منوعات

ثمن الحقيقه

أمام باب سجن طرة.
الشمس كانت طالعة دافية في يوم شتا هادي. باب السجن الصاج الكبير اتفتح، وخرج منه سيف.
كان خاسس بكتير، دقنه كبرت وفيها شعر أبيض، ولابسة بدلة السجن الزرقا القديمة، بس عينيه كانت صافية لأول مرة من سنين. أخد إخلاء سبيل بعد ما المحكمة أثبتت إن قضيته الأولى كانت ملعوبة، وحُكم عليه بفترة قصيرة عن الشغل القديم وانتهت.
سيف وقف قدام باب السجن، وبص حواليه.
على بعد خطوتين، كانت واقفة عربية صغيرة، وسندة عليها سمر.
كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها يتطاير مع الهوا، عيونها بتلمع بس مفيش فيها أي كره ولا أي حقد..

كان فيها بس سلام صامت.
سيف قرب منها بخطوات بطيئة، كأنه خايف يلمسها تطلع حلم وتختفي. وقف قدامها، ونزل رسه للأرض: “سمر.. أنا مش عارف أقولك إيه.. ولا عارف إزاي أبص في عينيكي.”
سمر بصت له بالراحة، وقالت بصوت هادي زي نسيم البحر: “متجولش حاجة يا سيف.. اللي فات مات، والدم اللي نزل مش هيرجع تاني.”
سيف رفع عينيه وبص لها بلهفة: “هنرجع؟ هنبدأ من جديد؟”
سمر ابتسمت ابتسامة حزينة، وهزت رأسها بنفي: “لا يا سيف.. أنا جيت هنا بس عشان أتاكد إنك خرجت بالسلامة، وعشان أقفل الصفحة دي للآخر.”
سيف حاسس بكتمة في صدره:

“يعني إيه؟”
“يعني كل واحد فينا لازم يدور على روحه اللي ضاعت..” سمر فتحت باب عربيتها، وقبل ما تركب، لفت له وقالت: “أنا سامحتك يا سيف عشان أعرف أعيش.. بس أنا مش هقدر أنسى.”
ركبت سمر العربية، ودورنت الموتور، وطلعت بيها في طريق القناطر المفتوح، وسابت سيف واقف قدام باب السجن، بيتفرج على عربيتها وهي بتبعد وتختفي في أفق الطريق.
سيف اتنهد نفس طويل، وسحب سجارته الأخيرة، ونظر للسماء.
وفي اللحظة دي، تليفون سمر اللي على الكرسي جنبها رن بنغمة رسالة جديدة..
فتحت الشاشة وهي بتسوق، ورسالة من رقم مجهول ظهرت:

“الجبلاوي مات جوة مستشفى السجن النهاردة.. بس الملف اللي بعتيه للنيابة، فتح باب خزنة أخت الجبلاوي في دبي.. وهي بتسأل عنك بالاسم يا سمر.”
سمر بصت للرسالة في المراية، وابتسامة غامضة اترسمت على شفايفها وهي بتزود بنزين وتختفي بين خطوط الطريق.الرسالة فضلت منورة على شاشة التليفون، وصوت الموتور كان النغم الوحيد في طريق القناطر الهادي. سمر مكانتش خايفة؛ الخوف اتدفـ,ـن اليوم اللي فقدت فيه طفلها في زقاق مضلِم.
قفلت التليفون ورمته في الكرسي اللي جنبها، وركزت في الطريق. كانت عارفة إنها لو فضلت تهرب، الدائرة مش هتتقفل، والحيتان الكبار هيعوزوا يمسحوا أي خيط يوصلهم بالماضي.

بعد ساعتين، كانت سمر واقفة قدام العمارة القديمة في وسط البلد، العمارة اللي فيها مكتب “البرنس”. طلعت السلالم الرخام المتهالكة ودخلت الشقة. البرنس كان قاعد ورا شاشاته، أول ما شافها قام وقف بذهول: “سمر؟ أنتِ لسه في مصر؟ أنا فاكرك سافرتِ!”
سمر قعدت بثبات وقالت ببرود: “أخت الجبلاوي فتحت ملف دبي.. وعايزة توصل لي.”
البرنس بلع ريقه وقال: “الست دي اسمها ‘نجوى الجبلاوي’.. ألعن من أخوها بكتير.

دي اللي ماسكة الإمبراطورية المالية كلها من دبي، ولو حطتك في دماغها مش هتهدا.”
“عشان كده لازم أسبق بخطوة،” سمر ردت بثبات، “الشريحة اللي كانت مع سيف كان فيها شفرة الحسابات المغلقة.. نجوى مش عايزة تقـ,ـتلني يا برنس، نجوى محتاجاني عشان الشفرة دي هي الوحيدة اللي تفتح لها ملايين الجبلاوي المجمدة.”
في نفس الوقت، سيف مكانش قادر يسيب سمر تواجه المصير ده لوحدها. خرج من السجن ومعهوش غير هدمته وكرامته المكسورة، بس خبر مـ,ـوت الجبلاوي والتحركات الجديدة لوصلت له عن طريق معارفه القدام خلت الدم يغلي في عروقه.

كان عارف إن سمر في خطر، وإن المرة دي الخطر أشد وألعن.
سيف وصل للبرنس بعد ما تتبع خيوط قديمة، وفتح باب الشقة فجأة. سمر اتفاجئت بيه واقف قدامها، شكله متغير.. الضعف اختفى وحل محله إصرار راجل معندوش حاجة يخسرها غير حبيبته.
“أنا مش هسيبك لوحدك المرة دي يا سمر،” سيف قالها بصوت قاطع، “لو المـ,ـوت جاي، يبقى ييجي ليا أنا الأول.”
سمر بصت له بلحظة صمت، وبعدين هزت رأسها: “الشغل المرة دي مش بالسـ,ـلاح يا سيف.. الشغل هنا،” وشاورت على دماغها.
اتفقوا الثلاثة على خطة واحدة؛ استدراج نجوى الجبلاوي لمصر بنفسها.

البرنس بعت شفرة وهمية ومفتوحة جزئياً لحسابات دبي من تليفون سمر، مع رسالة واحدة: “عايزة بقية الشفرة؟ تقابليني في قصر الجبلاوي القديم في الفيوم.. لوحدك.”
الطعم كان مغري جداً بالنسبة لنجوى، ملايين دولار كانت محبوسة ومستنية الزرار اللي يفكها.
ليلة المواجهة.. قصر الجبلاوي في الفيوم.

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى