أنتِ جاية بيتنا عشان تخربي بيتنا؟ ده إحنا اللي نضفناكي! ده إحنا اللي لبسناكي ماس وذهب! قربت منها خطوة، وبصيت في عينيها بثبات: — الماس والذهب دول متبوعين بدم ناس غلابة اترموا في الشارع لما بنيتوا أوهامكم على جثثهم. إنتوا ما نضفتونيش يا هانم… إنتوا كنتوا عاوزين تتغذوا على شقا أمي اللي طلعت عينها عشان جنيها جنيها من الخياطة، عشان تغطوا قذارتكم ومستنقع ديونكم!

في اللحظة دي، الباب الرئيسي للقاعة اتفتح بالقوة. دخلت قوات المسلحة والأموال العامة، معاهم أوامر ضبط وإحضار رسمية من النيابة العامة. ضابط الشرطة برتبة عميد دخل بخطوات واثقة، ومعاه قوة مسلحة انتشرت في المكان. العميد قرب من توفيق الزيني ويوسف: — توفيق بيه الزيني… يوسف توفيق الزيني… عندكم أمر ضبط وإحضار بتهم التهرب الضريبي، غسيل الأموال، التزوير في أوراق رسمية، وتسهيل الاستيلاء على أموال الدولة، بالإضافة لتهمة النصب والاحتيال. يوسف رجع لورا بذهول، بص لأبوه اللي كان قاعد على الكرسي ومش قادر يقف، إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يمسك كوباية الماية اللي وقعت واتكسرت على الأرض.

— بابا! اتكلم! قولهم حاجة! اتصل بالوزير! اتصل بالمستشار! توفيق الزيني بص لابنه بصوت مكسور ومبحوح: — التليفونات… مفيش شبكة يا يوسف… والوزير نفسه محظور من السفر من الصبح… إحنا اتكشفنا… هانم بيه وقعت على الأرض بتصرخ وتخبط على السجادة الحمرا، نفاط الماس اللي في رقبتها كانت بتلمع تحت الإضاءة وكأنها بتسخر من نهايتها. الضباط قربوا، وبدأوا يكلبشوا يوسف وتوفيق قدام عيون كل معازيم الصفوة اللي كانوا بيصوروهم بتليفوناتهم دلوقتي، اللي كان من شوية بيضحك، بقى ينزل الفيديوهات على الميديا عشان يحمي نفسه ويبان إنه مالوش دعوة.

يوسف وهو بيتسحب في الكلبشات بصلي بعيون مليانة كره ورعب: — مش هسيبك يا مريم! والله ما هسيبك! هطلع وهوريكي! قربت منه، وبصيت للـ خمسمية جنيه اللي كانت لسه مرمية على الأرض، وطيت بكل هدوء، رفعتها من على السجادة، وحطيتها في جيب جاكيت يوسف وهو متكلبش: — خلي دي معاك يا يوسف… عشان تحجز بيها أول سرير في السجن، اعتبرها بؤشيش مني ليك ولعيلتك… أصل الخدمة هنا خلاويص!

الضباط سحبوهم برة القاعة وسط حالة من الذهول والهرج والمرج. المعازيم بدأوا يجروا ويخرجوا زي الفران اللي بتهرب من سفينة بتغرق. القاعة الفخمة اللي كانت من ساعة بس مليانة أبهة وفشخرة، بقت فاضية ومكركبة، الكاسات المكسورة، الورد المتنعكش، والشاشات اللي لسه بتعرض الأرقام المسربة. مشيت بخطوات ثابتة ناحية أمي. بفستاني الأبيض اللي كان تقيل عليا، بس دلوقتي حاسة إني طايرة. أمي بصتلي وعينيها مليانة دموع، مسكت إيدي الاثنين بإيديها المتشرحة من الإبر:

— يا بنتي… إيه اللي عملتيه ده؟ أنتِ دخلتي حرب مع حيتان… دول ممكن يؤذوكي! بست إيدها المليانة شقا وقسوة سنين، وقلت بصوت حنين بس مليان قوة: — الحرب دي كانت لازم تتقفل يا أمي. إنتِ شقيتي أربعين سنة عشان تربيني وتصرفي عليا، وماسمحش لأي حد، مهما كان معاه فلوس أو سلطة، إنه يوطي راسك أو يقلل من قيمتك. الفلوس دي فلوسك، والعز ده عزك إنتِ، مش عز شوية حرامية كانوا فاكرين إن الناس الغلابة ملهمش ظهر.

أمي حضنتني بكل قوتها، وبكت… بكاء سنين من القهر والتعب، بس المرة دي كانت دموع راحة. في اللحظة دي، دخل رجل أعمال أربعيني، بلبس أنيق ووقار هادي، ماكانش من معازيم عيلة الزيني، ده كان “آدم الألفي”، رئيس هيئة الرقابة على الاستثمار، والشخص اللي أنا اشتغلت معاه في السر على مدار ست شهور كاملة عشان نجمع الملف ده. آدم قرب مننا، وبص لأمي باحترام شديد، ووطى ركبته على الأرض وسلم عليها:

— يا حجة رضوى… بنتك مريم مش بس جابتلك حقك، بنتك أنقذت بلد كاملة من شبكة فساد كانت بتاكل في اقتصاد البلد بقالها عشر سنين. حقك ومجهودك وكل قرش عرقيتي فيه رجعلك، والمحلات بتاعتك اللي كانوا عاوزين يسرقوها بقت تحت حماية الدولة رسمياً. أمي بصتله بذهول وهي مش مصدقة، وآدم بصلي بابتسامة واثقة: — برافو يا مريم… الخطة مشيت بالمللي. بس للأسف… اللعبة لسه مخلصتش. قلبي اتنفض، وبصيتله باستغراب: — قصادك إيه يا آدم؟ إحنا قبضنا على توفيق ويوسف، وكل الحسابات اتجمدت!

آدم طلع تليفونه وفتح رسالة مشفرة لسه جايلة حالا، وبصلي بعيون جادة جداً: — توفيق ويوسف كانوا مجرد العرائس اللي بتتحرك بالخيوط يا مريم… الحوت الكبير اللي كان بيمولهم واللي مسجل باسمه نصف الحسابات السرية في سويسرا… لسه ما اتقبضش عليه. وللأسف… هو عاطف الزيني… أخو توفيق الكبير اللي كان مختفي بقاله خمس سنين وبيتقال إنه مات. قبل ما أستوعب الجملة، تليفوني في إيدي رن. رقم غير معروف، متسجل برقم دولي من برة مصر.

فتحت الخط ببرود، وجالي صوت راجل عجوز، بس حاد زي الموس، صوته كان جاف وبيطلع منه فحيح مرعب: — برافو يا مريم… حركتك كانت ذكية، ووقعتِ العيل يوسف وأبوه الغبي… بس لعبتك دي كشفتلي ورقك كله. فاكرة إنك خلصتي؟ أنتِ يلا بدأتي اللعبة الحقيقية معايا… افتحي الشباك اللي وراكي في القاعة وركزي كويس. جريت بسرعة ناحية الشباك الزجاجي الكبير اللي بيطل على جاردن الفندق والمربَد. وقفت، وبصيت لبرة…

لقيت عربية سودا مظللة واقفة في ضلمة الجاردن، والنور الواطي بتاعها بيطفى ويديد بالترتيب… وجنب العربية، كان فيه شخص واقف بلبس أسود، ماسك في إيده صندوق خشبي صغير متلف بحبل أحمر، وشاورلي بإيده بحركة وداع… الصوت في التليفون كمل ببرود يرعب: — الصندوق ده فيه الأوراق الأصلية اللي تثبت إن أمك مش بس صاحب المحلات دي… الصندوق ده فيه سر العيلة الحقيقي اللي أمك خبيته عنك طول عمرك يا مريم… سر لو اتعرف، مش بس عيلة الزيني اللي هتتدمر… أنتِ وأمك اللي هتدفعوا التمن. قدامك عشر دقايق تعبري الجاردن وتستلميه… أو الصندوق هيتحرق، والسر هيمو.ت معاه… ومعاه حق أمك للأبد!

خط الجر خط، والصوت اختفى… بصيت لأمي اللي كانت واقفة ورايا، وشها اتخ.طف أول ما شافت الصندوق في إيد الراجل من الشباك، وجسمها بدأ يترعش بدرجة أرعب من المرة الأولى… — أمي… السر ده إيه؟ إيه اللي العيلة دي تعرفه عننا وإنتِ مخبياه عليا؟ أمي حطت إيدها على قلبها، ووقعت على الكرسي وهي بتلهث وصوتها طالع بالعافية: — بلاش تروحي يا مريم… بلاش تفتحي الصندوق ده… لو فتحتيه… الجحيم الحقيقي هيبدأ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى