النور مكانش غايب تماماً، كان زي شبورة بيضا تقيلة بتتحرك قدام عينين سمر. حاسة بريحة ديتول ومعقمات نفاذة بتخرم مناخيرها، وصوت جهاز بتكتك بإيقاع منتظم جنب ودانها. جسمها كله كان تقيل زي المحجر، وأي محاولة عشان تحرك صباع واحد كانت بتكلفها مجهود جبار.
سحبت نفس طويل بالعافية، والمغص اللي في بطنها سمع في ظهرها كله زي السـ,ـكينة. فتحت عينها بالتدريج، السقف الأبيض المطفي والمغذي اللي متقعد في ايدها كان بيقول إنها في مستشفى. بس السؤال اللي كان بياكل في عقلها.. هي لسه عايشة ليه؟ ومين اللي لحقها؟
“سمر؟ أنتِ سامعاني؟”
الصوت مكانش غريب عليها.
تلفتت ببطء ناحية الصوت، شافت طارق، ابن عم سيف واليد اليمين له في كل الشغل، قاعد على الكرسي جنب السرير. وشه كان شاحب، وتحت عينيه هالات سودا بتقول إنه مانامش من أيام.
سمر حركت شفايفها المشققة بالعافية وهي بتحاول تطلع صوت: “الـ… العيل؟”
طارق نزل رسه في الأرض، ومسك ايدها بقلة حيلة. السكوت اللي ساد في الأوضة كان أتقل من أي إجابة. سمر غمضت عينها وجسمها بدأ يتنفض بالبكاء الصامت. النزيف مكانش مجرد دم بيسيل في الشارع، كان حياتها اللي بتتصفى.
ابنها اللي كانت بتحلم بيه، اللي كان هيغير كل حاجة وهيصلح الهدد اللي بينها وبين سيف، راح قبل ما يشوف النور.
“سيف فين؟” سألت وهي بتشهق، ورغم كل اللي عمله، كان لسه في حتة جواها مش قادرة تصدق إنه سابها تنزف ويمشي.
طارق اتنهد بصوت عالي وقام وقف، مشي ناحية الشباك وبص على الشارع تحت: “سيف فاكر إنك متّي يا سمر. لما هو مشي وسابك، أنا كنت ومستخبي في عربيتي بقالي فترة برقب الوضع من بعيد.. أنا اللي نزلت وشلتك وجريت بيكي على هنا. سيف قفل الملف ده خلاص، وبالنسبة له..
خـ,ـيانة ‘حسن’ ومـ,ـوته اتصفوا بدمك.”
“بس أنا مخنتش!” سمر صرخت بصوت مخنوق وهي بتحاول تقعد، الدموع نازلة على خدودها زي النار: “أنا والله العظيم ما عرفت حد حاجة! أنا عمري ما بصيت بره سيف ولا فكرت أؤذيه! ازاي صدق؟ ازاي السنتين اللي عشناهم سوا مكنش ليها أي لازمة عنده؟”
طارق لف لها، ونظرة عينيه كانت متغيرة.. فيها كمية غضب وشرارة غريبة سمر عمرها ما شافتها فيه قبل كده: “لأن الأدلة كانت متقفلة صح يا سمر. المكالمات اللي طلعت من تليفونك لرجالة ‘الجبلاوي’، الورق اللي اتلقى في درج مكتبك..
كل حاجة كانت بتقول إنك أنتِ المرشدة.”
سمر بصت له بذهول: “ورق إيه وتليفون إيه؟ أنا ماليش دعوة بـ ‘الجبلاوي’ ولا أعرفه!”
طارق قرب من السرير بالراحه، وبص في عينها بثبات يرعب: “أنا عارف إنك مالكيش دعوة.”
الكلمة نزلت على سمر زي الصاعقة. سكتت لحظة وهي بتحاول تستوعب: “أنت.. أنت عارف؟ يعني أنت عارف مين اللي خان سيف؟”
ابتسامة بطيئة وباردة اترسمت على وش طارق، ابتسامة غيرت ملامحه الهادية اللي سمر كانت تعرفها طول السنين اللي فاتت. رفع ايده وعدل لياقة جاكيتته وقال ببرود: “أنا اللي حطيت الورق في درجك..
وأنا اللي عملت المكالمات من تليفونك لما كنتِ بتسيبيه في الصالة.”
سمر اتسمرت مكانها، أنفاسها اتطعت، والدم اتجمد في عروقها. الكلام مكانش يترسخ في عقلها: “أنت؟ أنت يا طارق؟ ده حسن كان صاحبك وأخوك.. وسيف ابن عمك!”
“حسن كان عثرة في طريقي!” طارق زأر بصوت واطي بس يخوف، وقرب وشه منها: “سيف كان سايب كل حاجة لحسن، وأنا كنت مجرد الخدام اللي بينفذ الأوامر! السـ,ـلاح، الفلوس، المعاملات، كلها كانت بتروح لحسن وسيف بيثق فيه هو بس. كان لازم حسن يتشال من السكة. ولما سيف بدأ يدور ويفتش، كان لازم ألبّس التهمة لحد سيف بيحبه أكتر من نفسه..
عشان لما يعرف، يقـ,ـتلك أو يسيبك تمـ,ـوتي، ويلف الدائرة وتتقفل القضية، وأفضل أنا الحبيب المخلص اللي واقف جنبه!”
سمر كانت بتبص له وهي مش قادرة تتنفس، كمية الغدر والغل اللي طالعة من الراجل ده كانت مرعبة. “أنت بني آدم مريض.. سيف مش هيسيبك لو عرف.”
“وسيف هيعرف منين؟” طارق ضحك بصوت مكتوم: “سيف فاكر إنك تحت التراب. وأنا أخدتك من المستشفى دي باسم مستعار، ومفيش مخلوق يعرف إنك لسه عايشة. ودلوقتي..
بعد ما المحاولة الأولى لمـ,ـوتك ما كملتش، اعتقد إن الوقت جه عشان نقفل الصفحة دي خالص.”
طارق مد ايده في جيب جاكيتته وطلع سرنجة صغيرة فيها سائل شفاف. سمر عيونها اتسعت من الرعب، بدأت تتحرك لورا على السرير بكل قوتها، لكن المغص والضعف كانوا مكتفينها.
“بلاش تعملي دوشة يا سمر.. المـ,ـوتة دي هتبقى أرحم بكتير من اللي سيف كان هيعمله فيكي لو كان استنى.” طارق مسك ايدها الشمال بضغط شديد وهجم عليها عشان يغرس السرنجة في المحلول.
سمر صرخت بكامل قوتها، وبإيدها اليمين اللي كانت متثبت فيها الكانيولا، مسكت أزازة المية المليانة اللي كانت على التربيزة جنب السرير، وضربت بيها طارق بكل قوتها على دماغه.
الأزازة اتكسرت، وطارق اتقصع لورا وهو ماسك رأسه والدم بدأ يسيل منها. سمر ما ضيعتش ثانية واحدة، شدّت خرطوم المحلول من ايدها بعنف، الدم طرطش منها، بس الادرينالين كان عايش جواها. نزلت من على السرير وهي بتتطوح، وقفت على رجليها بالعافية وحفت على الباب.
طارق كان بيحاول يسترد توازنه وهو بيزعق وراها: “مش هتهربي يا سمر! والله ما هتقومي منها!”
فتحت باب الأوضة وخرجت تجري في طرقات المستشفى الاستثماري الهادية.
كانت حافية، ولابسة روب المستشفى الأبيض اللي اتبقع بدمها. الممرضات والدكاترة اتخضوا من منظرها وهي بتجري وتصرخ، بس هي ما وقفتش. نزل على السلالم زي المجنونة، ودقات قلبها كانت أسرع من الخوف نفسه.
خرجت من الباب الخلفي للمستشفى على الشارع الجانبي، المطر كان بينزل بغزارة في قاهرة الليل، والجو كان تلج. المية الساقعة نزلت على وشها ودموعها، ورجليها الحافية كانت بتلمس الأسفلت المبلول، بس هي كملت جري.
كانت عارفة إن طارق مش هيسيبها، وإن شبكته مالية المنطقة. هي دلوقتي ميتة بالنسبة للعالم كله، ومطلوبة من القـ,ـاتل الحقيقي. سيف فاكرها خاينة وشاف دمها، وطارق عايز يدفـ,ـن السر للأبد.


