
“وبعدين؟” قالت وهي بتبص في عينه مباشرة: “النتائج أثبتت إني سليمة تمامًا…” سكتت لحظة… “…وإن سبب تأخر الإنجاب كان عندك إنت.” الممر كله اتجمد. واحدة من الممرضات شهقت بدون قصد. كريم احمر وشه وقال بعصبية: “كدب! مستحيل!” في اللحظة دي… الراجل فتح الظرف، وأخرج التقرير الرسمي. قال بصوت واضح: “وده تحليل البصمة الوراثية اللي حضرتك طلبتيه يا دكتورة.” كريم خطف الورقة بعصبية. بدأ يقرا… ومع كل سطر… إيده كانت بتترعش أكتر.
لأن التقرير كان واضح وصريح. الطفل… لا يحمل أي صلة وراثية بكريم. رفع رأسه ناحية سمر وهو مصدوم. “يعني إيه؟!” سمر انفجرت في البكاء. وقالت بصوت متقطع: “كنت… هقولك… والله كنت هقولك.” صرخ فيها: “الولد مش ابني؟!” انهارت على الأرض وهي بتردد: “خفت أخسرك… ولما حملت قلت يمكن الحقيقة ما تظهرش أبدًا.” الممر كله بقى في صدمة. الرجل اللي كان من دقائق واقف يتباهى إنه كسب… اكتشف قدام الجميع إنه خسر كل حاجة.
أما كريمة… فما قالتش كلمة شماتة واحدة. لفت علشان تكمل طريقها لاجتماعها. لكن قبل ما تدخل الممر، وقفت ثانية واحدة وقالت بهدوء: “في ناس ربنا بينصفها بالصبر… مش بالانتقام.” وسابتهم واقفين وسط انهيار الحقيقة… بينما كريم كان بيبص للطفل، وللتقرير، ولسمر… وما بقاش عارف يصدق أي حاجة من حياته.كريم حس إن أنفاسه بتضيق. لف ناحية سمر بعينين مليانين غضب وقال بصوت مخيف: “قولي الحقيقة… حالًا.” سمر كانت بتبكي وهي مش قادرة ترفع عينها.
“أنا غلطت… والله غلطت.” شد التقرير من إيده ورماه على الأرض. “مين أبوه؟” سكتت. كرر السؤال بصوت أعلى: “مين أبوه؟!” كل الموجودين بقسم الأطفال بقوا متابعين الموقف في صمت. حتى الطفل بدأ يعيط من صوت الصراخ. كريمة انحنت بسرعة، شالت الطفل من العربية وبدأت تهديه بحنان. قالت للممرضة: “خديه أوضة الكشف… الطفل مالوش ذنب.” الممرضة أخدت الطفل بسرعة، بينما كريم كان لسه واقف قدام سمر. بعد ثوانٍ طويلة قالت وهي منهارة:
“كان قبل جوازنا بأيام… وأنا خفت أقولك.” حس كريم إن الدنيا لفت بيه. افتكر اليوم اللي وقف فيه قدام كريمة، واتهمها بالعقم. افتكر الليالي اللي رجع فيها البيت وهو يرمي عليها اللوم. وافتكر اليوم اللي طلقها فيه وهو مقتنع إنه الضحية. في اللحظة دي… خرج رجل كبير في السن من آخر الممر. كان مدير المستشفى. أول ما شاف كريمة قال بابتسامة: “الدكتورة كريمة… مجلس الإدارة كله مستني حضرتك.” هزت رأسها وقالت:
“جاية حالًا يا فندم.” بص كريم باستغراب. “مجلس الإدارة؟” ابتسم المدير وقال: “واضح إنك متعرفش.” ثم التفت إلى الحاضرين وأضاف بفخر: “الدكتورة كريمة من النهارده رسميًا أصبحت نائب المدير الطبي للمستشفى بعد نجاحها في تطوير قسم الأطفال.” بدأت همسات الإعجاب تنتشر بين الأطباء والممرضات. “هي أصغر دكتورة توصل للمنصب ده.” “استحقت بجد.” أما كريم… فافتكر كلامه القديم: “إنتِ هتفضلي لوحدك… لا بيت ولا عيلة.” والآن… هي كانت واقفة وسط احترام الجميع، بينما هو واقف عاجز، بعد ما اكتشف أن كل الحياة اللي كان بيتباهى بيها كانت مبنية على كذبة.
وقبل أن ترحل كريمة، ناداها كريم بصوت مكسور لأول مرة منذ عرفته: “كريمة… استني.” توقفت، لكنها لم تلتفت إليه. قال بصعوبة: “أنا… ظلمتك.” ساد الصمت. ثم أكمل: “لو الزمن رجع… كنت هصدقك.” أغمضت كريمة عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء: “المشكلة يا كريم… إن الزمن عمره ما بيرجع.” وتركت الممر، بينما ظل هو واقفًا يراقبها تبتعد، مدركًا أن أكبر خسارة في حياته لم تكن الطفل… بل المرأة التي لم يعرف قيمتها إلا بعد أن فقدها.مرت ثلاثة أيام…
لكن كريم ما عرفش ينام ليلة واحدة. كل ما يقفل عينه، يفتكر كريمة وهي ماشية من قدامه بنفس الهدوء… من غير صريخ، ولا شماتة، ولا حتى نظرة انتصار. أما سمر… فبعد اللي حصل، سابت البيت وخدت الطفل عند أمها. كانت بتبكي طول الوقت، لأنها عرفت إن الكذبة اللي بنت عليها حياتها انتهت. وفي صباح اليوم الرابع… كان عند كريمة أول اجتماع رسمي بصفتها نائب المدير الطبي. قاعة الاجتماعات كانت مليانة رؤساء الأقسام.
وأثناء عرض خطة تطوير قسم الأطفال… الباب خبط. السكرتيرة دخلت بتوتر. “يا دكتورة… في شخص مُصر يقابلك.” رفعت كريمة عينيها. “مين؟” “الأستاذ كريم.” اتنهدت بهدوء. “خليه يستنى.” بعد ساعة كاملة… خرجت من الاجتماع. لقته لسه قاعد على نفس الكرسي. أول ما شافها وقف بسرعة. لكن المرة دي… ماكانش لابس بدلة غالية. ولا على وشه غرور. كان شكله مرهق جدًا. قال بصوت واطي: “ممكن خمس دقايق؟” ردت بهدوء: “اتفضل.” دخلوا مكتب صغير.
فضل ساكت شوية… وبعدين طلع من جيبه ظرفًا قديمًا. حطه قدامها. “ده جواب كتبته يوم الطلاق… بس عمري ما سلمتهولك.” فتحت الظرف. كان مكتوب بخط إيده: “أنا عمري ما حبيتك بالشكل اللي تستحقيه… وكنت كل ما أفشل، أرمي فشلي عليكي.” كريمة قفلت الورقة بهدوء. وقالت: “متأخر.” هز رأسه. “عارف.” سكت لحظة… ثم قال: “أنا عملت تحليل كامل بعد اللي حصل… والدكتور أكد نفس الكلام… المشكلة كانت عندي من البداية.” أغمضت كريمة عينيها للحظة.
رغم إنها كانت عارفة الحقيقة… إلا إن سماع اعترافه كان كأنه قفل آخر باب من الماضي. قال كريم وهو يكاد يبكي: “أنا دمرت سبع سنين من عمرك.” ابتسمت ابتسامة هادئة. “لأ.” رفع رأسه باستغراب. قالت: “السبع سنين علموني أكون أقوى… وعلموني ما أربطش قيمتي برأي حد.” سألها بصوت مكسور: “مفيش فرصة نبدأ من جديد؟” ابتسمت لأول مرة… لكن ابتسامتها كانت مليانة سلام، مش حب. وقالت: “في ناس مكانها في الذكريات… مش في المستقبل.”
خرج كريم من المكتب وهو فاهم إن بعض الأبواب، مهما ندمت، مش بتتفتح مرتين. أما كريمة… فرجعت لمكتبها، وفتحت ملف أول طفل كان مستنيها للكشف. ابتسمت وهي تلبس السماعة الطبية، وقالت لنفسها: “في حياة كاملة مستنياني… ومش هضيع منها دقيقة واحدة بعد النهارده.” يتبع…بعد شهرين… كانت حياة كريمة ماشية بهدوء لأول مرة من سنين. شغلها بقى أكبر، ومسؤولياتها زادت، لكنها كانت بتحس إنها أخيرًا بتعيش لنفسها. وفي يوم هادئ… كانت ماشية في ممر المستشفى، لما سمعت حد بيناديها بصوت متردد:
“كريمة…” لفت. كانت سمر. وشها كان شاحب جدًا، وعينيها باين عليهم السهر. وفي إيديها الطفل. قربت بخطوات بطيئة وقالت: “ممكن دقيقة؟” كريمة بصتلها بهدوء. “اتفضلي.” نزلت سمر بعينيها للأرض. “أنا عارفة إني آخر شخص تستحقّي تسمعي منه أي كلمة.” ما ردتش كريمة. كملت سمر وهي بتحاول تمنع دموعها: “أنا خنت صاحبة عمري… وخدت جوزها… وفي الآخر خسرت كل حاجة.” سكتت لحظة. “كريم سابني… وأهل الطفل الحقيقي رفضوا يعترفوا بيه بعد ما عرفوا الحقيقة.”
حضنت الطفل بقوة. “أنا غلطت… لكن هو مالوش ذنب.” كريمة بصت للطفل. كان بيضحك وهو بيمد إيده ناحيتها. ابتسمت بدون ما تحس. سمر لاحظت ده، وقالت وهي بتبكي:




