
قعدت ضامة ركبتي لصدري تحت شباك البلكونة، ضهري ملزوق في الحيطة الرخام، وبصطبب عرق بارد رغم برودة الجو. ودان كانت شغالين بتركيز يرعب؛ بتسمع صوت العربيات البعيدة في الشارع الرئيسي، صوت الكلاب اللي بتهوى من بعيد، وصوت النبض اللي كان بيخبط في طبلة ودني زي الطبلاً.
هل هو واقف تحت دلوقتي؟ بيبص على البلكونة بعد ما النور اتقفل؟ مستني إيه؟
سحبت التليفون بشويش وأنا لسه قاعدة على الأرض، فتحت الشاشة اللي كانت ضوئها مبين وشي المرعوب في الضلمة. أيدي كانت بتترعش لدرجة إني كتبت الباسورد غلط ثلاث مرات.
فتحت الرسالة تاني، كبرت الصورة… الصورة كانت واضحة جداً، متصورة بفيو عالي الجودة، باين فيها العمارة اللي قبالنا، ويافطة أجزخانة دكتور طارق اللي تحتنا، وبلكونة شقتي والنور الأصفر طالع منها.
طريقة التصوير كانت بتقول إن الموبايل أو الكاميرا كانت محطوطة على زاوية الحارة المقابلة… يعني كان واقف هناك، مفيش بيني وبينه غير بضعة أمتار وكمية زجاج خفيفة!
مسحت الدمعة اللي كانت حابسة نفسها، وبدأت أفكاري تضارب. أطلب النجدة؟ “يا فندم فيه واحد بيراقبني تحت العمارة وحاطط لي صور للقتيلة”، أول حاجة حيسألوها:
“مين القتيلة وفين الجثة؟”، وحيلاقوا الموبايل بتاعي عليه فيديو متبعت من الرقم ده وأنا واقفة جنب الجثة في الشارع المظلم! الراجل ده لبسني القضية قبل ما يبتدئ يهددني حتى.
الساعة جابت خمسة الفجر، ونور ربنا بدأ يشق الضلمة ببطء، يتحول اللون الأزرق الغامق لرمادي فاتح. صوت أذان الفجر طلع من الجامع اللي في أول الشارع، صوت الشيخ كان هادي وبيدعو للسكينة، بس السكينة دي كانت أبعد حاجة عن قلبي.
سمعت حركة خفيفة جاية من أوضة العيال.
صوت خطوات صغيرة بتسحب على السيراميك. اتنفضت من مكاني ومسحت وشي بسرعة، حاولت ألملم بقايا نفسي.
باب الأوضة اتفتح، وطلع مالك الصغير، شايل الدبدوب الأبقع بتاعه بإيد، وبيقرقش في صباعه بالتانية، وعينيه ناعسة ومش قادرة تفتح.
”ماما؟” نطقها بصوت مخنوق بالنوم، “أنتِ صاحية ليه؟ والنور مقفول ليه؟”
جسمي كله اتسحب ناحيته، أخدته في ح.ضني وكبست عليه بأقوى ما عندي. حطيت وشي في رقبته واستنشقت ريحة الأطفال الناعمة اللي فيه، الريحة اللي كانت السند الوحيد ليا في العالم ده.
”مفيش يا حبيب ماما…” صوتي طلع متقطع بس حاولت أخليه حنين، “كنت… كنت بشرب مية بس. يلا نرجع ننام تاني.”
”هو بابي مش حيجاي بكرة؟” سألني ببرود الأطفال المعتاد وهو بيمسح عينيه.
سؤال زي ده في الوقت ده كان زي السكينة في قلبي. جوزي اللي سابنا وانفصلنا من سنتين وسافر الخليج ومبيسألش غير كل فين وفين بفكة فلوس. أنا لوحدي… لوحدي تماماً في الموازنة دي.
”يلا يا مالك… انزل نام.”
رجّعته السرير، وغطيته هو وياسين اللي كان غارق في نوم عميق، وقعدت على الكرسي الخشب اللي جنب السرير لحد ما الشمس طلعت بالكامل ودخلت من شباك الأوضة.
الساعة بقت تمانية الصبح. الحياة في الشارع بدأت تدب؛ صوت بياع اللبن، وصوت عربيات الفول، وزحمة الناس اللي نازلة شغلها.
الشارع اللي كان بالليل عبارة عن مصيدة مو.ت، بقى دلوقتي مليان بشر ومتاجر مفتوحة.
أخدت نفس عميق، وقررت أطل من بلكونة الصالة. رفعت الستارة بحذر وبصيت تحت.
الشارع كان طبيعي جداً. الناس ماشية، عم أحمد البقال بيكرس قدام محله، والأطفال بيلعبوا. بس تحت زاوية العمارة اللي قبالنا… كانت فيه سيارة سودة، زجاجها فاميه كاحل مبيبينش أي حاجة جوة، مركونة في مكان ممنوع الانتظار فيه.
عربيات كتير بتركب وتطلع، بس العربية دي كانت ثابته… المحرك بتاعها كان شغال، ودخان خفيف بيطلع من الشكمان.
هو تحت.
الشر كان قاعد في الشارع بياخد قهوته ويبص عليا.
التليفون رن في إيدي. الرنة المرة دي كانت رنين عادي، مش رسالة.
الرقم كان هو نفسه… الرقم المجهول.
إيدي اتجمدت على الشاشة. صباعي كان خايف يلمس الزرار الأخضر. بلعت ريقي، وحطيت التليفون على ودني من غير ما أنطق كلمة واحدة.
الصوت الحشرجي العميق جاء من الناحية الثانية، بس المرة دي كان فيه صوت دوشة شارع وصوت معلقة بتخبط في كباية زجاج… كأنه بيشرب شاي في القهوة اللي في أول الشارع!
”صباح الخير يا أم ياسين…” قالها بهدوء حاد يطير العقل، “يارب تكوني نمتي كويس؟”
سكت لثواني، وحسيت بنبضي بيصرخ في أذني. “أنت… أنت عايز إيه مني؟
حرام عليك… أنا عملتلك إيه؟”
ضحك ضحكة قصيرة، وسحب نَفَس من سيجارة، صوت سحب الدخان كان واصل لي بوضوح. “أنا مش عايز منك حاجة وحشة يا مدام… بالعكس، أنا عايز أساعدك عشان تساعديني.”
”أساعدك في إيه؟ أنا ست غلبانة ومفيش في إيدي حاجة!”
”تؤ تؤ…” رد بنبرة معلم بيكلم تلميذه، “أنتِ عندك أهم حاجة أنا محتاجها دلوقتي… أنتِ الشاهدة الوحيدة اللي شافتك عيوني بالليل، وأنتِ الحيطة المايلة اللي ممكن أي حد يمسك منها خيط يوصل لي. عشان كده… إحنا بقينا شركاء في السراء والضراء.”
”شركاء إيه؟! أنت مجنون؟!” صرخت بصوت واطي عشان العيال ما يسمعوش.
”اسمعيني كويس وركزي في كل كلمة حقولها…” النبرة تحولت فوراً من الهدوء للصرامة الجليدية اللي تخلي الدم يتجمد. “الساعة عشرة الصبح، حتنزلي عادي جداً، حتاخدي عيالك وتوديهم عند أختك أو والدتك. مش عايز أشوفهم معاكي بقية اليوم.”
”ليه؟! حتعمل فيهم إيه؟!”
”مش حعمل فيهم حاجة لو نفذتي كلامي بالحرف.” كمل كلامه بثبات: “بعد ما توديهم، حتركبي عربية سوبر جيت أو ميكروباص، وتطلعي على السويس. هناك حيوصلك لوكيشن على التليفون… حتروحي العنوان ده، وحتستلمي أمانة صغيرة ترجعي بيها القليوبية.”
تنفسي بدأ يتسارع. “أمانة إيه؟ مخدرات؟ سلاح؟
أنا ماليش في الكلام ده!”
”الأمانة دي هي ثمن سكوتي وثمن حماية عيالك.” نطق كل حرف ببطء شديد. “لو رفضتي… أو لو فكرتي تغيري خط سيرك… أو لو رجل شرطة واحد قرب منك… التليفون ده حيبعت إحداثيات وفيديوهات لأقرب قسم، وعيالك… مش حيلحقوا يشوفوا وشك تاني.”
سكت ثانية، وبعدين أضاف جملة خلت الرعب يأكل معالم وشي بالكامل:
”على فكرة… ياسين صحي دلوقتي وطالع لك الصالة يسألك على الفطار… ياريت تقفلي الموبايل وتعملي له الأكل عشان متأخريش على معادك.”
لتفت بذهول ورعشة… لقي ياسين واقف عند باب المطبخ بيمسح عينيه وبيقول:
“ماما… أنا جعان، عملتي فطار؟”التليفون اتسلت من إيدي ووقع على الكنبة. بصيت لياسين وأنا بحاول أجمع بقايا ملامح وشي، حطيت ابتسامة مكسورة ومصنعة بالعافية على شفايفي، وقلت له بصوت بتخرج منه الحروف بالعافية: “حاضر يا حبيب ماما… ثواني والأكل هيكون جاهز.”
دخلت المطبخ إيديا بتترعش وهي بتفتحي الفريزر وبتحضر اللقمة، بس عقلي كان بيحترق. الراجل ده مش بس بره العمارة، ده شايف كل تفصيلة جوه الشقة! عينيه مفروضة عليا زي اللعنة. في ظرف ساعتين، كنت لميت شنطة صغيرة لمالك وياسين، ونزلت بيهم وأنا بتلفت حواليا في الشارع زي المجنونة.
أي راجل لابس نضارة سودة أو واقف ساند على عربية كان بالنسبة لي هو الكابوس.
وصلتهم بيت أمي، وح.ضنتهم ح.ضن وداع كأني مش هشوفهم تاني. أمي أخدت بالها من زغلت عيني واصفرار وشي، بس اختلقت أي حجة وجريت قبل ما تجرجرني في الكلام.
الساعة جابت إحدى عشرة، وكنت قاعدة جوة ميكروباص السويس والكرسي تحتيا بيتهز ورجلي مش شايلاني. التليفون رن، فتحت الرسالة لقيت لوكيشن لمخزن مهجور على أطراف المنطقة الصناعية في السويس. الطريق كان طويل ومخيف، وكل كيلو بقطعه كان بحس إني ببعد عن حياتي الطبيعية وبدخل غريق جوة عالم مظلم ملوش راجعة.
وصلت العنوان.
المبنى كان عبارة عن صاج صدى وهيكل خرساني مقطوع في وسط الصحراء، مفيش جنب منه غير صرير الهواء وريحة التراب. دخلت بخطوات متسلسلة والمرارة في حلقي.
”وصلتي في معادك… شاطرة.”
الصوت الحشرجي طلع من الضلمة جوة المخزن. كان واقف في الظل، لابس نفس البدلة السودة بس النضيفة المرة دي، ومفيش على وشه أي انفعال.




