منوعات

ثمن الحقيقه

“عم صابر!” سمر جرت عليه بلهفة، بس أول ما قربت ورفعت وشه، شافت الدم نازل من دماغه، ونفسه كان طالع بالعافية.
فتح عينيه بصعوبة، وشفايفه كانت بترتعش: “سمر.. يا بنتي.. جوم هنا.. دوروا على حاجة.. سألوا عنك..”
سمر دموعها نزلت وهي بتحاول تفك الحبل: “عملوا فيك إيه يا راجل يا طيب؟ مين اللي جه؟”
“رجالة الجبلاوي..” عم صابر قال بصوت متقطع: “أنا ما جولتِش حاجة.. بس هما عارفين إنك راجعة.. اطلعي من هنا يا سمر.. اطلعي واجري..”
سمر مسكت ايده بقوة: “مش هسيبك يا عم صابر، هطلب الإسعاف دلوقتي.”
“مفيش وقت!” صرخ بصوت ضعيف بس قاطع:

“لو الإسعاف جت، هتوصل معاهم رجالة الجبلاوي! سيف في السجن يابنتي، وطارق هناك معاه، بس الحيتان الكبار طلقوا كلابهم برة. اطلعي على العجمي.. هاتي الحاجة.. وانقذي نفسك!”
عم صابر أغمى عليه من التعب والنزيف. سمر جرت على التليفون الأرضي، طلبت الإسعاف وسابت عنوان البيت بالتفصيل من غير ما تقول اسمها، وخرجت تجري من الباب الخلفي قبل ما حد يلمحها.
العجمي.. الساعة 7 الصبح.
الشرق كان بدأ ينور بنور برتقالي باهت، وصوت البحر كان عالي ومجنون. سمر كانت لابسة نضارة سودا وزعبوط العباية مغطي رأسها.

مشيت بين الشوارع الجانبية لحد ما وصلت للفيلا الصغيرة اللي كانت بتجمعها بسيف في الإجازات.
المكان كان مهجور ومقفول بالجنزير، بس سمر كانت حافظة المدخل السري من الجنينة الوراانية. دخلت الشقة، ريحة الرطوبة والبحر كانت مالية المكان. جرت على الدولاب القديم في أوضة النوم، وسحبت الجاكت الجلد التقيل بتاعها.
فتحت الجيب الداخلي.. صوابعها لمست المفتاح والشريحة الصغيرة الملفوفة في بلاستيك.
“أخيراً…”
فجأة، صوت حركة برة في الصالة كسر الهدوء.
سمر اتجمدت مكانها. مسكت المفتاح والشريحة وقفت ورا الباب.
صوت خطوات جزمة تقيلة بتمشي على السيراميك، وصوت سحب أجزاء مسـ,ـدس بارد يقطع النفس.

“عارف إنك جوة يا سمر..” صوت الراجل اللي كلمها في التليفون رن في الصالة، صوت جاف ومفيش فيه أي رحمة: “الجبلاوي قاللي إنك ذكية، بس مش للدرجادي. فاكرة إن العجمي مستخبي؟ أحنا مراقبين كل أملاك سيف من لحظة ما اتسجن.”
سمر كانت بتتنفس من مناخيرها ببطء، عينها جت على فازة رخام تقيلة محطوطة على الكومودينو جنب الباب.
الراجل قرب من أوضة النوم، وبط طرف المسدس زق الباب بالراحة.
أول ما الباب اتفتح ونزل خطوته جوة الأوضة، سمر هجمت عليه بالفازة بكل ما فيها من قوة وعنف وغل.
الضربة جت في وشه مباشرة.

الراجل اتقصع لورا وهو بيصرخ، والمسدس طار من ايده على الأرض. سمر ما استنتش، زقته بكل قوتها وقع على السرير، وجرت على المسـ,ـدس شالته من على الأرض، ورفعت السـ,ـلاح في وشه وهي ايدها بتترتعش بس عينها مليانة نية قتـ,ـل.
الراجل كان ماسك مناخيره اللي بتنزف، وبص لها بذهول: “أنتِ.. أنتِ فاكرة نفسك هتعرفي تطلعي من الملعوبة دي؟”
“اقفل بقك!” سمر صرخت بصوت هز الأوضة، والزناد كان تحت صباعها: “انزل على ركبتك واطلع برة الفيلا قدامي!”
الراجل قام ببطء وهو رافع ايديه، بيضحك بمرارة: “حتى لو قتـ,ـلتيني يا سمر، الجبلاوي زانق سيف جوة السجن.

عارفة التخشيبة اللي هو فيها دلوقتي؟ طارق مش لوحده هناك.. رجالة الجبلاوي ماليين العنبر. لو الشريحة دي ما وصلتلكش خلال ساعتين.. سيف يتذبح جوة السجن وتطلع حادثة تصفية حسابات بين مساجين.”
الكلمة نزلت على سمر زي المية الساقعة.
سيف.. رغم كل اللي عمله، رغم الرصاصة اللي اترفت، رغم الجنين اللي راح.. سيف هو الوحيد اللي عارف الحقيقة، والوحيد اللي دفع تمن غباوه.
“كلم الجبلاوي..” سمر قالت بصوت متزن وبارد زي السم.
الراجل اتفاجئ: “إيه؟”
“طلع تليفونك.. وكلم الجبلاوي حالاً.”
الراجل طلع التليفون بايد بترتعش، وطلب الرقم وفتح السبيكر.

صوت الجبلاوي الفخم العالي جاء من السماعة: “عملت إيه يا عاطف؟ جبت الشريحة؟”
سمر قربت من التليفون، وقالت بنبرة حادة وواثقة ترهب: “الكتكوت بتاعك تحت جزمتي يا جبلاوي.. والشريحة معايا.”
السكوت ساد من ناحية الجبلاوي لثواني، وبعدين ضحك بصوت عالي: “يا هلا بمرمورة سيف.. صوتك كبر يا بنت.”
“الشريحة دي فيها أسماء عمليات المينا، وأرقام حسابات دبي، والتسجيلات اللي بينك وبين طارق عشان تصفوا سيف وحسن.” سمر قالت بجمود: “لو سيف جراله خدش واحد جوة السجن، أو لو عم صابر جرى له حاجة.. الملفات دي كلها هتوصل للنيابة العامة وللصحافة في نفس الدقيقة.

البرنس جاهز يرفع كل حاجة على النت.”
الجبلاوي نبرة ضحكته اختفت تماماً، وصوته بقى واطي ومرعب: “أنتِ بتلعبي بالمـ,ـوت يا سمر.”
“أنا مـ,ـوتّ خلاص يا جبلاوي!” سمر صرخت: “أنا مابقاش عندي حاجة أخسرها! ابنك وطارق وسيف والنعيم اللي كنتوا عايشين فيه.. أنا مستعدة أهد المعبد على اللي فيه! التسليمة هتكون النهاردة الساعة 12 بالليل في الملاحة القديمة في الإسكندرية.. قدام الشريحة، سيف يطلع برة عنبر التصفية ويتحط في أمان، وطارق ينزل الورشة قدام عين سيف.”
الجبلاوي اتنهد بصوت ثقيل: “ولو رفضت؟”
“لو رفضت..

هتشوف صورتك وصوتك على كل شاشات مصر بكرة الصبح.”
سمر قفلت الخط في وشه، وبصت للراجل عاطف اللي كان واقف مرعوب. ضربته بظهر المسدس على رأسه وقع فاقد الوعي.
سحبت مفاتيح عربية عاطف، وخرجت من الفيلا وهي ماسكة الشريحة في ايدها.
الساعة 11:30 بالليل.. الملاحة القديمة، الإسكندرية.
المكان كان عبارة عن أرض ملاحة مهجورة، ريحة الملح والزنخ مالية الجو، والمية المالح بتعكس نور القمر الفضي.
عربية الجبلاوي السودا الفخمة كانت واقفة، وحواليها أربع عربيات جيب مليانة رجالة مسلحين.
سمر نزلت من عربيتها لوحدها.

كانت لابسة جاكت أسود، وايدها في جيبها ماسكة الفلاشة اللي نسخت عليها الشريحة.
الجبلاوي نزل من العربية. راجل في الستينات من عمره، شعره أبيض، ووشه فيه ندبة قديمة، ماسك عصايا في ايده وبيمشي بثبات.
“شجاعة.. مش هأنكر.” الجبلاوي قال وهو بيقرب منها: “سيف كان محظوظ بيكي يا سمر.. بس للأسف، الغضب كان أعمى من الحب.”
“هات التليفون..” سمر قالت ببرود: “عايزة أسمع صوت سيف وأتأكد إنه في أمان قبل ما تاخد الشريحة.”
الجبلاوي أشر لواحد من رجالته، طلع تليفون وطلب رقم جوة السجن، واداه لسمر.
سمر حطت التليفون على ودنها.

صوت سيف جاء، بس مكانش صوت الراجل القوي القاسي بتاع زمان.. كان صوت راجل مكسور، مجهد، وبينهج: “سمر؟.. أنتِ إيه اللي بيجيبك هنا؟ اطلعي برة اللعبة دي يا سمر! الجبلاوي هيقـ,ـتلك!”
“سيف..” سمر قالت بنبرة هادية بس مليانة شجن: “أنت كويّس؟”
“أنا أكلت ضرب لما شبعت جوة..” سيف قال بصوت مخنوق: “طرق اتقطع جوة العنبر النهاردة يا سمر.. خد حقه وحق حسام وحق ابننا.. بس أنتِ مالكيش دعوة بالناس دي! هاتي الشريحة واجري!”
سمر اتنهدت وقالت بصوت واطي: “أنا عملت اللي عليّا يا سيف.. حق ابننا رجع، والحقيقة بانت.”
قفلت السكة، ورمت التليفون للجبلاوي.

طلعت الشريحة من جيبها ورفعتها في الهواء: “الشريحة اهي.. سيبني أمشي.”
الجبلاوي ابتسم ابتسامة صفرا، ورفع ايده لرجاله: “أنا اديتك كلمتي إن سيف هيفضل عايش جوة السجن.. بس أنا ما وعدتكِش إنك أنتِ هتخرجي من الملاحة دي حية.”
في اللحظة دي، رجالة الجبلاوي رفعوا سـ,ـلاحهم كلهم ووجهوه ناحية سمر.
سمر ما خافتش.. بل بالعكس، ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت ريموت صغير من جيبها التاني.
“أنا عارفة إنك مالكش أمان يا جبلاوي..” سمر قالت بثبات يرعب: “عشان كده أنا مابعتّش الملفات للصحافة.. أنا بعتّ موقعنا ده حالا للعمليات الخاصة بالتلفزيون البث المباشر ولرئيس مباحث الإسكندرية..

والشريحة دي مجرد بلاستيك فاضي.. الشريحة الأصلية مع النيابة العامة من ساعة كاملة.”
أصوات سرينات الحاكم والشرطة بدأت ترن من كل الاتجاهات، أضواء العربيات المصفحة قطعت ضلمة الملاحة، وصوت طيارات الهليكوبتر ظهر في السماء فوق رأسهم مباشرة.
“المكان محاصر بالكامل! حطوا السـ,ـلاح على الأرض واخرجوا بايديكم مرفوعة!”
الجبلاوي عيونه اتسعت برعب، والعصايا وقعت من ايده: “أنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟!”
الرجالة بدأوا يجرو ويرموا السـ,ـلاح، والشرطة اقتحمت المكان في ثواني، وألقت القبض على الجبلاوي وكل شبكته في أكبر عملية ضبط لسوق السـ,ـلاح في تاريخ الإسكندرية.

سمر كانت واقفة في وسط المعمعة دي كلها، الهوا المالح بيخبط في وشها، والضوء الأبيض بتاع الكشافات غمرها.
بعد ستة أشهر..

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى