
سيف مالمش عينه من عليكي، بس ملامحه تحولت في ثانية لجمود يرعب، وإيده نزلت على جراب المسـ,ـدس اللي في جنبه وهو بيمسح على راسك ويهمس في ودنك: “غمضي عينيكي يا سما.. متفتحيش غير لما أقولك.”
صوته كان هادي وثابت بطريقة تقلق، كأنه مبيحسبش حساب للمـ,ـوت ولا للأشخاص اللي وراه، لكن ضـ,ـربات قلبه اللي تحتك كانت بتقول كلام تاني.. قلبه كان بيدق بسرعة مرعبة، مش خوف على نفسه، لكن عليكِ إنتي.
أنفاسك المكتومة اللي بدأت تطلع بالتدريج بعد ما فك القماشة كانت متلخبطة، وشفايفك المشققة من الجفاف والبرد كانت بترتعش، وحسيتي بدمعة سخنة نزلت من عينيكي غصب عنك ولمست إيده الدافية اللي مسكت خدك بثبات.
الخطوات الثقيلة وراكم كانت بتقرب، وصوت السـ,ـلاح وهو بيتسحب في الضلمة كان واضح بين صدى صوت المطر اللي نازل يربخ على الصاج الهش بتاع السقف. واحد من الرجالة اللي فاضلين، صوته كان طالع مبشوح ومكسور من الخوف، يحاول يبان قوي بالعافية: “فاكر نفسك طلعت منها يا سيف؟ المخزن كله ملغم، ولو طلقة واحدة طلعت من مسـ,ـدسك، المكان ده كله هيتقلب قبرها وقبرك معاها!”
سيف متلفتش.
فضلت عينيه المزرقة الثلجية مركزة على وشك، وإبهامه بيمسح دموعك بالراحة، كان بيتعامل كأن الراجل اللي واقف وراه بسـ,ـلاحه ده مجرد ذبابة ملهاش أي قيمة. ابتسم ابتسامة خفيفة ومظلمة، ابتسامة تخلي أي حد يشوفها جسمه يقشعر.
”إنت فاكر إنك بتهددني؟” سيف قالها بصوت وطي خالص، بس وصل للراجل كأنه صاعقة. “إنت الغلطة الوحيدة اللي عملتها في حياتك إنسانية.. إنك سِبت نفسك عايش لحد ما تشوفني وأنا باخدها منك.”
في جزء من الثانية، وقبل ما الراجل يلحق يضغط على الزناد، سيف لف جسمه بحركة سريعة ومحسوبة زي الفهد، سحب المسـ,ـدس المكتوم الصوت من جنبه، وتك..
طلقة واحدة اتفرغت في الهواء بلمح البصر ونزلت في منتصف جبهة الراجل قبل ما يدرك حتى إيه اللي حصل. جـ,ـثة الراجل وقعت على الأرض الخرسانية بصوت مكتوم، والسـ,ـلاح بتاعه اتدحرج لحد ما خبط في جزمت سيف.
الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء أتقل من الأول. المطر بره كان بيزيد، والرياح كانت بتخبط في الشيش المكسور بتاع شبابيك المخزن، بتعمل صوت صفير زي العويل. سيف لف لكي تاني على طول، كأن أسلحته والدمار اللي حواليه ميهمهوش، ونزل عينيه يطمن على كل شبر فيكي.
”سما.. حسي بيا يا سما، إنتي كويسة؟
فيه حاجة بتوجـ,ـعك؟” صوته رجع يتحول للحنية المرعبة ديك، إيديه الاتنين كانوا ماسكين وشك بكل حذر، كأنه خايف ينزل إيده جامد فيكسر حاجة فيكي.
إنتي هزيتي راسك بالراحة، ولسانك كان تقيل مش قادر ينطق الكلمات بسهولة: “سـ..سيف.. أنا.. أنا كنت فاكرة إنك…”
”شسسس.. متكمليش,” قاطعك وهو بيسحبك أكتر لجوه البالطو الرمادي بتاعه، ورفعتي إيديكي المتربة بالراحة ومسكتي في قميصه الأبيض، كأنك بتتأكدي إنه حقيقة مش حلم من أحلام اليقظة اللي كانت بتطاردك وأنتي مربوطة في الضلمة. “أنا قيلك قبل كده.. محدش في الدنيا دي كلها يقدر يغير مجرى حياتي أو يمنعني أجيلك.
لو المـ,ـوت نفسه وقف بيني وبينك، كنت هعدي من فوقه.”
قام واقف بيكي بالراحة، وشالك بين إيديه كأنك مفيش ليكي وزن. صدره العريض كان درع حمايتك، ورسك نازلة على كتفه، وعينيكي شايفه المسرح الدموي اللي سابه وراه وهو داخل.. رجالته كانوا متوزعين في الضلمة، كلهم واخدين أوامر حاسمة ومحدش فيهم اتجرأ يبص عليكِ أو يرفع عينه، الهيبة والسيطرة اللي فرضها سيف كانت مخلياهم يتصرفوا زي الأشباح، بينظفوا المكان في صمت تام.
سيف مشي بيكي بخطوات ثقيلة ومستقيمة ناحية الباب المخلوع.
المطر نزل على وشك أول ما خرجتوا، بس هو غطاكي بياقة البالطو، ورفع ياقة البالطو التانية عشان يحميكي من طشاش المية. عربية سوداء ضخمة ومصفحة كانت واقفة في نص الشارع المظلم في العشوائيات، نورها العالي كان شاقق الضباب والشتوة.
واحد من رجالته فتح الباب المصفح بسرعة، وسيف نزل بيكي وقعد في الكنبة الوراانية وهو لسه حاطط إيده حواليكي ومش راضي يسيبك ثانية واحدة. العربية تحركت بسرعة، والصوت الجواني كان معزول تماماً عن دوشة الشارع والمطر بره.
الدفا اللي جوه العربية بدأ يرّد فيكي الروح بالتدريج، بس الرعب والشرود اللي عشتيه في الكام يوم اللي فاتوا كانوا لسه محفورين في عينيكي. سيف مسك إيدك الباردة، وضمها بين إيديه الاتنين، وبدأ يدلك صوابعك بالراحة عشان الدورة الدموية ترجع لها.
”بصيلي يا سما,” قالها وهو بيوطي راسه لمستواكي. “الوشم اللي على وشك ده.. والجـ,ـرح اللي في شفتك.. مين اللي عمله؟”
عينيه الثلجية كانت بتلمع بغضب مكتوم، غضب لو اتسابلوا العنان كان ممكن يهدم المدينة كلها على اللي فيها.
إنتي بلعتي ريقك بصعوبة وقدمتي حكاية الخوف اللي عاشت فيكي: “كان.. كان الراجل الكبير بتاعهم..
كان عايزني أقوله على المكان اللي بتخبي فيه الورق.. ولما رفضت…”
سيف أخد نفس عميق، وغمض عينيه للحظة عشان يسيطر على ثورته الداخلية. لما فتحهم، كان التحول في ملامحه يقطع الخلف. ابتسم ابتسامة هادية جداً، بس الهدوء ده كان يخوف أكتر من الزعيق.
”الورق؟” همس سيف وهو بيملس على شعرك. “فاكرين إنهم بيلعبوا في ورق ومستندات.. هما مش فاهمين إن أوراق اللعبة كلها معايا أنا.. وإنك إنتي الحاجة الوحيدة في الدنيا دي اللي ملهاش ثمن ولا تتوض.”
العربية كملت طريقها وسط شوارع القاهرة الساكتة تحت المطر، أضواء الفوانيس كانت بتعكس على الإزاز المبلول.
مشيتوا لحد ما وصلتوا للفيلا الكبيرة اللي على أطراف الصحراوي، المكان الوحيد اللي محدش يعرف طريقه غير الأنفار الموثوقين جداً عنده.
أول ما العربية وقفت، سيف شالك تاني ودخل بيكي جوه الفيلا. الهدوء والسكون كانوا ماليين المكان، بس الدفا والأنوار الهادية كانت بتديكي إحساس غريب بالأمان بعد جحيم المخزن. طلع بيكي للوردة اللي فوق، ونزلك بالراحة على السرير.
نادى بصوت ثابت على الخادمة الكبيرة في السن اللي شغالة عنده من سنين: “عمشة.. هاتي مية دافية ومطهر وشنطة الإسعافات.. فوراً.”
قعد سيف على طرف السرير جنبك، وبدأ بفك الجزمة بتاعتك بالراحة، ورفع رجليكي على السرير، وغطاكي بالدفاية.
عينيه كانت متثبتة عليكي طول الوقت، كأنه خايف لو رمش ثانية واحدة يرجع يلاقي نفسه في المخزن وإنتي مش معاه.
”سيف..” ناديتيه بصوت واطي وخجلان. “إنت ليه عملت كل ده؟ إنت خاطرت بحياتك وبكل شغلك عشان واحدة زيي.. إنت عارف إنهم كانوا ممكن…”
مسك إيدك وحطها على صدره، عند موضع قلبه بالظبط. حسيتي بالدقات القوية والمظبوطة تحت كف إيدك.
”شايفة ده؟” قالها وهو بيبص في عينيكي مباشرة. “القلب ده كان واقف من سنين طويلة يا سما. كان مجرد مضخة بتضخ دم عشان أجري ورا الصفقات والنفوذ والحرب. اليوم اللي دخلتي فيه حياتي، قلبي ده بدأ يدق تاني.
إنتي مش مجرد واحدة.. إنتي النفس اللي بتنفسه، ولو كنت خسرتك النهاردة، سيف الدين اللي إنتي شايفاه ده كان هينتهي، وكان هيتحول لخراب ملوش أول ولا آخر.”
الخادمة دخلت وحطت الشنطة والمية الدافية ومشت في صمت. سيف أخد القطنة وبدأ ينضف الجـ,ـروح اللي على وشك وأيديكي بكل رقة. كان بيتحرك مع كل صرخة مكتومة تطلع منك، يوقف إيده فوراً ويبوس مكان الوجع بالراحة عشان يهديكي.
”آسف..” كان بيهمس بيها مع كل لمسة. “آسف إني سبتهم يلمسوكي.. آسف إني اتأخرت عليكي ربع ساعة.”
”إنت متأخرتش يا سيف..
إنت جيت في الوقت المناسب,” قلتيها وإنتي بتبصي في عينيه الثلجية اللي بدأت تلين شوية قدامك.
بعد ما خلص تنظيف جـ,ـروحك، لفك بالغطا كويس، وقام وقف عشان يغير قميصه الملطخ بالدم والمية. إنتي مسكتي طرف جيلبسه أو إيده بلهفة: “رايح فين؟ متسبنيش لوحدي..”
سيف بص لإيدك الماسكة فيه، وابتسامة دافية ظهرت على وشك لأول مرة من ساعات. رجع قعد جنبك على السرير، ورفع الغطا ودخل جنبك، واخدك في حضنه بالكامل. ريحته المميزة بتاعة السجاير الفاخرة والعطر الغالي كانت كفيلة إنها تطمنك وتبعد عنك أي كابوس.
”أنا هنا.. ومش هتحرك من جنبك,” همس في شعرك وهو بيشدك أكتر ليه.
“نامي يا سما.. ارتاحي.”
غمضتي عينيكي واستسلمتي للنووم العميق بعد أيام من السهر والخوف، وأنتي حاسة بأمان مفيش زيه في أحضان الراجل اللي العالم كله بيترعب من اسمه.
عدت ساعات، والشمس بدأت تطلع بالراحة وتسلل خيوطها الذهبية من بين الشتاير. سيف ما نامش ولا ثانية. كان قاعد ساندا ضهره على ظهر السرير، ومراقب ملامحك وهدوء أنفاسك وأنتي نايمة. كل ما كنتي بتقلقي أو تتحركي، كان بيمسح على ضهرك بالراحة لحد ما ترجعي تستغرق في النوم تاني.
فجأة، تليفونه اللي على التربيزة جنب السرير بدأ يهتز في صمت. سيف سحب التليفون بسرعة قبل ما الصوت يقلقك، وبص على الرقم.
كان رقم مشفر.
سحب إيده بالراحة من تحت راسك، وحط مخده بدالها، وقام وقف وخرج للبلكونة الكبيرة المطلة على الجنينة.
فتح الخط، وجاءه صوت راجل غريب، حاد ومحشرج، فيه نبرة تحدي مرعبة: “صباح الخير يا سيف بيه.. فاكر إن اللعبة خلصت لما أخدت البنت من المخزن؟”
سيف مسك سور البلكونة بإيد واحدة، وعينيه الثلجية تحولت فوراً لكتلة من الجليد الحارق: “إنت مين؟”
الراجل ضحك ضحكة قصيرة ومستفزة: “أنا اللي سبتك تاخدها.. عشان تعرف إنها مش آمنة في أي مكان، ولا حتى في حمايتك. افتح الصندوق اللي محطوط قدام باب الفيلا دلوقتي..
وهتفهم أنا أقصد إيه.”
الخط قطع.
سيف نزل التليفون من على أذنه، وجسمه كله اتشد. بص لورا ناحية الأوضة اللي إنتي نايمة فيها في أمان، وبعدين بص لتحت ناحية البوابة الرئيسية للمنزل.
تحت في الجنينة، عند البوابة الحديدية الضخمة، كان فيه صندوق خشب أسود صغير محطوط في النص، ومفيش أي أثر لأي عربية أو حد حطه.
سيف نزل على السلالم بسرعة ومن غير ما يعمل أي صوت، ورجالته اللي بره كانوا واقفين مستعدين. أشار لهم بإيده يفضلوا مكانهم، وقرب هو بنفسه من الصندوق. مسك المسدس بتاعه بإيده اليمين، وبإيده الشمال فتح غطا الصندوق الخشبي بالراحة.
جوه الصندوق، كانت فيه حاجة واحدة بس خلّت عيون سيف تتسع بذهول وغضب عارم…
ساعة إيد دهب قديمة، ملطخة بقطرات دم جديدة، وتحتيها ورقة مكتوبة بخط اليد باللغة العربية:
“اللعبة يلا بدأت يا سيف الدين.. والساعة دي بتاعتها إنتي عارفها كويس. قدامك 24 ساعة بس قبل ما الحقيقة كلها تتعرض قدامها.. اختار يا إما هي.. يا إما المنظمة.”
سيف بص للساعة الملطخة بالدم، وإيده اتقفلت عليها بقوة لحد ما صوابعه ابيضت. الساعة دي كانت ملك لأغلى حد في حياته.. حد كان فاكر إنه مات من عشر سنين.
سمع صوت خطوات هادية جاية من وراه على النجيل..
لف بسرعة ولقاكي واقفة عند باب الفيلا، لافة الروب حواليكي، وعينيكي الثلجية المتفاجئة بتبص له وللصندوق اللي في إيده بقلق: “سيف؟ إيه ده؟ فيه إيه بره؟”سيف قفل الصندوق بسرعة ببرود مرعب، وحط الساعة الملطخة بالدم في جيبه، وفي ثانية واحدة ملامح وشو اتغيرت ورجعت هادية كأنه كان بيقطف وردة من الجنينة مش بيستلم تهديد يهد الدنيا. مشي ناحيتك بخطوات ثقيلة وموزونة، وشال الشال اللي على كتفك وظبطه حوالين رقبتك عشان هواء الصبح البارد.
”مفيش حاجة يا قلب سيف..” قالها بصوت ناعم، بس عينيه كانت بتلمع بشعاع خطر. “شوية شغل قديم والرجالة بيخلصوه. إنتي إيه اللي صحاكي بدري كده؟
مش قايلك ترتاحي؟”
إنتي بصيتي في عينيه، وكان جواكي إحساس قوي إن فيه مصيبة المستخبي أتقل بكثير من اللي حكاه. مسكتي إيده اللي كانت ملمسها دافي، وسألتي بصوت مرعوش: “سيف.. إنت بتخبي عليا إيه؟ الورقة دي.. والصندوق ده.. إنت ملامحك اتغيرت في ثانية أول ما فتحته!”
ابتسم ابتسامة هادية جداً، بس الابتسامة دي كانت عاملة زي الغلاف الخارجي للقنبلة. مسك دقنك بأطراف صوابعه ورفع وشك ليه: “سما.. إنتي عارفة إن كلمة مني تقدر تقلب البلد دي بعاليها واطيها. محدش يقدر يمسك عليا نقطة ضعف غيرك، وطالما إنتي معايا وتحت ظلي، يبقى العالم كله يلعب تحت رجلينا.
متفكريش في حاجة، وادخلي جوه كملي نومك.”
قبل ما تلحقي تردي، تليفونه في جيبه اهتز تاني. المرة دي كانت نغمة خاصة، نغمة مبيستخدمهاش غير في حالات الطوارئ القصوى. سيف سحب التليفون، وبص على الشاشة، ولأول مرة من يوم ما عرفتيه، شفتي عرق في جبهته بيبرز من الغضب.
رد بصوت زي صير الجليد: “أنطق.”
صوت الراجل المبحوح من الناحية التانية جاء يضحك بتهكم: “شفت الساعة؟ عرفتها صح؟ فاكر إنك دفـ,ـنت الماضي من عشر سنين يا سيف الدين؟
البنت اللي جنبك دي لو عرفت إنت عملت إيه عشان توصل للمكانة دي، ولو عرفت مين اللي قتـ,ـل أبوها الحقيقي من عشر سنين.. تفتكر هتفضل واثقة فيك كده؟ قدامك لحد الساعة 12 بالليل.. يا تسلمني شحنة السـ,ـلاح والورق اللي معاك، يا أما الملف الكامل بحقيقة ‘سيف الدين’ هيكون على تليفونها.”
سيف ميردش بحرف، بس إيده التانية اللي ماسكة سور الباب الحديدي انضغطت لدرجة إن خشب الباب عمل صوت طقطقة. عينيه جات عليكِ، وكانت مليانة بمزيج يرعب من الحب الجارف والخوف المعتم.. الخوف الوحيد اللي يقدر يكسر راجل زيه.
الخط قطع، وسيف نزل التليفون بالراحة.
إنتي خطوتي خطوة ناحيته، ورجليكي مش شايلاكي من منظر عينيه: “سيف.. مين ده؟ وبابا إيه علاقته باللي بيحصل؟ إنت بتسكت ليه؟!”



