منوعات

ثمن الحقيقه

بعد جري أكتر من نص ساعة في الشوارع المظلمة، رجليها ما بقتش شايلاها. وقعت على ركبتها جنب الحيطة في حارة ضيقة في منطقة باب الشعرية. المية كانت بتغرقها، والجرح اللي في بطنها بيصرخ من الوجع.
قعدت تسند رأسها على الحيطة وهي بتتألم، وفجأة شافت نور عربية بيقرب من مدخل الحارة. العربية هدّت، ونزل منها راجل ماسك شمسية سودا. الراجل ده مكانش غريب.. كان “عم صابر”، الراجل الكبير اللي كان شغال في ورشة أبو سيف زمان، الوحيد اللي كان بيحب سمر ويعتبرها زي بنته، والوحيد اللي سيف سابله خيط من برة عالم المافيا.

عم صابر قرب منها، وأول ما تسلط نور الفانوس على وشها، الشمسية وقعت من ايده بذهول: “سمر؟! يا لهوي يا بنتي.. أنتِ حية؟!”
سمر مسكت في جلابيته بدموع وحرقة: “عم صابر.. الحقني.. سيف عايش في كذبة.. وطارق هو اللي قـ,ـتل حسن.. طارق عايز يمـ,ـوتني..”
عم صابر شالها بسرعة ودخلها العربية قبل ما حد يشوفها، وطلع بيها على بيت صغير ومستخبي في أطراف الجيزة.
في نفس الوقت ده، في فيلا سيف الكبيرة في التجمع.
الهدوء كان يرعب. الفيلا كانت ضلمة، ومفيش غير نور القنديل الضعيف في الصالة.

سيف كان قاعد على الكنبة الجلد، ماسك كاس في ايده، وعينيه أحمر زي الدم. قدامه على التربيزة كان فيه سلسلة سمر الذهبية اللي كانت لابسها اليوم ده، ومبلولة بدمها.
سيف كان حاسس بناار بتاكل في صدره. هو انتقم، هو خد بحق صاحبه، بس ليه المشاعر دي مش عايزة تهدا؟ ليه صورة عينين سمر وهي بتبص له وتقول “ازاي قادر تكون بالقسوة دي؟” مش راضية تفارق عقله؟
الباب اتفتح، ودخل طارق، ورأسه عليها رباط أبيض ومغيار طبية.
سيف رفعت عينيه ببطء وبص له بصوت جاف زي الحطب: “إيه اللي جرحك كده يا طارق؟”
طارق اتنحنح وحاول يبان طبيعي:

“شوية مشاكل مع رجالة الجبلاوي في المينا يا سيف.. المهم، أنت عامل إيه؟”
سيف ما ردش، بص للسلسلة تاني وقال: “دفـ,ـنتوها فين؟”
طارق ارتبك للحظة، بس رد بسرعة: “في المقابر القديمة يا سيف.. زي ما أمرت. مفيش أثر لأي حاجة.”
سيف قام وقف ببطء، ومشي ناحية طارق. طوله الهيبة وحضوره المرعب كانوا يخلوا أي حد يترعب. وقف قدام طارق مباشرة، وبص في عينيه بقوة: “سمر كانت بتكره الدم يا طارق.. كانت بتترعب من صوت السـ,ـلاح. السلسلة دي كانت محطوطة على رقبتها، لما مسكتها النهاردة.. حسيت إن فيه حاجة غلط.”
طارق بلع ريقه بالعافية: “غلط إيه يا سيف؟

الأدلة كانت واضحة.. تليفونها، الورق..”
“أنا ما بتكلمش عن الأدلة!” سيف صرخ بصوت هز الفيلا كلها، ومسك طارق من لياقة جاكيته بعنف: “أنا بتكلم عن نظرتها! النظرة اللي في عينها مكانتش نظرة خاينة اتكشفت.. كانت نظرة مظلوم بيتذبح! أنت متأكد إن الورق ده كان في درجها هي؟ متأكد إن المكالمات دي طلعت من تحت ايدها؟”
طارق حاول يحافظ على ثباته: “أنا شوفت الورق بنفسي يا سيف! أنت بتشك فيا أنا؟ أنا اللي واقف جنبك بعد ما حسن مات!”
سيف سابه بعنف، ولف ظهره وهو بيمسح على وشه بإيده: “غور من وشي دلوقتي يا طارق..

سيبني لوحدي.”
طارق خرج بسرعة، وعينيه فيها قلق قـ,ـاتل. كان عارف إن سيف لو بدأ يشك، الخيط هيروح له، وكان لازم يتأكد إن سمر مادتش لأي حد فرصة يتكلم.
تمر أسبوعين..
في البيت القديم في الجيزة، سمر كانت بدأت تسترد جزء من عافيتها الجسدية، بس روحها كانت متكسرة. الجرح اللي في بطنها التأم، بس جرح قلبها كان بيتقيح. عم صابر كان بياخد باله منها، وجاب لها دكتورة من طرفه عالجتها من غير ما تسجل أي بيانات.
“يا بنتي.. السكوت ده مش هيحل حاجة.” عم صابر قالها وهو بيحط كباية الشاي قدامها على التربيزة:

“سيف دلوقتي قاعد في ناره، وطارق بيوسع في شغله وبياخد مكان حسن ومكانك في كل حاجة.”
سمر بصت من الشباك على الغيط الأخضر الممتد قدامها: “سيف هان عليا يرفع عليا السـ,ـلاح يا عم صابر.. سيف صدق إني خاينة من غير ما يسمعني.”
“سيف كان أعمى بالغضب يا سمر.” عم صابر اتنهد: “حسن بالنسبة له مكنش مجرد صاحب، ده كان ضهره. وطارق استغل اللحظة دي ولعب بالبيضة والحجر. بس أنتِ لازم تاخدي حقك.. وحق ابنك اللي مات في بطنك.”
سمر حطت ايدها على بطنها، وعينيها تحولت من الضعف للصلابة.

الفكرة دي بالذات، فكرة إن طارق هو اللي حرمها من طفلها وهو اللي خلى سيف يبقى قاطع طريق، شعلت جواها نار مش هتهدا غير لما تاخد حقها.
“أنا مش هرجع لسيف يا عم صابر..” سمر قالت بصوت متزن وبارد لأول مرة: “أنا هرجع عشان أنهي طارق.. وسيف ساعتها خليه يعيش مع عذابه لما يعرف إنه هو اللي قـ,ـتل ابنه بيديه.”
بدأت سمر تتواصل مع واحد من السرية القديمة اللي كانوا بيشتغلوا مع أبوها زمان قبل ما يمـ,ـوت، راجل اسمه “البرنس”، كان خبير في التكنولوجيا وفي تفكيك شفرات المكالمات.

البرنس كان مدين لأبو سمر بحياته، ولما عرف اللي حصل، وافق يساعدها من غير ما يتردد.
قدر البرنس واخترق تليفون طارق، وبدأوا يسجلوا كل مكالماته. وبعد أيام من المراقبة، لقوا الكنز: تسجيل بصوت طارق وهو بيكلم “الجبلاوي” بنفسه، وبيفق معاه على التسليمة الجاية اللي هيحضرها سيف، وكانوا مرتبين يخلصوا من سيف فيها خالص عشان طارق يمسك السوق كله.
في التسجيل، طارق كان بيضحك وبيقول للجبلاوي: “سيف خلاص مغفل.. فاكر إن البت هي اللي بلغت عن حسن، ودلوقتي قفلنا ملفها وهي تحت التراب.

التسليمة الجاية في مخازن العين السخنة هتكون نهايته، والشرطة هتوصل في الوقت المضبوط عشان تمسح الأثر.”
سمر وهي بتسمع التسجيل، ايدها كانت بترتعش من كتر الغضب. الراجل ده مكانش مجرد خاين، ده كان مصيبة متحركة.
“التسليمة بكرة بليل يا أبلة سمر.” البرنس قال وهو بيقفل اللابتوب: “هنعمل إيه؟ نبعت التسجيل ده لسيف؟”
سمر بصت له بثبات: “لا.. لو بعتنا التسجيل، سيف هيقـ,ـتل طارق في ساعتها، وطارق هيطلع بره الملعوبة كأنه ضحية جديدة. أنا عايزة سيف يشوف ويسمع بعينيه في قلب الموقف.. عايزة المواجهة تبقى لايف.”
ليلة التسليمة.. في مخازن المهجورة بالعين السخنة.

الجو كان هس هس، وصوت أمواج البحر البعيدة كان يترد في المكان. العربيات الجيب المصفحة كانت واقفة في شريط منتظم، ورجالة سيف مسـ,ـلحين كعادتهم واقفين في كل زاوية.
سيف كان واقف لابسة جاكيت جلد أسود، ماسك سجارة وبينفخ دخانها في الهواء الساقع. وشه كان أشد قساوة من الأول، عيونه بقوا فاضيين من أي رحمة. جنب منه كان واقف طارق، عمال يبص في ساعته بقلق مستني وصول رجالة الجبلاوي.. ومستني الشرطة اللي بلّغها عشان تقتحم المكان وتنهي سيف.
فجأة، كشافات عربية واحدة نورت المكان من بعيد. العربية قربت ببطء لحد ما وقفت على بعد خطوتين من سيف وطارق.

سيف حط ايده على جراب مسـ,ـدسه: “مين ده يا طارق؟ مش دي عربية الجبلاوي.”
باب العربية اتفتح. ونزلت منه واحدة لابسة عباية سودا وطرحة مغطية نص وشها. خطت خطواتها ببطء وثبات فوق التراب، وكل ما تقرب، النور كان بيكشف ملامحها.
طارق أول ما شافها، عيونه اتسعت برعب، والمسدس وقع من ايده على الأرض: “سـ.. سمر؟!”
سيف اتسمر مكانه. السجارة وقعت من بين صوابعه. حاسس إن العالم حاب يلف بيه، وإن العقل طار منه. الرؤية قدامه اتلخبطت: “سمر؟ أنتِ.. أنتِ عفريت ولا إيه؟”
سمر نزلت الطرحة من على وشها، وبصت لسيف بنظرة كبرياء ووجع يهد جبال:

“أنا الحقيقة اللي أنت دفـ,ـنتها يا سيف.. أنا اللي أنت سبتها تنزف في الزقاق وخنتها من غير ما تسمعها.”
سيف خطى خطوة ناحيتها وهو مش مصدق، ايده كانت بترتعش: “أنتِ.. أنتِ عايشة؟ إزاي؟”
“عايشة عشان أوريك الغشاوة اللي كانت على عينك!” سمر صرخت، وطلعت من جيبها سماعة سبيكر صغيرة، وداست على زرار التشغيل.
صوت طارق رن في المكان كله، ماليا مخازن العين السخنة: “سيف خلاص مغفل.. فاكر إن البت هي اللي بلغت عن حسن، ودلوقتي قفلنا ملفها وهي تحت التراب. التسليمة الجاية في مخازن العين السخنة هتكون نهايته…”
السكوت اللي ساد بعد الصوت كان يرعب.

سيف لف رقبته ببطء شديد ناحية طارق. الملامح اللي كانت على وش سيف في اللحظة دي مكانتش ملامح غضب.. كانت ملامح شيطان اتصحى من النوم.
طارق بدأ يرجع لورا بخوف قـ,ـاتل، وهو بيرفع ايديه: “سيف.. استنى.. والله الصوت ده متفبرك! ده الذكاء الاصطناعي! صدقني يا سيف!”
“فبركة؟” سمر ضحكت بمرارة: “والورق اللي حطيته في درجي كان فبركة؟ والسرنجة اللي جيتلي بيها المستشفى عشان تخلص عليا بعد ما طارق نجدني كانت فبركة؟ والطفل.. ابن سيف اللي نزل مني في الشارع بسببك وبسببه.. ده كمان كان فبركة؟!”
الكلمة دي.. “ابن سيف”.. نزلت على سيف زي قنبلة دمرت كل بنيانه.

سيف بص لسمر بصدمة تمـ,ـوت: “ابني؟ أنتِ.. أنتِ كنتِ حامل؟”
سمر هزت رأسها والدموع بتنزل من عينها بثبات: “كنت حامل في ابنك اللي كنت جاية أفرحك بيه اليوم ده.. بس أنت اديتني رصاصة الشك، وطارق كمل عليا.”
سيف صرخ صرخة هازت المكان، وفي ثانية واحدة كان ساحب مسدسه ورافعها على دماغ طارق. طارق وقع على ركبته وهو بيصرخ وبيبكي: “ابوس ايدك يا سيف! أنا أخوك! أنا ابن عمك! الشيطان غواني!”
“حسن كان أخويا..” سيف قالها بصوت هادي وميت، صوت أبرد من التلج: “وابني اللي مات كان حته مني..

وأنت غدرت بالاتنين.”
قبل ما سيف يضغط على الزناد، صوت سرينات الشرطة بدأ يرن في كل حتة، والكشافات الزرقا والحمرا غطت المكان كله من برة. الجبلاوي كان بلّغ خلاص، والشرطة محاصرة المخزن من كل جهة.
“ارمِ السـ,ـلاح يا سيف! المكان محاصر!” صوت المكبرات الصوتية يرن من برة.
طارق استغل اللحظة وضحك بحستريا: “الشرطة برة يا سيف! لو قتـ,ـلتني هتروح في داهية! اللعبة خلصت!”
سيف بص لطارق، وبعدين بص لسمر اللي كانت واقفة تبص له بعينين مليانة عتاب ووجع ومشاعر مالهاش حصر.
سيف حط المسدس في وسطه، وقرب من سمر بخطوات بطيئة.

وقف قدامها، والدموع لأول مرة في حياته تنزل من عينيه: “سامحيني يا سمر.. أنا قـ,ـتلت نفسي اليوم اللي سبتك فيه.”
سمر بصت له وقالت ببرود: “المسامحة دي عند ربنا يا سيف.. أنا جيت هنا بس عشان أوريك الحقيقة.. وعشان أقولك إن سمر القديمة مـ,ـاتت في الشارع ده.”
سيف لف لرجالتوه وزعق بصوت هز المكان: “سلموا نفسكم للشرطة! ومحدش يضرب طلقة واحدة!”
وبعدين مسك طارق من قفاه بعنف وشده معاه، وخرج بيه لبرة تحت كشافات الشرطة.

سيف رفع ايده ورا رأسه وهو ماسك طارق، وسلم نفسه وضحي بكل إمبراطوريته وشغله اللي بناه، بس عشان يدخل السجن وطارق معاه في نفس الزنزانة.. وياخد حقه منه كل يوم جوة السجن.
سمر كانت واقفة برة، بتشوف عربيات الشرطة وهي بتاخد سيف وطارق. سيف وهو بتركب عربية البوكس، لف وشه وبص لسمر آخر بصة.. بصة انكسار وحسرة مش هتتفارق عقله طول عمره.
العربيات مشيت، وسابوا سمر واقفة لوحدها تحت المطر اللي بدأ ينزل تاني.
سمر مسحت دموعها، وعدلت شالها على كتفها. كانت عارفة إن الصفحة دي اتطوت للأبد. مشيت ناحية عربيتها، وفتحت الباب وقعدت.

وهي بتدور العربية، تليفونها رن برقم غريب مش مسجل.
سمر فتحت الخط وحطت التليفون على ودنها ببطء: “ألو؟”
صوت غريب وبارد، بس متزن وجاد جاء لها من الناحية التانية: “مساء الخير يا أنسة سمر.. الجبلاوي بيسلم عليكي، وبيقولك إن اللعبة مخلصتش بقدوم الشرطة.. سيف اتسجن، بس الشغل الكبير لسه بادئ، وأنتِ بقيتي الطرف الوحيد اللي يعرف أسرار الخزنة.”
سمر اتجمدت مكانها، عيونها اتسعت وهي بتسمع الصوت اللي كمل ببرود: “قدامك 24 ساعة ترجعي الورق اللي سيف شاله عندك.. وإلا اللي حصل لابنك.. هيحصل لكل حد باضلِك في الدنيا دي.”
الخط اتقفل..

وسمر فضلت ماسكة التليفون وايدها بترتعش، ونور الشاشة بيعكس نظرة الرعب والذهول اللي ظهرت في عينها من جديد.صوت الهوا برة العربية كان بيدور زي الصفارة، والنفس خرج من سمر كأنه دخان في الساقعة. التليفون كان لسه في ايدها، والشاشة بتطفي وتنور بصوت التكة الثواني اللي بتمر.
24 ساعة.
الجبلاوي فاكر إنها الضلع الضعيف، الفريـ,ـسة السهلة اللي سيف سابها وراه بعد ما الإمبراطورية وقعت. بس الجبلاوي ميعرفش إن الست اللي اتذبحت واتسرق منها ضناها في الشارع، مابقاش عندها حاجة تخاف تضيعها.
سمر حطت التليفون على الكرسي اللي جنبها، وداس بنزين.

العربية طلعت تجري على طريق السخنة السريع، والأوار العالية بتاعت عربيات النقل كانت بتكسر الضلمة كل شوية.
“خزنة سيف…” همست لنفسها وهي بتبص في المراية.
سيف مكنش بيثق في حد، ولا حتى في طارق. وقبل المشاكل دي كلها بكسر شهر، لما كانوا لسه في عز الهدوء، سيف ساب معاطفها القديمة في الشقة الصيفية في العجمي، وحط في جيب واحد منهم مفتاح صغير وشريحة مشفرة، وقالها: “دي أمانتك يا سمر.. لو حصلتلي حاجة في يوم من الأيام، الشريحة دي تشتري بيها حياتك أو تدفـ,ـني بيها الكل.”
مكانتش فاهمة قصده وقتها، بس النهاردة الصورة اكتملت.

الشريحة دي مش بس فيها أسرار الشغل، دي فيها أسماء الحيتان الكبار اللي الجبلاوي شغال لحسابهم.. واللي لو اتكشفت، الجبلاوي ونظامه كله يروحوا في وراء الشمس.
وصلت سمر على الجيزة قبل الفجر بساعة. نزلت عند بيت عم صابر القديم، كانت الأضواء مطفية والمكان هادي زيادة عن اللزوم. أول ما حطت ايدها على أكرة الباب، لقت الباب موارب.
قلبتها وقعت في رجليها.
زقت الباب ببطء، ونور الشارع الضعيف دخل الصالة. عم صابر كان قاعد على الكرسي الخشب، وشه للأرض، وايديه مربوطة لورا.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى