
“أنت هتفضل قاعدلي كدة زي الحرمة؟! سكتك ده هيمــ,,ـــــوتني! البت دي لازم تطلقها فوراً.. دلوقتي حالا! أنت مستني إيه؟ مستني لما الفضيحة تكلنا وتجيب راسنا الأرض؟ دي مأمنتش على اسمك وعرضك وأنت شقيان ومتبهدل في الغربة!” مراتي أول ما سمعت كلمة الطلاق، صرخت صرخة هزت قلبي، زحفت على الأرض ومسكت في رجلي وهي بتبكي بدموع توقف الدم في العروق: “عشان خاطر بنتنا تارا يا أحمد.. متعملش فيا كدة! أنا مظلومة، والله العظيم مظلومة.. متضيعنيش، أنا ماليش ذنب في الكابوس ده!”
أبوها كان واقف ودموعه نازلة على شيبته، مش قادر ينطق بكلمة يدافع بيها عنها، والكسرة باينة في عينه.. الكارثة كانت أكبر من أي كلام. في اللحظة دي، أنا كنت همــ,,ـــــوت.. عقلي هينفجر من الحيرة والعجز. بقيت واقف في النص، حائر بين نــ,,ـــــاريين، نــ,,ـــــار قلبي وعقلي اللي بيقولوا لي إن مراتي شريفة وعمرها ما تخوني، ونــ,,ـــــار أمي اللي بتطالب بكرامتي وشرفي اللي اتبعزق قدام الدكاترة والممرضين والمستشفى كلها. مش عارف أشك في البنت اللي عشت معاها أجمل أيام حياتي وعارف طهرها، ومش قادر في نفس الوقت أكسر كلام أمي وأقف ضدها في موقف زي ده والكل بيبصلي بنظرات شفقة واتهام.
الدنيا اسودت في عيني، ومبقتش سامع الصريخ ولا العياط اللي حواليا.. حسيت بحالة خنق رهيبة، ومبقتش قادر أتنفس. بصيت لمراتي بنظرة كلها وجع وكسرة، وبصيت لأمي، ومن غير ما أنطق بحرف واحد.. نفضت إيدي من الكل، ولفيت ضهري وخرجت جري من الأوضة.
أمي قعدت تنده ورايا: “أحمد! يا أحمد رايح فين؟! سيبك منها وتعال هنا!”.. لكن أنا مكنتش سامع حاجة. جريت في ممرات المستشفى زي المجنون، نزلت على السلم مش مستني الأسانسير، وخرجت للشارع في نص الليل والجو برد.. سبت المستشفى وسبت بنتي ومراتي وأهلي كلهم ورايا، وهربت في الشوارع وأنا مش عارف رجلي واخداني على فين، وعقلي بيصرخ بسؤال واحد ملوش إجابة: “يا رب.. أنا عملت إيه في حياتي عشان أتحط في الاختيار ده؟!”
الشوارع كانت ضلمة وكأنها بتشاركني همي، فضلت ماشي على رجلي لساعات طويلة، مش عارف أنا فين ولا رايح فين. رجلي كانت بتتحرك لوحدها وأنا تايه في ملكوت الله. عقلي مبقاش يستوعب أي فكرة، ومش قادر حتى أفكر في خطوة واحدة قدام. أرجع البيت؟ أرجع لمين ولإيه؟ البيت اللي كنت همــ,,ـــــوت وأوصله عشان أترمي في حــ,,ـــــضن عيلتي، بقى فجأة أكتر مكان بيخوفني في الدنيا.
وفي نفس الوقت، في المستشفى، كانت مراتي عايشة قطعة من الجحيم. الشكوك بقت زي السكاكين بتقطع فيها من كل اللي حواليها. نظرات أمي، وكسرة أبوها، وهمس الممرضين برة الأوضة.. كله كان بيمــ,,ـــــوتها في الدقيقة مية مرة، وهي مش بتبطل بكا ونحيب، دموعها جفت وصوتها اتنبح وهي بتصرخ وتدعي ربنا يظهر حقيقتها ويفك كربها.
الفجر بدأ يلوق في السما، وأنا لسه تايه في شوارع المحروسة الفاضية، هبطت وتعبت وقعدت على رصيف في شارع مقطوع، حاطط راسي بين رجلي وببكي بقهر الرجال..
وفجأة، حسيت بخطوات تقيلة بتقرب مني، وصوت خبط عصايا خشب على الأرض.. “طق.. طق.. طق”. رفعت راسي، لقيت قدامي ست كبيرة في السن، ملامح وشها كانت غريبة، طيبة جداً وفي نفس الوقت فيها غموض مرعب. كانت لابسة أسود في أسود، ومعاها عصايا بتتعكز عليها. وقفت قدامي وبصت في عيني مباشرة، وقالت بصوت هادي ودافي هز كياني: “مراتك مظلومة يا ابني وملهاش يد في اللي هي فيه.. بلاش تظلــ,,ـــــمها.”
برقت عيني ووقفت فجأة وأنا مذهول، جيت أسألها: “أنتِ مين؟ وتعرفي منين؟”.. لكن في اللحظة دي بالظبط، عديت عربية نقل كبيرة بسرعة وعملت صوت عالي، لفت ورايا ثانية واحدة من الخضة، ولما رجعت بصيت قدامي.. ملقتهاش!
الست اختفت تماماً! الشارع كان فاضي ومفيش أي مكان تستخبى فيه في ثانية واحدة.. اختفت وكأن الأرض انشقت وبلعتها. جسمي كله قشعر، وضــ,,ـــــربات قلبي بقت سريعة وزي الطبل. كلام الست فضل يرن في وداني، وخلاني أخد بعضي وأرجع المستشفى وأنا مش على بعضي، عقلي شغال تفكير.. يعني إيه مظلومة؟ وإيه اللي بيحصل ده؟!
وصلت المستشفى، ودخلت الأوضة. أول ما شافوني الكل سكت. مراتي بصتلي بلهفة وأمل وهي بتعيط وتترعش. قربت منها، وقفت قدام سر,,ـــــيرها، وبصيت في عينيها اللي ورمت من البكا، وقولت بصوت مكسور، طالع من وسط ضلوعي بالعافية: “أنا مش عارف أصدقك.. ولا عارف أصدق الحقيقة والطب اللي قدامي!” دموعها نزلت أكتر وبقيت بتهز راسها بيأس. بصيت لأمي وبصيت لأهلها اللي مستنيين كلمتي، وبلعت ريقي بصعوبة وقولت والنــ,,ـــــار بتاكل في قلبي: “أنتِ طالق يا سمر.. طالق.”
الكلمة نزلت على الأوضة زي الصاعقة. أمها صوتت، وأبوها وطى راسه في الأرض، وسمر صرخت صرخة ووقعت فاقدة الوعي تاني، وأنا لفيت ضهري وخرجت وأنا حاسس إن روحي هي اللي طلعت مني مش مجرد كلمة قريتها. مرت الأيام عليا وأنا زي الميت، عايش بجسد من غير روح في شقة أمي، مش بنام، والأكل مش بيعدي من زوري. كلمة “أنتِ طالق” كانت بترن في وداني كل ثانية زي السكــ,,ـــــين اللي بتدبح في صمت. بنتي تارا كانت معايا، بتعيط كل يوم وتسأل “ماما فين يا بابا؟”، ومكنتش بلاقي إجابة أقولها ليها غير الدموع.
بعد أسبوع بالظبط من اليوم المشئوم ده، تليفوني رن في نص الليل. لقيت رقم أبوها.. قلبي انقبــ,,ـــــض وحسيت برعب غريب. فتحت الخط، جالي صوته مخنوق بالبكاء والكسرة: “الحقنا يا أحمد.. سمر بتمــ,,ـــــوت في المستشفى!”
وقعت من طولها في البيت ونزيف حاد مبيقفش. نزلت جري من غير ما أفكر، نسيت كل حاجة ورحت المستشفى اللي اتطلقت فيها. وصلت لقيت أهلها كلهم واقفين برا أوضة العمليات، حالتهم تصعب على الكافر، وأمها بتلطم وبتدعي: “يارب أظهر حق بنتي قبل ما تقبــ,,ـــــض روحها!”.
بعد ساعات طويلة كأنها سنين، خرج الدكتور اللي كان متابع حالتها من الأول، لكن المرة دي وشه كان شاحب، وعينه فيها نظرة صدمة وذهول حقيقي، مش شك زي المرة اللي فاتت. جرى عليه أبوها وجريت أنا معاه: “طمنا يا دكتور.. بنتي مالها؟” الدكتور نزع النظارة بأيد بترتعش، وقال بصوت مليان أسف وندم: “أنا مش عارف أقولكم إيه.. إحنا وقعنا في غلطة طبية وتسرع كارثي.. المدام مكنتش حامل!” الدنيا لفت بيا تاني، وصرخت فيه: “يعني إيه مش حامل؟! أنت مش قولت التحاليل وبينات الدم مبتكدبش؟!”
الدكتور وطى رأسه وقال بكسرة: “التحاليل أظهرت هرمون حمل عالي جداً، ودا اللي خلانا نأكد إنها حامل.. بس للأسف، التحاليل المتقدمة والأشعة اللي عملناها دلوقتي بعد النزيف كشفت الحقيقة المرعبة.. دا مكنش حمل، دا كان نوع نادر وخبيث جداً من الأورام السرطانية في الرحم (Choriocarcinoma)، الورم ده بيفرز نفس هرمون الحمل بالظبط وبيتسبب في نفس أعراض الوحم والإغماء والترجيع.. لدرجة إن حتى دكاترة كتير بينخدعوا فيه في الأول.. الورم انفجر وعمل نزيف داخلي حاد.. وللأسف.. إحنا مقدرناش ننقذها.. البقاء لله.”
الكلمة نزلت عليا زي جبل اتهد فوق نفوخي. “البقاء لله؟ سمر ماتت؟ ماتت مظلومة؟!”
أمها صرخت صرخة هزت المستشفى كلها، وأبوها وقع على الأرض مش قادر يشيل طوله. دخلت الأوضة زي المجنون.. لقيتها سر,,ـــــير مغطى بملاية بيضا. رفعت الملاية عن وشها.. كانت ملاك، وشها كان أبيض وصافي، ومفيش فيه غير ملامح الطهر والبراءة. ارتميت على جثتها وأنا بصرخ وببكي بقهر وعذاب عمري ما حسيت بيه: “سامحيني يا سمر!.. أنا ظلــ,,ـــــمتك.. الدنيا كلها ظلــ,,ـــــمتك وأنتِ كنتِ بتمــ,,ـــــوتي من المرض والوجع! أنا أسف يا حبيبتي.. أسف إني مصدقتش طهرك ومصدقتش كلامك!”
افتكرت في اللحظة دي الست الكبيرة والعصايا وكلامها: “مراتك مظلومة يا ابني وملهاش يد في اللي هي فيه.. بلاش تظلــ,,ـــــمها”.. ربنا كان بعتلي إشارة عشان أقف جنب مراتي في مرضها، بس أنا عميت عيني ومشيت ورا كلام الناس وشكوكي والظاهر الخداع. ندم الدنيا كله اتجمع في قلبي.. ندم ملوش آخر ولا علاج. رجعت لأمي وأنا شايل كفني على إيدي، وبصيتلها وقولت: “ارتحتي؟ الفضيحة اللي كنتِ خايفة منها طلعت مرض مــ,,ـــــوتها! البنت ماتت شريفة ومظلومة بسببي وبسببكم!”.


