منوعات

ياليتني

وقعت إستبرق على الأرض أول ما الباب اتقفل ورا رحمة.
كأن رجليها قرروا يسيبوها في اللحظة اللي الحقيقة اتعرّت فيها قدّامها بالشكل ده.
قعدت على الأرض، ضهرها مسنود على الكنبة، إيديها بترتعش، ونَفَسها مش مظبوط.
مش بتعيّط بصوت
لا.
ده العياط اللي بيطلع من جوّه، اللي يخنق الصدر ويكسر الضلوع من غير دموع في الأول.
أنا ليه؟
ليه دايمًا اللي أعتبرهم أهلي
يطلعوا أكتر ناس قادرين يوجعوني؟
ليه دايمًا القريب هو اللي يكسّرني؟
الأسئلة كانت بتلف في دماغها زي الدوّامة، ومفيش ولا إجابة واحدة.
فتحت في العياط بقى.

عياط مكتوم، متكسر، مالوش صوت بس له ۏجع.
حضنت نفسها، كأنها بتحاول تعوض حضڼ اتسحب منها فجأة.
وفي اللحظة دي
باب الشقة اتفتح.
أبوها دخل، ولسه هيقول السلام عليكم،
الكلمة اتبلعت في حلقه أول ما شافها.
إستبرق
بنته اللي عمره ما شافها ضعيفة بالشكل ده،
مرمية على الأرض، وشها أحمر، عينيها مورّمة، ونَفَسها مش مظبوط.
قرب منها بسرعة
إستبرق! مالك يا بنتي؟ في إيه؟
ما ردتش
بس أول ما سمعت صوته، اڼهارت أكتر.
قامت من مكانها ورمت نفسها في حضنه زي الطفلة.
ليه يا بابا؟

ليه كده؟
ليه دايمًا بتخزل؟
ليه أقرب الناس ليا هم اللي بيكسروني؟
أنا تعبت والله تعبت.
شدّها لحضنه أكتر، ومسّد على شعرها
اهدي يا روحي اهدي واحكي.
وحكت.
حكت كل حاجة.
من أول حبها، لحد خېانة رحمة، لكلامها السام، لټهديدها وهي طالعة من البيت.
أبوها كان ساكت
ساكت بس عينه بتشد، وقلبه بيتقطع، بس ثابت.
لما خلصت كلامها، رفع وشها بإيده وقال بهدوء تقيل
بصي يا بنتي
مفيش حاجة اسمها ليه.

اللي بيحصل ده نصيب من عند ربنا،
وربنا عمره ما بيكسّر حد غير عشان ينقذه من كسر أكبر.
إنتِ مش ضعيفة
إنتِ طيبة، والطيبة في الزمن ده ابتلاء مش عيب.
مسح دموعها بإبهامه
والخير اللي ربنا بيشيله عنك أحيانًا
بيكون شكله وحش في الأول،
بس بعدين بتفهمي إن ربنا كان بيحميكي.
وبعد ثواني صمت، بص لها بنص ابتسامة وهو بيغيّر الجو
وبالمناسبة بقى يا قرد
إنتِ ما قولتيليش
إنتِ تعرفي زين منين أصلًا؟

ابتسمت ڠصب عنها وسط دموعها، ومسحت وشها بإيديها
من وأنا في أولى ثانوي
كنت بشوفه دايمًا وأنا رايحة الدرس.
مرة على مرة
لقيت عيني بتروح له لوحدها،
أركز معاه أكتر من نفسي.
وبعدين فجأة
لقيت نفسي بحبه.
سكتت شوية، وبصّت في الأرض، وقالت بصوت واطي
بس تعرف يا بابا
أنا حاسّة إن الموضوع دلوقتي اتلخبط جوايا.
مش عارفة ده كان حب بجد
ولا إعجاب
ولا يمكن صورة كنت رسماها في دماغي.
أنا مشوشة قوي.
شدّها لحضنه تاني، وقال بثبات
وده طبيعي يا إستبرق.

القلب لما يتوجع
بيحتاج وقت يفهم هو كان بيحب إيه، ومين.
وسيبيها على ربنا
هو الوحيد اللي بيعرف يرتّب القلوب المکسورة.
فضلت في حضنه
ولأول مرة من فترة طويلة،
حسّت إنها مش لوحدها.
الأيام ابتدت تعدّي
مش بسرعة، ولا بسهولة،
كانت بتعدّي تقيلة، واحدة واحدة، كأن كل يوم جاي يعلّم في قلب إستبرق علامة جديدة.
استبرق ما بقتش البنت اللي بتصحى مستنية مكالمة من رحمة،
ولا اللي بتعد الساعات عشان تشوف زين صدفة.
قصّت الخيوط واحدة واحدة
مش بقسۏة،
بۏجع هادي،
بۏجع اللي بيضطر ينقذ نفسه.

وقررت أخيرًا تعمل الحاجة اللي كانت مأجّلاها من زمان
تشيل رحمة من دماغها.
مش تمسحها،
ولا تكرهها،
ولا حتى ټلعن اليوم اللي عرفتها فيه.
لا
تشيلها.
تحطها في ركن بعيد كده جوا الذاكرة،
الركن اللي بنحط فيه الحاجات اللي وجعتنا
بس خلصت مهمتها.
فهمت حاجة متأخرة شوية
إن أسوأ حاجة ممكن يعملها الإنسان في نفسه
إنه يفضل عايش رد فعل لۏجع قديم.
تفضل تصحى كل يوم
تفتكر اللي اتقال،
واللي اتعمل،
واللي كان ممكن يحصل وما حصلش.
وهي خلاص تعبت.

تعبت من دور الضحېة،
ومن إنها كل مرة تقعد تحاسب نفسها
أنا غلطت في إيه؟
قصّرت في إيه؟
استاهلت ده ليه؟
واكتشفت إن مش كل ۏجع ليه إجابة.
ومش كل خذلان ليه سبب منطقي.
في ناس بتكسر غيرها لمجرد إنها تقدر.
وساعتها بس
إستبرق قررت تختار نفسها.
تعيش لنفسها.
مش علشان تبان قوية قدّام حد.
ولا علشان تغيظ حد.
ولا علشان تثبت إنهم خسروا.
لكن علشان هي تعبت بجد.

بقت تقوم الصبح
تعمل قهوتها بهدوء،
تضحك على حاجات بسيطة،
تخرج من غير ما تبص وراها تشوف مين هيشوفها.
بقت تفهم إن السلام الداخلي
مش معناه إن الۏجع اختفى،
معناه إنك بطلت تسيبه يمسك الدركسيون.
وإن أحسن حاجة ممكن يعملها أي بني آدم لنفسه
إنه يفصل نفسه
عن أي حد كان سبب في كسره
حتى لو كان أقرب الناس.
مش كل حد كان في حياتك
ينفع يكمل فيها.
وفي وسط كل ده
يعقوب.
الغريب القريب.
الحاضر من غير ما يفرض نفسه.

اللي بيظهر فجأة
كأنه جاي يقول لسه في حاجات حلوة.
ما كانتش بتحاول تفهم هو إيه.
ولا ليه دايمًا موجود.
ولا إذا كان قدر ولا صدفة بتتكرر بزيادة.
بس كانت ملاحظة حاجة واحدة بس
إنها في وجوده
مش محتاجة تمثل.
ولا تدافع عن نفسها.
ولا تشرح ۏجعها.
كانت بتضحك.
ضحك حقيقي.
من غير ما تحس بالذنب.
ولما سمعت الخبر اللي نزل عليها زي الصاعقة
إن زين ساب رحمة
وقفت مشوشة.
مش فرحانة.
مش زعلانة.
مش شمتانة.

حاسّة إن صفحة قديمة اتقفلت
من غير ما تستأذنها.
وساعتها فهمت
إن ربنا لما بيشيل حد من حياتك
مش دايمًا علشان يعوضك بحد.
أحيانًا
علشان يسيبك لنفسك شوية
تتعافى.
وإستبرق
كانت أخيرًا
بتتعافى.
ابتدت حياة جديدة.
دويرة أوسع،
ناس شبهها،
ضحكة راجعة واحدة واحدة،
قلب لسه موجوع بس واقف.
بعيدة عن رحمة.
بعيدة عن زين.
لكن الغريب؟
مش بعيدة عن يعقوب.
يعقوب كان في كل حتة.
في الكافيه.
في الشارع.
في التجمعات.

في الصدف اللي زيادة عن اللزوم.
مش عارفة ده قدَر؟
ولا هو اللي كان بيطلع لها في كل طريق؟
ولا ربنا بيعوّضها بطريقة هي لسه مش فاهمها؟
بس اللي كانت متأكدة منه
إن وجوده مش بيقلقها.
مش بيوجعها.
مش بيفكّرها بحاجة وحشة.
بالعكس
كانت بتلاحظ إنها بتفرح أكتر وهو موجود.
إن ضحكتها معاه مش متكلفة.
إن الكلام بيطلع من غير تفكير.
إن قلبها مش متشد، مش متخوف.
ومع كل مرة كانت تحاول تقنع نفسها إن ده عادي،
كان قلبها يبتسم ويكذبها.

لحد اليوم اللي الخبر فيه نزل عليها
زي جردل ماية صاعقة في عز الشتا، كانت الصدمة بالنسبة ليها؟
زين ساب رحمة.
الخبر نزل عليها فجأة
من غير تمهيد، من غير تحضير.
الجملة بسيطة
بس وقعها كان تقيل قوي.
من غير استعداد.
كانت حاسة إن في حاجة ناقصة في القصة.
حاجة مش راكبة.
زين مش النوع اللي يمشي فجأة كده
ورحمة؟
هي أكتر واحدة كانت متمسكة بالموضوع.
وقفت مكانها.
لا عرفت تفرح.
ولا عرفت تزعل.
ولا حتى تعرف هي حسه بإيه.

كانت مشاعرها متلخبطة بشكل مرعب.
شماتة؟
يمكن
جزء صغير أوي، ڠصب عنها.
راحة؟
ممكن
راحة إن اللي ۏجعها ما كملش.
زعل؟
أيوه
زعل على عشرة سنين صحوبية راحت في ثانية.
اشتياق؟
لا.
أبدًا.
وقفت تسأل نفسها
أنا حاسة بإيه؟
ليه مش فرحانة؟
ليه مش زعلانة؟
ليه قلبي ساكت؟
يمكن لأنها أخيرًا فهمت.
إن اللي راح
راح من زمان.
وإن اللي فضل في قلبها دلوقتي
مش زين،
ولا رحمة،
ولا الۏجع القديم.
اللي فضل
كانت هي.

إستبرق.
البنت اللي وقعت،
قامت،
ونفضت التراب عن قلبها.
بس القدر
ما كانش خلّص كلامه لسه.
إستبرق قعدت مكانها، عقلها واقف، وقلبها بيخبط.
مش عارفة تحس بإيه.
ولا تفهم نفسها.
كتر التفكير ۏجع دماغها.
قامت من مكانها، دخلت أوضتها، لبست بسرعة، واستأذنت باباها.
رايحة أتمشى شوية يا بابا.
روحي يا حبيبتي غيري جو.
وقفت على الكورنيش
مكانها المفضل.
المكان الوحيد اللي كانت بتحس فيه إن صدرها بيوسع شوية.
الهوا خبط في وشها.
الميه قدامها ماشية
وهي واقفة.

وفجأة
سمعت صوت من وراها
إزيك يا آنسة إستبرق؟
لفّت ببطء.
زين.
واقف قدّامها.
نفس الملامح.
نفس الهدوء.
بس في عينه حاجة مختلفة تعب؟ شرود؟
بلعت ريقها وقالت بهدوء مصطنع
الحمد لله إزي حضرتك يا أستاذ زين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة
تمام.
وبعدين كمل، وهو بيراقب وشها
كنتِ مختفية فين الفترة اللي فاتت؟
مش بشوفك مع رحمة زي الأول.
إستبرق اتلخبطت.
إيديها اتشبكت في بعض.
وعينيها هربت للأرض.
ما ردتش.

لاحظ توترها، فمال بجسمه سنة وقال بنبرة أهدى
على فكرة بدل التوتر ده كله،
كان ممكن تقولي إنكم مش بتكلموا بعض.
رفعت عينيها فجأة
إنت عرفت منين؟
بص قدّامه، وكأنّه بيختار كلماته
موضوع طويل قوي.
بس
اللي بين الناس بيبان، حتى لو اتدارى.
سكتوا شوية.
الهوا بس اللي بيتكلم.
قطعت الصمت بصوت واطي
سمعت إنك سبت رحمة؟
زين سكت ثانيتين، وبعدين هزّ راسه بهدوء غريب
أيوه.
السؤال جه بعدها تلقائي، من غير تفكير
ليه؟

ضحكة قصيرة خرجت منه، ضحكة مافيهاش فرحة، فيها تعب أكتر من أي حاجة
السبب ده مرتبط باللي قبله
وسكت لحظة.
لو عندك وقت، ممكن أحكيلك.
اترددت، بس قالت
احكي.
اتنهد، وبص قدّامه للمية، وكأنه بيشوف شريط ذكريات مش حابب يرجع له
في يوم كده، وإحنا برّه، مسكت تليفونها عادي من غير قصد.
لقيتها بتكلم صاحبتها وبتقول أخيرًا كسرت إستبرق ودلوقتي دور إني آخد فلوس زين.
قلب إستبرق دقّ دقة غريبة، مش ۏجع، مش راحة، حاجة في النص.
كمّل وهو يهز راسه
استغربت. قلت يمكن بتهزر. يمكن هزار بنات.

كبرت دماغي وقلت أكيد أنا فاهم غلط.
سكت شوية وبعدين قال
بس بعد كده لاحظت إنك بعدتي عنها.
سألتها في مرة، لقيتها بتتكلم عنك بطريقة مش حلوة خالص.
بتقول إحنا عمرنا ما كنا صحاب، دي كانت دايمًا بتنافسني.
زين ضحك بسخرية
قلتلها طب ما ينفعش تتكلمي عن صاحبتك كده.
ردّت عليّا وقالت

انت في الصفحة 5 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى