
البارت – الأول
********
في أحد الأحياء الشعبية المتوسطة، تقف فتاة جميلة، رقيقة القلب والروح، تطرق باب المنزل بمرح وهي تدندن. بحب، فُتح الباب، وقابلتها فتون ببسمة واسعة ارتسمت على ملامحها التي غزتها معالم الشيخوخة عندما علمت هوية الطارق، ليهفُ قلبها قبل أقدامها نحو الباب، تردّ روحها بتصرفات تلك الشقية التي أطلت عليها بوجهها الصبوح الذي يزيل الهم وينعش القلب. – صباح الورد يا فتون. ضمّتها الأخيرة بقلب أم وهي تقبّل وجنتها:
– صباح الفل والياسمين على عيون حبيبتي. بحثت عشق بعينها في المكان وهي تسألها: – فين بابا ناجي؟ أشارت لها فتون: – جوه في البلكونة، رفض ياكل من غيرك. دخلت عشق بابتسامة: – قلب القلب أنت يا ناجي. قابلها ناجي بفرحة وترحاب: – أنتِ القلب والروح يا عشق، ربنا ما يحرمنيش أبداً من دخلتك علينا. جلست بينهم، وهي ترفع قطعة من الخبز تضعها في طبق الفول أمامها، ثم ترفعها وتضعها في فم فتون وهي تردف:
– ولا يحرمني منكم أبداً يا بابا. ابتلعت فتون ما في فمها وهي تسألها بقلق: – برضه رايحة الشغل عنده؟ أنا قلبي مش مطمئن. كست ملامح عشق الحيرة، وهي تردف وفي داخلها نفس الخوف: – طب أعمل إيه يا ماما؟ قوليلي. أنا محتاجة مصاريف، وهو الوحيد اللي مرتبه كويس. نظر ناجي لفتون بحزن، لأنهم يقلقون عليها من تواجدها مع شخص مثل أمير. زاد قلقهم عندما أبلغتهم أكثر من مرة أنها لا تشعر بالارتياح من تصرفاته معها، لكنها دائماً تتصدى له بحدة.
وليس بيدهم حيلة لإنقاذها من بين براثن هذا المستهتر إذا تجاوز حدوده معها، فهم كبار في السن، ومعاشهم بالكاد يكفي الشهر، وإلا لما تركوها تعمل مع ذئب بشري مثل هذا الأمير، وهو اسم على غير مسمى. فاق على تنهيدة عشق، وهي تسترجع ابتسامتها حتى تخفف عنهم: – لو حصل منه أي تجاوز تاني، أنا هسيب الشغل من غير تردد، بس عايزاكم دايماً تدعولي، هو ده المهم… دعاؤكم ليا بحسّه زي البلورة السحرية.
— في مكان راقٍ، في مكتب الأمير، يجلس في كرسيه مثل شيطان يخطط كيف يوقع بها. وهي الوحيدة التي طال تمردها، رغم ضعفها الذي يراه بعيونها، لكنها عفيفة لدرجة الاختناق، مما زاده إصراراً على الفوز بها بطريقة شريرة. ولم يهدهِ ربه للفوز بها بطريق الحلال، وهو مقتدر، ليغرق أكثر في سيئاته. أخيراً، ابتسم وهو ينادي على أحد رجاله، الذي فتح الباب بسرعة وهو يتحدث باحترام: – تحت أمر سيادتك. – اتصللي بعشق ضروري، ووصّل المكالمة لمكتبي.
– أوامر سعادتك. — وصلت عشق المكتب، وهي تقرأ الآيات القرآنية في سرّها كما أوصتها فاتن. دخلت مكتبها تبحث عن الملف الذي طلبه، في وقت غير مناسب، تشعر أقدامها ثقيلة من الرعب لكنها لم تُظهر ذلك، حتى لا يستغل ضعفها. فهي تعرفه، لا يملك مشاعر، بل يمتلك حجراً بين أضلعه، لكن الحاجة التي ألقت بها على طريقه… لم تجد الملف في مكانه، تعجبت بشدة، فهي تتذكر أين وضعته جيداً. توجهت نحو باب مكتبه، طرقته بهدوء حتى أذن لها بالدخول.
تحدثت بصوت منخفض: – مساء الخير، باشمهندس أمير. أردف ببرود، وهو ينظر للشاشة أمامه دون أن يعيرها اهتماماً: – مساء النور، فين الملف؟ فركت يدها بتوتر، وهي تردف: – أنا كنت حطاه في الرف التاني بمكتبي، بس حالياً مش موجود. وقف بغضب، وهو يتحدث بصوت مرتفع، جعلها تأخذ خطوة للخلف: – إنتِ بتستعبطي؟ ملف صفقة مهم زي دي بملايين، مش عارفة هو فين؟ غشيت الدموع عيني عشق من الخوف أن يزج بها في السجن:
– والله أنا برتب كل حاجة في مكانها، وأنا روّحت ومتأكدة من كل حاجة، بس هدور تاني، يمكن أنا ماخدتش بالي… أصل حضرتك صحيتني وجبتني على ملا وشي. اقترب منها بخطوات مدروسة بثّت الرعب في قلبها، وهو يمرر عيونه فوقها بطريقة جعلت جسدها يقشعر.
تحولت لهجته من العصبية للين، وهو يردف: – أنا غبي؟ حد يفزع ملاك زيك من النوم؟ اللي زيك يصحى بطريقة جميلة وناعمة زيك كده…
كان يتحدث وهو يقترب منها، وهي تعود للخلف، وضربات قلبها في تزايد مستمر، حتى وجدت نفسها بينه وبين مكتبه، حاولت الابتعاد لكنه حاصرها، وهو يقترب منها وأنفاسه الكريهة تلفح وجهها. أغمضت بعينها باشمئزاز. اتسعت عيناها عندما هتف: – مش عايزك تخافي، أنا هدلعك، بس إنتِ حنّي… والملف موجود. رفع إحدى يديه يمررها فوقها، لكنها حملت التمثال النحاسي القابع فوق مكتبه، وضربته فجأة على رأسه بقوة لا تعلم من أين أتتها، ثم خرجت من باب المكتب بسرعة قبل أن يراها رجاله.
— تركض بفزع، وهي تتلفت حولها بحثاً عن أي شخص يمد لها يد المساعدة! وجدت نفسها فجأة أمام سيارة مسرعة، خرجت منها صرخة مرعبة، وهي تغمض عينها وتنطق الشهادة… سمعت فرامل قوية وصدمة خفيفة أوقعتها، وهي تتألم من قدمها! بينما أدهم يجلس في السيارة يتابع أعماله على اللابتوب، عندما توقفت السيارة فجأة! رفع عينيه عن الجهاز، وهو يسأل أحد رجاله: – في إيه يا هاني؟ رد هاني باعتذار: – آسف يا باشا، في بنت ظهرت فجأة قدام عربية خالد.
سأله باهتمام: – حصلها حاجة؟ فتح باب السيارة حتى يلقي نظرة، وهو يرد بعدم معرفة شكل الإصابة: – خبطة بسيطة، هنزل أطمن عليها. نزل خالد وهاني، وكان صوت هاني الأسرع عندما سألها وهو يقترب منها: – إنتِ كويسة؟ كانت تمسد قدمها وهي تبكي في صمت، لترد على سؤاله: – رجلي بتوجعني. نزل أدهم يسأل هاني: – هي كويسة؟ التف حوله جميع رجاله بشكل دائرة خوفاً عليه، بأن يكون ما حدث مجرد كمين لسيدهم.
اعتدل هاني باحترام، وهو يرد: – شكلها إصابة خفيفة يا باشا، ممكن حضرتك ترجع العربية وخالد يتصرف… تحدث أدهم، وهو يستعد للركوب مرة أخرى: – هاتها العربية ووديها مستشفى في طريقنا نطمئن عليها. انصاع هاني لأوامره، واقترب منها لكي يحملها! هتفت برفض عندما وجدته يقترب منها: – لا لا أرجوك، ما تلمسنيش، أنا هقف لوحدي. توقف أدهم من نبرة الخوف في صوتها، وألقى عليها نظرة أخرى، وجدها تتألم وهي تحاول الوقوف.
استغرب موقفها، ولماذا لا تريد أن يساعدها؟ فضوله جعله يوجّه كلماته إليها: – إنتِ بتتألمي، ما فيش حاجة لو حد منهم رفعك لحد العربية؟ رفعت وجهها بغضب حتى تعنّفه من رؤيته أن حَمل غريب لها شيء هين، لكن غضبها تلاشى، وتوقف كل شيء حولها عندما طالعت ملامحه… (هنعرف بعدين سبب تأملها له، وده ضد تربيتها وأخلاقها.) صمتت وظلت تتأمل معالمه بلا وعي، قطع تأملها صوته وهو يتحدث بحدة: – يلا، مش هنقضي اليوم هنا؟
أخفضت رأسها من حدته معها، وسندت على السيارة، وهي تتمتم: – مالوش لزوم، أنا كويسة، وبعدين أنا الغلطانة لأني كنت بجري من غير ما أبص قدامي! بدأت تتحرك بتعب، سمعت صوتاً تكرهه بشدة: – البنت هناك أهي، يلا نجيبها؟ شعرت بالخوف، تركت جميع الحضور، وتحركت دون وعي خلف أدهم فقط، تحتمي بجسده منهم. لم يعلّق. بينما توجه رجاله بأجسادهم نحو الصوت، بعد أن كادوا يركبوا السيارات، صنعوا دائرة حول سيدهم.
تحدث هاني بقوة: – أنتم مين وعايزين إيه؟ أشار أحد الرجال إلى عشق، وهو يردف: – إحنا عايزين البنت دي! طريقتهم لم تعجب هاني، الذي تحدث بغضب: – إحنا مش عاجبينك؟ ارتفعت أمامهم أكثر من ثمانية أسلحة، وتحدث أحدهم بخوف: – أصلها سرقت الباشا بتاعنا! وعايزين نسلمها للبوليس… خرجت عشق برأسها من خلف أدهم: – إنت كداب! أنا مش حرامية، الباشا بتاعك هو الزبالة، وإنتم عارفين… هتف أدهم، وهو يوجه لها نظرة:
– طب ليه خارجة في وقت متأخر لوحدك؟ وتجري بالطريقة اللي كانت هتضيع عمرك؟ ردت بدموع، خوفاً من أن يسلمها لهم: – أنا شغالة سكرتيرة عنده، وهو اتصل بيا بحجة إنه مش لاقي ملف محتاجه ضروري في مناقصة بكرة ولازم يتراجع النهاردة.
لما اعتذرت لأن الوقت متأخر، هدّدني بالفصل، وأنا محتاجة الشغل ده، فجيت أجيب الملف.
طلع شخص مش كويس، ومش عايز الملف ولا حاجة، كان بيضحك عليّا عشان… عشان!
فهم أدهم ما تقصده، لكنه حثّها على إكمال كلامها: – وبعدين إيه حصل؟ – ضربته بتمثال… وجريت! ولو حضرتك مش مصدق، ممكن تيجي معايا تشوف دماغه المفتوحة! يعلم جيداً خبث الحريم عندما يردن الوصول لرجل، لكنه لن يتركها حتى يتأكد من صدق كلماتها، لذلك: تحدث بتهديد لهؤلاء الرجال: – ترجعوا شغلكم على رجليكم، ولا تحبوا ترجعوا على نقالة؟ نظر الرجال لبعضهم، ثم انسحبوا في صمت
********
— عند أمير
وقف جوار الطبيب الذي يضمد جرحه، وعندما دخل عليه رجاله دونها، صرخ عليهم بغضب وهو يبعد الطبيب عنه بعنف، وسأل رجاله عن مكان تواجدها، وزاد غضبه عندما صرح أحدهم بعدم مقدرتهم على الرجوع بها. – يعني إيه معرفتوش تجيبوها؟ هي ملحقتش تبعد! لكن ردّ أحد رجاله كان له صدمة، عندما أردف بتلعثم: – إحنا شوفناها بس ماقدرناش نجبها!! صرخ أمير بغضب جحيمي: – حتة بنت مش قادرين عليها؟ ليه مشغل معايا شوية بهايم؟؟
نظر رجاله لبعضهم، وتحدث كبيرهم: – لا يا باشا، كان معاها ٣ عربيات مليانة بودي جارد ومسلحين، ورفضوا ناخذها… تمتم لنفسه بصوت مسموع: – دول مين؟ وإيه علاقتها بيهم؟! رفع عينه لرجاله وتحدث بأمر: – روحوا استنوا عند البيت، البنت دي لازم تكون عندي… ما عاش ولا كان اللي تمد إيدها عليا!! — عند عشق رفعت عيونها عندما سمعت صوت أدهم وهو يعرض عليها أن يقوم بتوصيلها: – تحبي أوصلك؟
نظرت له بتوتر: – لا، شكرًا… أنا هركب تاكسي. ردّ عليها بلا مبالاة: – براحتك، ثم وجّه كلماته لحارسه: – هاني، وقف لها تاكسي. أوقف لها تاكسي. رجعت عشق على استحياء إلى أدهم، وانحنت على شباك سيارته: – أحمم… هو ينفع حضرتك تمشي ورايا لحد ما أوصل البيت؟ خايفة يكون حد هناك… نادى بصوت قوي: – خالد! رد خالد باحترام: – أوامرك يا باشا. طلب منه أن يتبع التاكسي بسيارته حتى يطمئن على سلامتها:
– اتبع التاكسي لحد ما توصل. – أوامرك يا باشا. تحركت أمام خالد، وركبت التاكسي الذي تحرك بها حتى وصل أمام حي شعبي. نزلت عشق وصعدت إلى شقتها… ظل خالد ينتظر حتى تصعد، وعندما اختفت من أمام ناظره دار بسيارته ليغادر، لكنه توقف فجأة عندما رأى انعكاس صورتها في مرآة السيارة، وهي تركض خارج المنزل وتتوارى خلف الحائط. نزل بعدها ثلاثة رجال يقفون تحت المنزل… قام بالاتصال على أدهم الذي رد بسرعة:
– خير يا خالد؟



