
**الجزء الثاني** غادرت حنان الجواهرجي وفي يدها أربعة أرباع من الأمل المشوب بالخوف. الأربعمائة ألف جنيه التي تسلمتها كاش في حقيبة جلدية سوداء لم تكن مجرد ورق نقد؛ كانت طوق نجاة انتشلها من قاع الغرق، لكنها في الوقت نفسه كانت حبلًا آخر يلتف حول عنقها دون أن تدري.
سارت في شوارع السيدة زينب والحقيبة ملتصقة بصدرها، تتلفت حولها كأنما تهرب من أشباح لا يراها أحد غيرها. رائحة البخور المتصاعدة من المحلات المجاورة لمسجد السيدة، وصوت مقرئ ينساب من مذياع قديم في مقهى الحارة، كله كان يبدو أليفًا وشديد القرب، لكن الخوف الذي زرعه سليم الباشا في قلبها جعل العالم يبدو غريبًا ومحاطًا بالظلال.
وصلت إلى مخبز “البركة”. فتحت القفل الحديدي الصدئ بدفعة من كتفها، ودخلت. كان المخبز يفوح برائحة العجين المخمر القديم ودخان الصاجات التالفة. أغلقت الباب خلفها بالسلسلة الثقيلة، وجلست على الدكة الخشبية القريبة من العجانة الكبيرة. أخرجت الأوراق من حقيبتها: عقد الشراكة المبدئي، والإنذار الأخير الصادر عن “شركة الباشا للنقل والخدمات”. وضعت العقدين جنبًا إلى جنب على الطاولة التي طالما شهدت عرق والدها وفرحة أمهما برغيف العيش الناجح. “سليم الباشا…” زمزمت شفتيها بالاسم الذي ظل كالجمرة تحت الرماد لمدار اثني عشر عامًا.
كيف يتحول ذلك الشاب الساكن في أطراف الحارة، الذي كان يرتدي قميصًا قطنيًا بسيطًا ويجلس على المقعد الرخامي ينتظر طرد الخبز الساخن، إلى غول استثماري يتحكم في أبراج المهندسين وشركات النقل العملاقة؟ ولماذا ظهر الآن تحديدًا؟ هل كانت مصادفة حقًا أن تلتقي به في ذلك المحل الشيك، أم أن قدر السيدة زينب كان ينسج خيوط مصيدة جديدة؟ في الوقت نفسه، في الطابق الخمسين من برج “الباشا” بالتجمع الخامس، كانت الأجواء مشحونة بصمت لا يبشر بالخير.
جلس سليم وراء مكتبه المصنوع من خشب الأبنوس الأسود، يقلب في أوراق قض..ية اختلاس دانيال—زوج حنان الراحل. إلى جواره وقف مراد، دراعه الأيمن ورجل المهمات القذرة، الذي قضى مع عائلة الباشا أكثر من عشرين عامًا. “يا باشا، الكلام ده ما يدخلش العقل,” قال مراد بصوت حاد وهو يضع كفيه على المكتب. “أربعة ملايين جنيه تخرج كاش من المحل؟ وعقد شراكة مع مخبز مديون في السيدة زينب؟ الحاج متولي لو عرف باللي بيحصل ده في غيابه، المشاكل مش هتخلص.”
لم يرفع سليم عينيه عن الأوراق. قال ببرود يجمّد الدماء: “الحاج متولي مسافر للعلاج في ألمانيا يا مراد. والشركة دي أنا اللي بديرها.” “بس الشركة مش بتاعتك لوحدك!” صاح مراد بجرأة لم يعتدها سليم. “دانيال ده ما كانش مجرد موظف حرامي سرق تمانية مليون ومات في حا.دثة طريق. دانيال كان بيسرب مستندات للشعباوية… الجماعة بتوع بورسعيد اللي عايزين يكسروا شوكتنا في المينا! والمخبز ده… مخبز زوجته… إحنا كنا حاطين عيننا عليه عشان السلسلة العقارية اللي كبار العيلة عايزين يشتروها في السيدة زينب! إنت كدة بتوقف شغل بمليارات عشان خاطر ذكريات قديمة؟”
وقف سليم فجأة. انقطعت أنفاس مراد وتراجع خطوة إلى الخلف. كان طول سليم وهيبته وزوغانه المعلن في عينيه كافيين لإسكات أكبر رجال العصابات في العاصمة. قام سليم ووقف أمام الشباك الزجاجي المطل على أضواء القاهرة الممتدة. “دانيال مات، والأسرار ماتت معاه,” قال سليم بنبرة قاطعة. “وحنان ما تعرفش حاجة عن شغل دانيال الشمال ولا تعرف عن مستندات المينا. لو حد قرب للمخبز ده، أو حاول يضغط على حنان بأي صورة… اعتبر نفسك بره العيلة يا مراد. وبره الحياة كلها.”
ابتلع مراد ريقه، لكن عينيه كانتا تشتعلان بغضب مكتوم. أومأ رأسه ببطء، ثم انسحب من الغرفة دون أن يضيف كلمة. كان سليم يعلم أن مراد لن يصمت، وأن رجال عائلة الباشا الكبار—وعلى رأسهم عمه “صابر الباشا”—لن يسمحوا بوجود ثغرة عاطفية في إمبراطورية بُنيت على الدم والتهديد. لكن سليم كان مستعدًا لدفع الثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو الإمبراطورية نفسها. في صباح اليوم التالي، أشرقت الشمس على حارة المخبز، لكنها لم تكن شمسًا عادية.
قامت حنان مبكرًا. دفعت مستحقات الديون المتأخرة للشركات الصغيرة، واستأجرت طاقمًا من العمال لتصليح أفران البيتزا والعيش البلدي، واشترت شحنة جديدة من الدقيق الممتاز. كانت حركة الحياة تعود إلى “مخبز البركة” شيئًا فشيئًا. جلس عم مسعد، الفرّان العجوز الذي أكل عمره في هذا المكان، على كرسي القش بجوار العجانة الجديدة وهو يبكي من الفرحة: “الله يرحم أبويكِ يا حنان يا بنتي.. المكان ده كان هيروح منا، والستر كان هيضيع.” ابتسمت حنان وهي تمسح الطاولة، لكن تلك الابتسامة لم تدم طويلاً.
توقفت سيارة سوداء ضخمة ذات زجاج مفيّم أمام باب المخبز الضيق. نزل منها رجل في الخمسينات من عمره، يرتدي جلبابًا بلديًا فاخرًا فوقه صدرية من الصوف الأسود، وفي يده خيزرانة مرصعة بالفضة. خلفه سار اثنان من الشبان العريضين الأكتاف. كان هذا صابر الباشا… عم سليم، واليد الثقيلة التي تدير الشق المظلم من أعمال العائلة. دخل صابر المخبز، واستنشق رائحة الدقيق بنوع من الاستهانة. نظر إلى حنان التي وقفت خلف المكسر بحذر.
“مساء الخير يا ست حنان,” قال صابر بصوت رخيم يشبه حفيف الأفاعي. “أهلاً وسهلاً.. تؤمر بأيه يا حاج؟” ردت حنان بثبات يحاول إخفاء الارتجاف في يديها. طرق صابر بخيزرانته على الأرضية الرخامية. “أنا مش جاي أشتري عيش. أنا جاي أشتري المخبز.. باللي فيه.. وباللي جواه.” ساد الصمت في المخبز. توقف عم مسعد عن تقليب العجين، ونظر العمال الجدد بوجل. قالت حنان بحدة: “المخبز مش للبيع يا حاج. المخبز ده شقا أبوي وأمي، وفيه شراكة جديدة اتعملت خلاص.”
ضحك صابر ضحكة مكتومة هزت كرشه. “شراكة؟ قصيدك الشراكة اللي عملها معاكِ ابن أخوي سليم؟ سليم ولد طيب.. وعاطفي زيادة عن اللزوم. فاكر إن القرشين اللي رمادهم لكِ هنا هيصلحوا اللي بوظه جوزك المرحوم.” تقطب جبين حنان، واقتربت خطوة. “جوزي؟ دانيال؟ ماله دانيال؟ دانيال مات في حا.دثة!” اقترب صابر، وانحنى فوق الطاولة حتى أصبحت وجهه على بعد سنتيمترات من وجهها. “دانيال ما ماتش في حا.دثة قضاء وقدر يا شاطرة. دانيال اتق.تل.. عشان سرق ورق يودي الكبار في داهية. والورق ده… إحنا متأكدين إنه مستخبي هنا.. في المخبز ده.. أو في بيتك.”
شحبت جث..ة حنان. تراجعت إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بالفرن الساخن. “إنت.. إنت بتقول إيه؟ دانيال سرق؟ دانيال اتق.تل؟” “سليم دارى عليكِ عشان بيحبك من زمان,” واصل صابر بنبرة ملؤها السم. “سليم استخدم فلوس الشركة عشان يسكتك ويحميكِ، بس إحنا مش هنسكت. قدامك 24 ساعة يا حنان.. تسلمينا الأوراق والأفلاشة اللي سابها دانيال، وتتنازلي عن المخبز لسلسلة محلاتنا… يا إما الشراكة دي هتتحول لدم.. وسليم ابن أخوي أول واحد هيدفع الثمن!”
استدار صابر وخرج بخطوات هادئة، متكئًا على عصاه، يتبعه حارساه، تاركين حنان تترنح في مكانها كأن صاعقة ضربت كيانها. تسارعت الأحداث كالنار في الهشيم. لم تتصل حنان بسليم. بدأت تفهم اللعبة. دانيال—الرجل الذي عاشت معه أربع سنوات وظنته طاهرًا مظلومًا—كان خائنًا أو متورطًا في لعبة أكبر منه. وسليم—الحب القديم الذي ظنته خائنا لعهده—كان يحاول إنقاذها من براثن عيلته المفترسة. ذهبت حنان إلى بيتها القديم في الحارة. صعدت إلى الشقة المغبرة التي لم تطأها قدمها منذ وفاة دانيال. بدأت تقلب في أغراضه: كتبه، أوراقه الخاصة، وساعاته العتيقة.
تذكرت ليلة الحا.دثة. كان دانيال متوترًا، يحمل حقيبة صغيرة لم يدخل بها البيت قط، وقال لها يومها: “لو جرى لي حاجة يا حنان، الكنز مش في البنك.. الكنز في بلاطة السقف اللي فوق العجانة القديمة.” يومها ظنته يمزح أو ينطق بالهذيان من كثرة الإرهاق. هرولت حنان عائدة إلى المخبز. كان الليل قد ألقى بسدوله، والشوارع خلت من المارة إلا من أنوار المقهى البعيد. أغلقت باب المخبز بالكامل. أحضرت سلمًا خشبيًا، وصعدت فوق العجانة القديمة التي لم تعد تعمل منذ سنوات.
رفعت يدهًا إلى السقف المستعار المكون من بلاطات الجبس الأبيض. أزاحت إحدى البلاطات بحذر. وصلت يدها إلى شيء صلب ملفوف في قماش أسود ومربوط بطلاء لاصق. سحبته. كان صندوقًا معدنيًا صغيرًا. فتحته بأصابع ترتعش. وجد داخل الصندوق: 1. وحدة ذاكرة (USB) سوداء. 2. دفتر مذكرات صغير بخط يد دانيال. 3. صور تجمع صابر الباشا مع قيادات من عصابات الموانئ الكبرى، ووثائق تثبت عمليات تهريب سلا..ح وبضائع غير مشروعة عبر شركات الباشا.
4. رسالة قصيرة موجهة لحنان: *”حنان.. لو تقري الكلام ده، يبقى أنا مت. أنا غلطت لما اشتغلت مع عيلة الباشا، ولما حاولت أسرقهم عشان أمن مستقبلك. بس اكتشفت إنهم شياطين. سليم الباشا هو الوحيد اللي نضيف في العيلة دي، بس هو محبوس في جحيمهم. الورق ده هو مشنقتهم.. أو حريتك.”* سقطت الدموع من عيني حنان. أدركت حجم المأساة. دانيال لم يكن بطلاً، ولا كان مجرد ضحية.. كان رجلاً سقط في الهاوية وحاول أن يجرها معه، بينما كان سليم يدفع ثمن خطايا الجميع.
وفجأة! تحطم الزجاج الأمامي للمخبز بصوت مدوٍ! تطاير الزجاج في كل مكان. قفز ثلاثة رجال ملثمين من الفتحة، يحملون أسلحة بيضاء ومواد قابلة للاشتعال. صرخت حنان وهي تتراجع إلى الخلف ضاغطة الصندوق إلى صدرها. “هاتي اللي في إيدك يا شاطرة!” صاح أحدهم وهو يتقدم نحوها شاهراً خن.جراً طويلاً. وقبل أن يخطو الخطوة الثانية، انفتح الباب الصاج بقوة مر.عبة!



