منوعات

مجرد طالبه

قالوا عليها مجرد طالبة… لحد ما الطيارين وقعوا و300 راكب بقوا تحت إيدها
صوت المضيفة كان بيـ.ـرتعش وهو طالع من سماعات الطيارة، على ارتفاع أكتر من 30 ألف قدم. — «هل فيه أي طيار موجود بين الركاب؟» ثواني… والطيارة كلها سكتت. ولا نفس اتسمع. وبعدين جه النداء التاني، بس المرة دي صوت المضيفة كان واضح فيه الرعـ.ـب: — «من فضلكم… لو فيه أي حد عنده خبرة في الطيران، ييجي فورًا على الكابينة. الطيارين الاتنين فقدوا الوعي.»

حوالي 300 راكب بصّوا لبعض. كل واحد مستني التاني يتحرك. بس محدش قام. في الكرسي 34C، كانت نورهان عبدالسلام، بنت عندها 19 سنة، ماسكة في مسند الكرسي لدرجة إن ضوافرها غرست في إيدها. هي كانت بتعرف تطير. مش الطيارة دي تحديدًا. ومش بشكل رسمي. لكنها كانت فاهمة كويس جدًا معنى إن الطيارين الاتنين يبقوا فاقدين الوعي. وعارفة إن حياة 300 بني آدم دلوقتي ممكن تكون متعلقة بأي حد يعرف يتصرف.

والأغرب؟ قبل تلات ساعات بس، راجل غريب في المطار كان بيضحك عليها لما قالت له إنها نفسها تبقى كابتن طيارة. كانت نورهان قاعدة جنب بوابة السفر في مطار القاهرة، فاتحة كتاب تقيل عن أنظمة الطائرات وحاطاه على رجليها. راجل في أواخر الأربعينات، شعره فيه خصلات بيضا، لابس بدلة غالية وساعة شكلها لوحدها تمن عربية، لمح الكتاب في إيدها. بصلها وقال باستخفاف: — «إنتِ بتدرسي عشان تبقي مضيفة؟» نورهان رفعت عينيها من الكتاب.

— «هندسة طيران.» الراجل ضحك ضحكة قصيرة. — «طموح زيادة عن اللزوم.» — «أنا نفسي أطير بشكل احترافي.» المرة دي بصلها كويس. كانت لابسة بنطلون جينز، كوتشي، وسويت شيرت جامعة القاهرة. شعرها البني مربوط بتوكة بسيطة، ومن غير أي مكياج تقريبًا، وقلم محشور ورا ودنها. بالنسبة له، شكلها كان أقرب لبنت لسه في ثانوي. قال وهو بيبتسم ابتسامة فيها شوية شفقة: — «بنتي قالت الكلام ده زمان.» نورهان قفلت الكتاب شوية.

— «وبعدين؟» — «كبرت وعرفت الدنيا ماشية إزاي.» نورهان بصتله باستغراب. — «يعني إيه؟» الراجل عدّل جاكيت بدلته وقال: — «يعني فيه أحلام تبقى مجرد هواية… وفيه حاجات ينفع تتحول لشغل وحياة. كل ما الواحد يفهم الفرق بدري، يوفر على نفسه خيبة أمل كتير.» نورهان سكتت لحظة. وبعدين قالت بهدوء: — «يمكن بنت حضرتك هي اللي غيرت حلمها… مش عشان الحلم كان مستحيل.» ابتسامته اختفت. وقبل ما يرد، جه نداء ركوب الطيارة.

الراجل قام وعدّل هدومه. وقبل ما يمشي قال: — «ما تاخديش الكلام على صدرك. أنا بس بحاول أوفر عليكي وجع دماغ قدام.» نورهان فضلت باصة له وهو ماشي ناحية بوابة الدرجة الأولى. كانت سمعت الكلام ده كتير جدًا. من شباب في المدرسة. من قرايب. حتى من مُرشدة تعليمية قالتلها مرة: — «الهندسة كويسة، بس خليكي في حاجة أضمن. الطيران مش مناسب لبنت صغيرة.» نورهان اتعلمت مع الوقت إنها ما تدخلش في جدال.

أبوها هو اللي علّمها كده. مش لأنه كان موافقهم. بالعكس. كان دايمًا بيقول إن أحسن رد على الناس هو إنك تثبت لهم إنهم غلطانين من غير ما تتكلم كتير. بالشغل. بالكفاءة. بالنتيجة. استنت نورهان لحد ما ركبت الطيارة، وبعد ما قعدت في مكانها اتصلت بأبوها. رد من أول رنتين. — «مش المفروض تكوني بتذاكري؟» ضحكت. — «أنا بذاكر أهو.» — «أمال بتتصلي ليه؟» — «عشان واحد كده في المطار قعد يقنعني إني عشان بنت ولسه صغيرة يبقى مستحيل أطير طيارة.»

أبوها ضحك. نورهان ابتسمت غصب عنها. الضحكة دي كانت مألوفة جدًا ليها. ضحكة راجل عاش عمره كله في الطيران. الكابتن محمود عبدالسلام. أبوها كان كابتن طيار معروف، وكان بيقضي ساعات طويلة في السما أكتر ما بيقضيها على الأرض. لكن من ست سنين، كل حاجة اتغيرت. كان سايق طيارة ركاب في رحلة شتوية لما حصل عطل خطير، واضطر يعمل هبوط اضطراري في ظروف جوية صعبة. الطيارة نزلت. كل الركاب نجوا. وهو كمان نجا.

لكن إصابته في العمود الفقري ورجليه كانت شديدة لدرجة إنها أنهت حياته كطيار. من يومها، نورهان كانت أوقات كتير تلاقيه قاعد قدام الشباك، ساكت، وكل ما طيارة تعدي في السما، عينيه تفضل متعلقة بيها لحد ما تختفي. عمره ما اشتكى. وده كان بيوجعها أكتر. قالها في المكالمة: — «فاكرة أنا كنت بقولك إيه دايمًا؟» نورهان ردت: — «إن الناس أغلبها بتتكلم وخلاص؟» — «دي أمك اللي بتقولها.» ضحكت. وبعدين قال:

— «أنا كنت بقولك إن السما مش هتسألك عندك كام سنة، ولا شكلك إيه، ولا مين مصدقك.» سكت لحظة، وبعدين كمل: — «السما هتسألك سؤال واحد بس… إنتِ مستعدة ولا لأ؟» نورهان بصت من الشباك على جناح الطيارة. — «وحشتني وإنت بتطير يا بابا.» صوته اتغير شوية. — «وأنا كمان نفسي أطير.» سكتوا الاتنين ثواني. وبعدين قال: — «راجعي إجراءات الطوارئ.» نورهان اتنهدت. — «يا بابا، أنا راكبة! مش الطيار!»

— «راجعيها.» — «إنت مستفز.» — «بس عايش.» ضحكت. كانت الحكاية دي بينهم من وهي عندها 12 سنة. أول مرة أبوها دخلها قمرة قيادة طيارة تدريب صغيرة في نادي الطيران، وهي كانت شبه بتترعش من الفرحة. بعدها علّمها الملاحة. وحسابات الطقس. وقوائم الفحص. وإجراءات الطوارئ. وساعات طويلة على أجهزة المحاكاة. وألف مرة قالها نفس الجملة: — «الطيار الشاطر مش اللي بيطير وقت ما الدنيا حلوة… الطيار الشاطر اللي يعرف يتصرف لما كل حاجة تبوظ.»

نورهان أخدت رخصة الطيران الخاصة وهي عندها 17 سنة. لكن حلم الطيران التجاري كان لسه بعيد. هي عمرها ما مسكت كنترول طيارة ركاب حقيقية. كل اللي عملته كان على أجهزة محاكاة متطورة، بمساعدة زمايل أبوها القدامى. ومع ذلك، كانت عارفة أكتر بكتير مما أي حد ممكن يتخيله عنها. قالها أبوها قبل ما يقفل: — «خلاص، أول ما توصلي كلميني.» — «حاضر.» — «وخلي بالك من نفسك.» — «بحبك يا بابا.»

— «وأنا أكتر.» قفلت نورهان المكالمة. وما كانتش تعرف إن الجملة الأخيرة اللي قالها أبوها هتفضل ترن في ودانها طول الليلة. “خلي بالك من نفسك.” الرحلة أقلعت بشكل طبيعي. أول أربعين دقيقة عدّوا من غير أي حاجة غريبة. المضيفات كانوا بيوزعوا المشروبات. طفل صغير كان عمال يشتكي من السماعات. راجل قاعد قدام نورهان كان فتح اللابتوب ونام قبل ما يخلص تشغيله. أما الراجل اللي قابلته في المطار، مدحت حلمي، فكان قاعد قدامها بكام صف، ومشغول في اللابتوب بتاعه، بيكتب بسرعة وكأنه داخل على اجتماع مهم.

الدنيا كانت هادية. لحد ما… الطيارة اتنفضت فجأة. مش مطب هوائي عادي. الهزة كانت عنيفة لدرجة إن أكواب وقعت، وناس صرخت، وشنط صغيرة وقعت من فوق. نورهان مسكت في الكرسي قدامها. وبصت ناحية مقدمة الطيارة. وفي اللحظة دي، سمعت صوت إنذار مكتوم جاي من ناحية الكابينة. ثواني معدودة عدّت… وبعدين لمبة حزام الأمان نورت. لكن اللي حصل بعدها كان أسوأ بكتير. المضيفة جريت ناحية الستارة اللي بتفصل الركاب عن مقدمة الطيارة.

دخلت الكابينة. خرجت بعد ثواني ووشها متغير تمامًا. وبعدين رفعت السماعة. — «يا جماعة… من فضلكم، محدش يقوم من مكانه.» صوتها كان بيرتعش. ثم قالت الجملة اللي خلت الد*م يتجمد في عروق كل اللي على الطيارة: — «هل فيه طيار بين الركاب؟» نورهان حسّت قلبها وقع في رجليها. وبعد لحظات، جه النداء التاني: — «الطيارين الاتنين فقدوا الوعي… ولو فيه أي حد عنده خبرة في الطيران، ييجي فورًا على الكابينة!»

ثلاثمائة شخص. ثلاثمائة حياة. وطيارة بتحلق فوق السحاب. ومحدش بيتحرك. نورهان بصت حوالينها. كل الناس كانت مستنية حد تاني يقوم. وفي اللحظة دي، افتكرت كلام الراجل في المطار: “بعض الأحلام هواية… وبعضها شغل وحياة.” نورهان بلعت ريقها. وبصت ناحية باب الكابينة. ثم فكرت في أبوها. في كل ساعة قضاها معاها. كل تدريب. كل محاكاة. كل مرة قالها: “إنتِ مستعدة ولا لأ؟” قامت من كرسيها. لكن قبل ما تتحرك خطوة… صوت راجل من آخر الطيارة صرخ:

— «إنتِ رايحة فين؟!» الناس كلها بصت عليها. مدحت حلمي نفسه قام من مكانه. ولأول مرة، وشه ما كانش فيه أي غرور. كان فيه خوف. أما نورهان، فبصت ناحية الكابينة وقالت بهدوء: — «أنا رايحة أشوف الطيارين.» وما كانتش تعرف إن اللحظة دي هتغير حياتها… وحياة الـ300 راكب للأبدووووو……… لمتابعه القصه كامله لايك و5تعلـ.ـيقات ب تم هنا وهتنزل القصه في اول تعلـ.ـيق لا تفوّت الأحـ.ـداث الحقيقيه
لم تتحرك نورهان فورًا.

وقفت في منتصف الممر، والأنظار كلها معلقة عليها. كانت تسمع أنفاس الركاب المتقطعة، وبكاء طفل في الخلف، وصوت أحد الرجال وهو يردد دعاءً بصوت منخفض. لكنها لم تسمع شيئًا بوضوح. كل تركيزها كان على باب الكابينة. خطت أول خطوة. ثم الثانية. وفجأة اعترضتها إحدى المضيفات. — «إنتِ؟!» نورهان بصتلها. — «أيوه.» — «إنتِ عندك خبرة طيران؟» ترددت نورهان لثانية. ثم قالت: — «عندي.» المضيفة بصت لها من فوق لتحت. — «قد إيه؟»

— «مش مهم دلوقتي. المهم إن لازم ندخل.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى