
دخل سليم! لم يكن يرتدي بدلة رجال الأعمال الفاخرة هذه المرة، بل كان يرتدي قمصانًا أسود وشمر عن ساعديه، وعيناه تقطران بشرر غير بشري. “سليم!” صرخت حنان. لم يتكلم سليم. هجم على المهاجم الأول كالنمر المفترس. انتزع الخن.جر من يده بض.ربة خا.طفة، ثم وجه له كدمة قوية في فكه أطارت به أرضًا. الرّجل الثاني حاول إشعال زجاجة المولوتاف، لكن سليم رد.م عليه بكرسي خشب ثقيل حطمه على رأسه. الرجل الثالث سحب طبن.جة من جنبه ووجهها نحو سليم!
“سليم حاسب!” صاحت حنان. اندفعت حنان بدون تفكير، ورست بعجانة صغيرة متحركة نحو الرجل، مما أخل بتوازنه. انطلقت الرصا.صة في الهواء لترتطم بسقف المخبز وتف.جر حزمة من الجبس! استغل سليم الفرصة، وانقض على الرجل الأخير، مستحوذًا على السلا..ح، وض.ربه بمقبضه على رأسه حتى فقد الوعي تمامًا. وقف سليم يتنفس بسرعة، والد.ماء تسيل من جرح صغير في جبهته. نظر إلى حنان التي كانت تقف بين الركام، تتنفس بصعوبة والصندوق المعدني بين يديها.
اقترب منها بخطوات ثقيلة. “إنتِ كويسة؟” سأل بصوت خفيض ملؤه الخوف عليها. هزت رأسها بالرفض وهي تبكي. “ليه يا سليم؟ ليه ما قلتليش؟ ليه شلت كل ده لوحدك؟” نظر سليم إلى الصندوق في يدها، ثم أغمض عينيه بألم. “عشان كنت عايز أحميكِ.. حتى من أفعال جوزك. كنت عايزك تفضلي شايفاني الشخص اللي سابك زمان عشان ظروفه، مش ابن المافيا اللي أهله ق.تلوا جوزك.” مسحت حنان د.موعها بظهر يدها، واقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرة. أخرجت وحدة الذاكرة والصور من الصندوق.
“الكلام ده ينهي عيلة الباشا يا سليم.. ينهي صابر وكل الشياطين دول. بس ده معناه إن شركتك إنت كمان هتت.د.مر.. وإنت ممكن تروح في الرجلين.” ابتسم سليم ابتسامة حزينة، ولمس خدها بأطراف أصابعه الملو.ثة بالغبار: “أنا الإمبراطورية دي ما تهمنيش في حاجة يا حنان. أنا خسرت الحقيقة الوحيدة اللي كانت عندي لما سبتك من اثنا عشر سنة. لو الإمبراطورية دي هتتحر.ق عشان تخرجي إنتِ سالمة… يبقى تو.لع.” وفجأة، سمعا صوت سرينة سيارات الشرطة تق.تحم الحارة من بعيد، مصحوبة بأصوات صراخ وركض.
نظر سليم نحو الشارع، ثم نظر إلى حنان. “صابر بره,” قال سليم بسرعة. “هو اللي بلغ الشرطة وقال إن المخبز فيه أسلحة ومواد مخد.رة عشان يلبسك القضايا ويخلص منك ومني في نفس الوقت.” “طب نعمل إيه؟” سألت حنان بفرق. أخذ سليم وحدة الذاكرة والصور من يدها، ووضعها في جيب قميصه الداخلي. ثم أخرج هاتفًا محمولاً صغيرًا، وضغط على زر الاتصال السرّي للنائب العام الذي كان يحتفظ بملف عائلة الباشا منذ سنوات وينتظر الدليل القاطع.
“يا فندم.. الوثائق كاملة معايا. تسليم الموانئ، شحنات بورسعيد، وق.تل دانيال Robles. أنا جاهز أقدم نفسي وأقدم العيلة كلها.” أغلق سليم الهاتف، ونظر إلى حنان بثبات غريب. “إنتِ مش هتروحي مع المخبز يا حنان. ولا هتروحي السجن.” “وإنت يا سليم؟” “أنا لازم أدفع ثمن السنين اللي سيبتك فيها.. ولازم أنضّف اسمي وأخلص من الدم ده للأبد.” احتمى الاثنان خلف السور الصاج الداخلي بينما بدأت قوات الشرطة بالانتشار في الشارع الفاصل، وحاصر رجال صابر الباشا المخبز من الخلف في محاولة أخيرة لتصفية الحسابات قبل أن تسيطر الدولة على الموقف.
انطلقت الأعيرة النارية في الهواء، واختلط صوت سرينات الشرطة بصرخات أهل الحارة الذين خرجوا لحماية بنت منطقتهم. أ مسك سليم بيدي حنان بقوة، ونظر في عينيها لأخر مرة بصفاء لم تره فيه منذ اثني عشر عامًا. “المخبز ده هيفضل مفتوح يا حنان.. والعيش هيتخبز كل يوم. واوعديني.. لما أرجع.. هتديني قرص بالسكر من غير ما أدفع حقها.” دمعت عيناها وهي تبتسم وسط الخوف: “مستنياك يا سليم.. بس أوعى تتأخر تاني.”
وفجأة، تحشّمت أبواب المخبز الخلفية، ودخل سليم في المواجهة الأخيرة والفاصلة مع صابر ورجاله، مظهراً الوثائق للشرطة التي اقتحمت المكان في نفس اللحظة! تضاربت الأجساد، وسقط صابر الباشا مكبلاً بالأغلال، بينما كان سليم يقدم نفسه للنيابة بكامل إرادته، متخرفًا عن كل ثروته وإمبراطوريته مقابل كلمة واحدة: **الحرية.** بعد ستة أشهر… في حارة السيدة زينب، كانت رائحة المخبز الفواحة تملأ الشارع من جديد. اليافطة الجديدة كُتب عليها بخط عربي جميل: **”مخبز البركة – حنان وسليم”**.
كانت حنان تقف خلف الطاولة، ترتدي مريولاً أبيضًا نظيفًا، وتوزع الخبز الساخن على أهل الحارة الذين وقفوا في صفوف منتظمة. توقفت سيارة تاكسي بسيطة في أول الحارة. نزل منها رجل يرتدي قميصًا أزرق وبنطالاً بسيطًا. لم يكن يحمل حراسة، ولا يرتدي ساعات فاخرة. كان وجهه يحمل بعض الندوب الصغار، لكن عينيه كانتا أصفى من أي وقت مضى بعد أن انقضت فترة عقوبته المخففة نتيجة تقدمه بالأدلة وتفكيكه لأكبر شبكة فساد في البلاد.
سار بخطوات هادئة نحو المخبز. رفعت حنان عينيك، فالتقت نظرتاهما. توقفت أيدي العمال، وساد الصمت بين الزبائن. ابتسم سليم، واقترب من الطاولة، ومد يده البسيطة. “عندكم قرص بسكر سخنة يا ست الكل؟” ابتدمت حنان، والدموع تترقرق في عينيها بالفرحة، وأخرجت له قرصًا طازجة كانت تحتفظ بها في الصاج العلوي. “موجود يا باشا.. بس دي مش للبيع.” “أمال بكام؟” “بأنك ما تمشيش تاني أبدًا.”
أخذ سليم القرص، وأمسك بيدها أمام الجميع، بينما كانت الحارة تضج بالتكبير والزغاريد. لكن، وفي أقصى الشارع، تحت ظلال شجرة العرعر القديمة، كانت هناك سيارة سوداء زجاجها مفيّم تتوقف في الصمت… ونزل منها رجل يحمل هاتفًا، ويلتقط صورة لسليم وحنان، ثم يهمس في الميكروفون: *”يا حاج متولي… الولد طلع من السجن، وفتح المخبز مع البنت… نبتدئ الخطّة ب؟”*




