منوعات

روايه انت عمرى 1

– أنا وصلت البنت لحد البيت وتأكدت إنها طلعت، وأنا ماشي شُفتها نازلة تجري وبتتداري خلف البيت، ونزل بعدها تلات رجال، وقفوا تحت البيت، شكلهم ما شافوهاش وبيستنّوها… أتاه صوت سيده الحازم: – طيب، هاتها الفيلا. توتر خالد من مجادلة سيده، لكنه مضطر: – بس يا باشا… البنت شكلها مش سهل توافق إنها تمشي معايا. أتاه صوت أدهم بالأمر: – اتصرف… أهم حاجة ماحدش يقدر يلمسها!! نزل خالد، والتف حول المنزل، سمعها وهي تحدث نفسها:

– يظهر إن هبات النهارده في الشارع؟! انتفضت بفزع من صوته الرجولي خلفها، وهو يردف: – وأنا مرضاش أسيبك في الشارع!! شهقت عشق بفزع: – إنت مين؟! – أنا خالد، اللي كنت مع الباشا… هو طلب مني آخدك على الفيلا عنده. رفعت حاجبها باستهجان وهي ما زالت تحدث نفسها بغلب: – أعمل إيه يا رب؟! أخلص من عفريت، يطلعلي جني… ضحك على عبسها الطفولي وقال: – متخافيش… الباشا بتاعنا محترم، وما بيعملش حاجة تغضب ربنا!!

نظرت له كأنها تريد التأكد من صدق كلماته، عندما تحدثت: – لما هو محترم، إزاي يقبل يدخل بيته واحدة غريبة وهو عايش لوحده؟! – الباشا مش عايش لوحده… معاه والدته. عشق بسعادة: – بجد؟! طب احلف كده!! ابتسم لها مطمئنًا: – والله… تحدثت ببراءة: – أنا هاعتبرك أخ ليا وأصدقك، بس لو حصلي حاجة، مش مسامحاك وهاشتكي لربنا؟! ابتسم لها بحنان: – أولًا، أنا يشرفني إنك تكوني أختي… ثانيًا، متخافيش من الباشا بتاعنا، مش ممكن يأذيكي!!

تحركت جواره، وهو يحدث نفسه: – معقول لسه في بنات بالبراءة دي؟! أنا اتعقدت من اللي شوفته… —
— في فيلا أدهم صعد إلى غرفة والدته وطرق على الباب بأدب، ثم دلف إلى الداخل. وجدها تجلس وفي يدها كتاب. – مساء الخير يا أمي، ممكن تنزلي معايا شوية؟ ردّت باستفهام: – خير يا حبيبي؟ – أصل في بنت كانت في مشكلة، وجبتها معايا لحد ما أخلص لها مشكلتها، وكنت حابب تكوني موجودة لما تيجي عشان تبقي مطمئنة…

ثم أكمل بتوضيح: – هتقعد معانا يومين بس!! لم تصدق غادة أذنها، ابنها سوف يأتي ببنت إلى منزله، ذلك المنزل الذي حرّمه على كل جنس حواء! حتى صديقات أخته الوحيدة كان يرفض بصرامة تواجدهن هنا؛ كانوا يتقابلون فقط في النادي والحفلات خارج المنزل. أنزلت قدميها من الفراش، تُخفي حالة الصدمة التي تلبّستها من حديثه، وهي تردف: – لو إنت شايف إن مافيش مشكلة، خلاص… ثواني وأحصلك. انحنى على يدها يقبّلها:

– ربنا يخليكي ليا يا ست الكل. نزل إلى بهو الفيلا ينتظر خالد. — عند خالد في السيارة، رن هاتف عشق. فتحت الخط: – السلام عليكم… أيوه يا حبيبتي، أنا بخير، متخافيش عليا!! اللي كنتي خايفة منه كان هيحصل، بس أنا ضربته وهربت!! – لا، متخافيش، بس أنا مش راجعة البيت النهاردة، خايفة يكونوا تحت البيت. الحمد لله، ربنا رزقني بواحد كويس وعدني يخلص الموضوع… – لو سألك، قولي متعرفيش عني حاجة، وغيّري اسمي على التليفون عندك… وأنا هكلمك كل يوم!!

– لا إله إلا الله… — دخلت السيارة باب الفيلا، وكان أمامها عدد كبير من الحرس. طُلب منها النزول، لكنها رفضت قبل أن تخرج للقائها إحدى حريم المنزل. حدثها خالد ببعض اللين: – يا بنتي، يعني لو عايزين نأذيكي، تاخدي قد إيه في إيدينا؟ يلا ربنا يهديك… رن جرس الفيلا، فتحت إحدى الخادمات، وأخبرها: – بلّغي أدهم بيه إن الآنسة عشق معايا. ثم شاور لعشق حتى تتقدمه، وهو يردف: – يلا يا عشق، ادخلي.

حدثته برجاء: – تعال معايا؟؟ رد خالد برفض: – مش هينفع، أدهم باشا مانع دخول الحرس عشان الحريم. دخلت ببطء، فوجدت أمامها أدهم ووالدته التي قابلتها بترحاب: – أهلاً يا بنتي، نورتينا… اتفضلي! ردّت بخجل وتوتر: – شكرًا لحضرتك، وآسفة على الإزعاج. أدهم بهدوء، وهو يطالعها من رأسها حتى أخمص قدميها: – اقعدي. جلس على مقربة منها: – عايز أعرف كل حاجة حصلت من يوم شغلك عند أمير ده، لحد ما قابلتك. ممنوع تخبي أي حاجة عني، لأن لو عرفتها من برّه، حسابك معايا هيكون صعب!

ضغطت والدته على يده حتى يهدأ، فهي ترى الرعب مرتسمًا على ملامح تلك الفتاة. فركت عشق يدها بخوف من طريقته، لكن ابتسامة غادة المشجّعة جعلتها تبدأ في سرد قصتها مع زير النساء. استمعت غادة بوجع لما مرّت به، وسألتها: – ليه ما قولتيش لحد من أهلك؟ ردّت بحزن: – أنا عايشة لوحدي… ماما وبابا وأخواتي ماتوا في حادثة. – طيب ما فيش عم أو خال؟ هزّت رأسها نفيًا: – لا، عمري ما شُفت حد، وبعد ما أهلي ماتوا، ما فيش حد سأل…

وقف أدهم بحزم، ينهي تلك المحادثة: – خديها يا أمي غرفة الضيوف. ثم وجّه كلماته لعشق: – أنا هشوف الموضوع ده، ولو كنتِ صاحبة حق، هجبلك حقك لحد عندك… تصبحي على خير. — صعدت مع والدته في صمت، ودخلت الغرفة. كانت كبيرة، باللون الكريمي، ستائر وسجاد رمادي، وأثاث أبيض… غرفة خفيفة على القلب. بعد مرور بعض الوقت، دق الباب. فتحت عشق، فوجدت أمامها والدة أدهم، ومعها خادمة تحمل الطعام. دخلت، وضعت ما في يدها وخرجت.

مدّت لها غادة بيچامة نوم قطن، وهي تشرح لها نظام الغرفة: – عندك الحمّام، غيّري هدومك، وكلي الساندويتشات، اشربي العصير، وريّحي جسدك شوية… أدهم هيخلّصك من كل مشاكلك. – شكراً لحضرتك… تصبحي على خير.
*******
—
في الصباح، ألقى التحية على والدته، ثم جلس جوارها على مائدة الطعام. – آسف جدًا يا أمي إني حطيت حضرتك في موقف زي ده، بس كنت مضطر… البنت كانت مرعوبة. تركت ما بيدها، وهي تنظر في عيون ابنها تبحث عن أي شيء جديد قد طرأ عليه، لكن من الواضح أنه مجرد وهم في خيالها، لتردف:

– مافيش إزعاج ولا حاجة، أنا بثق في تصرفاتك، وعارفة إنك ما تعملش غير الأصول، والبنت باين عليها ضعيفة ومكسورة. هتف بتحذير: – أرجوكي يا أمي، بلاش طيبة قلبك دي، واحذري منها لحد ما أشوف حكايتها وأتأكد من صدق كلامها. حضرتك عارفة إن البراءة بقت تتغش، وأنا ليا أعداء كتير، ومش ضامن حد. لو دخل قلبك شك في أي تصرف صدر منها، بلّغي الحرس بسرعة، وأنا كمان عطيتهم أوامر. – ليه كل ده؟ البنت باين عليها الطيبة والحنية!

أدهم بتحذير: – أمي، أرجوكي… شعرت بضيقة تعرف سببها جيدًا، لتردف بحنان: – حاضر يا حبيبي، اللي تشوفه. وقف واقترب من رأسها يقبّلها وهو يلقي عليها السلام. خرجت منها تنهيدة متعبة، وهي تتابع سيره للخارج بحزن على فلذات قلبها الذين لم يجدوا الراحة في تلك الحياة القاسية. دعت لهم بصلاح الحال، وأن تجد الفرحة طريقًا لقلوبهم. — تململت عشق بابتسامة حانية، تشعر براحة لم تغزوها منذ سنوات. فتحت عينيها بلمعة جميلة، وتحركت بعينيها في السقف والمكان حولها. قفزت فجأة بعدم استيعاب، وجلست تنظر لمظهرها وتلك الغرفة، تسترجع ما مرّت به بخوف.

ضربت جبهتها: – أخ يا عشق، إنتِ خوفتي ليه كده؟ أمير بعيد عنك… إنتِ في بيت الراجل اللي أنقذك ومامته موجودة، يعني أمان. وضعت يدها على قلبها وهي تتنهد براحة: – الحمد لله. سمعت طرقًا خافتًا على باب الغرفة. عدّلت من هيئتها وتوجّهت خلف الباب تسأل عن هوية الطارق. أتاها صوت الخادمة: – الهانم الكبيرة بتبلغ حضرتك إنها في انتظارك على الفطار. – حاضر، قولي لها ثواني وأكون معاها. تجهزت عشق للنزول، رتبت غرفتها وارتدت ملابسها، ثم نزلت درجات السلم وهي تبحث بعينيها عن مكان جلوس غادة. رأتها سيدة من الخدم، نادتها:

– اتفضلي معايا. ابتسمت لها عشق بخجل، وتحركت خلفها حتى غرفة الطعام، فوجدت غادة في انتظارها. – صباح الخير يا طنط. غادة بترحاب: – صباح النور، اتفضلي يا عشق. خرجت إحدى الخادمات تحمل صينية عليها طعام، متوجهة لممر صغير، جذب فضول عشق، التي ترجمته بسؤال: – هو في حد تاني عايش هنا؟ غامت عينها بسحابة من الحزن تمطر وجعًا على قلبها، وهي تردف: – آه، روان… بنتي الصغيرة. تعجبت وسألت نفسها: هل هي طفلة صغيرة أم شابة ولا تريد الاختلاط بالغرباء؟ شعرت بغصة في حلقها أن يكون وجودها غير مرغوب فيه، وهي تفرض نفسها على المكان، لذلك سألتها بلهفة:

– هي مكسوفة مني؟ ولا متضايقة من وجودي؟ تحدثت غادة برفض: – لا أبدًا، هي أصلًا ما تعرفش إنك موجودة، لأنها رافضة الخروج من غرفتها بقالها ثلاث سنوات، ورافضة التعامل نهائي مع أي حد غيري أنا وأخوها، حتى أصحابها رفضت وجودهم جنبها. زاد فضول عشق لتتعرف على تلك المجروحة، فليس هناك شخص طبيعي يرحب بالعيش وحيدًا إلا لو اكتفى من غدر البشر. لذلك تحدثت برجاء: – هو أنا ممكن أدخل عندها بعد الفطار؟

نظرت لها غادة بحيرة، لا تعرف ماذا تقول، هل لو وافقت على طلبها سوف ترحب بها روان التي لم ترَ غريبًا منذ سنوات؟ أم تقدر على غضب أدهم إذا علم أنها كشفت عن كنزه الثمين، وهو أخته الوحيدة؟ فاقت على نداء عشق: – لو ما ينفعش خلاص، مافيش مشكلة. – أبدًا، مافيش مشكلة ولا حاجة، بس خايفة رد فعل روان يجرحك، لأنها اتعودت على وحدتها. عشق بلهفة: – لا، ما تقلقيش، أنا هتحمّل رد فعلها مهما كان صعب.

ثم أكملت طعامها بلهفة لرؤية تلك الفتاة. — عند فتون جلست أمام طعامها هي وزوجها دون شهية. لقد تعودوا على وجودها حولهم، بمرحها وابتسامتها التي تضمد جراحهم.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى