منوعات

ماجده

​المواجهة الحاسمة ​رجعت البيت على الضهر. لقيتهم كلهم لسه قاعدين في الصالة. ​ماجدة أول ما شافتني قامت وقفت: — جيهان.. أنا آسفة جداً على اللي حصل. ​رديت بثبات: — أنتِ اللي طلبتِ مني أمشي يا ماجدة؟ ​— لا والله أبداً. ​— يبقى الاعتذار ده مش منك أنتِ. ​ممدوح خرج من المطبخ أول ما سمع صوتي: — جيهان.. ينفع نتكلم لوحدنا جوه؟ ​— لا. ​خلعت الجاكيت بتاعي وقلتله قدامهم كلهم: — طالما استخدمت الناس اللي قاعدين دول كلهم حجة عشان تخرجني من بيتي، يبقى مفيش داعي نُمثل دلوقتي إن الموضوع سر وبينا وبس.

​بصلته في عينيه وسألته: — مريم هي اللي طلبت منك أمشي؟ — لا.. — يوسف؟ — لا.. — ماجدة؟ ​جز على سنانه وقال بصوت واطي: — لا.. ​— يبقى الفكرة دي كانت فكرة مين؟ ​— فكري أنا.. (الكلمة خرجت منه تقيلة ومكسورة). ​— وكنت عاوز تستغل الليلة دي عشان تقنعهم بمشروع سيد الجمال والتلاجات؟ ​سكت وما ردش.. بس يوسف هو اللي رد بداله: — أيوه يا طنط.. كان بيحاول يقنعنا من الصبح.

​ممدوح اتلفت ليوسف بغضب: — أنت ما تتدخلش يا يوسف! ​رد عليه يوسف بقوة: — ما أنت اللي دخلتنا في اللعبة دي من الأول يا بابا! ​ماجدة هزت رأسها بقلة حيلة وقالت لممدوح: — 12 سنة عدوا.. ولسه بتعمل نفس الحركة؟ ​ممدوح بصلاها بذهول: — قصدك إيه بالكلام ده؟ ​— أيام ما كنا متجوزين، كنت دايماً تقول للي حواليك إن أنا اللي بفرمل طموحك وبحجمك.. ودلوقتي بتقول على جيهان إنها هي اللي متحكمة فيك ومكتفاك! نفس الطبع والسيناريو، بس الستات هي اللي بتتغير!

​الصالة كلها سكتت. لأول مرة من سنين، شفت جوازي من بره الصورة.. المسألة ما كانتش غلطة ليلة رأس السنة، دي كانت أسلوب حياة وطبع متأصل فيه. ​القرار ​بصلته وقلت له بكل هدوء: — أنا هسيب البيت فترة. ​وشه اتخطف وبقى أصفر: — هتروحي فين؟ ​— هأجر شقة وأقعد فيها. ​— أنتِ بتعاقبيني يا جيهان؟ ​— لا.. أنا برجعلك حياتك المسؤولة منك. ​— يعني إيه الكلام ده؟

​— يعني من النهاردة.. خروجك، وعزوماتك، وهدايا عيلتك، ومصاريفك، ومواعيد أدويتك، والتزاماتك.. كلها هتبقى بتاعتك أنت وبس. أنا هدفع نصيبي في مصاريف البيت الأساسية، بس هشيل إيدي تماماً من دور الشغالة والمدبرة والمشيلة اللي كنت بتملاه قبل ما حتى تحس إنه موجود. ​— بس أنتِ طول عمرك شايلة كل الحاجات دي ومظبطاها! ​— بالظبط.. وده كان وجه الغلط. ​مسكت شنطتي وبصلته. ممدوح كان باصصلي وكأنه لأول مرة يستوعب إن الباب اللي طردني منه.. ممكن أخرج منه بجد وإرادتي ومش هأرجع بسهولة.

​قال بنبرة ترجي: — معقولة هتهدي بيتك وتسيبيني عشان خاطر ليلة رأس سنة واحدة؟ ​وقفت عند الباب وبصلته أخر بصلة: — لا يا ممدوح.. ليلة رأس السنة ما كانتش السبب، هي بس فتحت عيني على اللي بيحصل بقاله سنين وأنا عامية عنه. ​والمرة دي.. وأنا بفل الباب وبمشي، ما شفتش في وشه نظرة الارتياح بتاعة إمبارح.. شفت في عينيه خرق ورعب حقيقي. ​الجزء الثالث والأخير: حساب القضايا والنهاية ​مرت ستة أشهر على اليوم ده.

​أنا أأجرت شقة صغيرة ومفروشة في دجلة بالمعادي، قريبة من الجمعية اللي بساعد فيها. لأول مرة من اتناشر سنة، كنت أصحى الصبح وأعمل فنجان القهوة لنفسي بس، أشتري طلبات تكفيني أنا بس، ومأشيلش هم حد نسي مفاتيحه، ولا حد نسي يسدد فاتورة المية، ولا حد مستني مني أظبطله علاقاته مع ناس بيحبهم وبيكدب عليهم. ​في الأول، ممدوح كان فاكرها “قرصة أذن” وهتروح لحالها. كان بيتبعتلي رسائل كل يوم: “البيت فاضي يا جيهان.”

“الخدامة أخدت إجازة ومش عارف مكان الهدوم المغسولة.” “أنا أسف، ارجعي ونحل كل حاجة.” ​بس لما لقى إني منتظمة في دفع نصيبي في مصاريف الشقة المملوكة لينا، وفي نفس الوقت قافلة أي كلام في الرجوع، نبرته اتغيرت وبدأ يبان على حقيقته. ​الكارثة الكبرى ​في الشهر التالت من خروجي، ممدوح قرر يعمل اللي في دماغه. ​بدل ما يفهم إن مشكلتي معاه كانت كدبه واستغفاله ليا، اعتبر إن خروجي فرصة عشان يثبت إنه “راجل بيت بجد” ويقدر ياخد قراراته بنفسه. راحت معنوياته وقدم على القرض التجاري عشان يدخل مع سيد الجمال في مشروع التلاجات.

​بس عشان البنك يوافق على رهن الشقة، كان لازم موافقتي والتوقيع بتاعي، لأن الشقة كانت مكتوبة بأسامينا إحنا الاتنين بالنص. ​جالي الشغلة لغاية عندي. جاني المعادي، قعد معايا في كافيه، وطلع الورق من الشنطة بكل بجاحة وقاللي: — جيهان، ده التوقيع الشكلي بس عشان البنك يمشي الورق، والربح هيبقى بالنص بينا. ​بصلته وابتسمت ابتسامة هادية جداً: — مش هوقع يا ممدوح. ​— أنتِ هتقفي في طريقي برضه؟! أنتِ عاوزة تخربيها وخلاص؟

​— أنا مش بقف في طريقك، أنا بحمي نصيبي في البيت اللي تعبت فيه. عايز تتداين وتجازف؟ روح خد قرض بضمان عربيتك ولا شهاداتك الشخصية.. نصيبي في البيت خط أحمر. ​يقوم يعمل إيه ممدوح؟ من ورايا، حاول يتفق مع سيد الجمال إنه يدخل معاه بشيكات وكبيالات شخصية بضمان أرباحه المتوقعة، ورهن عربيته، وكمان استلف مبالغ مالية كبيرة من ناس قرايبه. ​وبعد شهرين بس من التشغيل.. القنبلة فرقعت!

​سيد الجمال طلع نصاب ومطلوب في قضايا توظيف أموال، البضاعة اللي جات كانت معظمها معيوبة ومغشوشة، والموردين قفلوا أبوابهم. وفي ظرف أسبوعين، ممدوح بقى مهدد بالحبس بسبب الشيكات اللي ما لهاش رصيد، والعربية اتسحبت منه، وم بقاش حيلته جنيه! ​موقف العيلة والرد القاسي ​في وسط الأزمة دي، ممدوح جرب يروح لماجدة ولعياله (مريم ويوسف) عشان يلموا معاه الفلوس ويطلعوه من الورطة. ​بس مريم كلمتني في التليفون وحكتلي وهي بتعيط: — طنط جيهان.. بابا جاي يطلب مننا نبيع شقة ماما اللي عايشين فيها عشان نسدد الشيكات بتاعته! وبيقولنا إنك أنتِ السبب عشان ما رضيتيش تخليه يرهن شقتكم!

​رديت عليها بكل حنان: — مريم يا حبيبتي، أوعي أنتِ ولا أخوكي تسلموا له قرش واحد ولا تتنازلوا عن حقكم في شقة أمكم. أباكم هو اللي حفر الحفرة دي لنفسه وهو طماع، وده درس كان لازم يتعلمه من زمان. ​ماجدة نفسها وقفت في وشه وقالتله: — “زمان خربت بيتي وطلعتني أنا المفترية، ودلوقتي طردت الجدع اللي صانتك 12 سنة وجاي عاوز تخرب بيت أولادك؟ مش هتاخد منا مليم!” ​لما كل الأبواب اتقفلت في وش ممدوح، جه وقف تحت العمارة عندي في المعادي.

​كان شكله يزعل.. هدومه مش متوضبة، وشه شاحن، وراجل مكسور من بعد ما كان شايف نفسه سي السيد اللي بيحرك الكل. ​نزلت أقابله في مدخل العمارة. ​— جيهان.. الحقيني، هتحبس.. أديني نصيبك في الشقة أبيعه وأسدد ديوني، وأنا والله هكتبلك كل حاجة باسمك بعدين! ​بصلته في عينيه ورجعت لورا خطوة: — ممدوح.. فاكر ليلة رأس السنة لما قلتلي “البيت مش هيستحملك الليلة دي عشان العيلة تقعد براحتها”؟ ​سكت ونزل راسه في الأرض.

​— أنا الليلة دي مش بس سيبت البيت.. أنا سيبت الدور اللي أنت حبستني فيه سنين. دور اللي بتشيل قرفك وتغطي على كدبك وتصلح وراك وفي الآخر تطلعها هي “المتحكمة”. ​— يعني هتسيبيني أتسجن؟ ​— أنا مش هبيع الشقة.. أنا هرفع دعوى فرز وتجنيب وطلا.ق للضر.ر، وحقي في الشقة هيفضل محفوظ. وأنت روح اتفق مع المحامي بتاعك يعملك جدولة للديون وشوف هتدفع زكاة أفعالك إزاي. ​— أنتِ بقيتي قاسية أوي يا جيهان!

​— أنا مقسيتش يا ممدوح.. أنا بس بطلت أكون المغفلة. ​بداية جديدة ​رفع قضايا، واتحكم عليه بأحكام غيابية، واضطر يبيع نصيبه هو في الشقة بسعر أبخس من التراب للبنك وللدائنين عشان يهرب من السجن، وعاش في شقة إيجار صغير في أطراف القاهرة، بيدفع أقساط ديونه وبيشتغل شغلانتين عشان يقدر يعيش. ​أما أنا.. فبعت نصيبي في الشقة بعد ما انفصلت عنه رسمياً، واشتريت الشقة الصغيرة اللي في المعادي باسمي أنا وبس.

​افتتحت مشروع صغير لتجهيز الوجبات الكبيرة والتوريدات للمؤسسات والجمعيات الخيرية، وشاركت معايا مدام أمل في إدارة الجمعية. ​مريم ويوسف لسه على تواصل معايا للنهارده، بيجوا يزوروني في المناسبات ويقولولي: “طنط جيهان أنتِ الشخص الوحيد اللي كان بيفهمنا صح في العيلة دي.” ​في ليلة رأس السنة اللي بعدها.. ​كنت قاعدة في بلكونة شقتي في المعادي، بشرب القهوة بالحبهان، الأنوار مالية الشارع، وصوت الأغاني طالع من كل حتة. ​ما كانش معايا راجل يرمي عليا خيباته، ولا سفرة متكلفة لست أفراد وأنا مطرودة منها..

كان معايا راحة بال، وبيت ملكي، وقلب عرف قيمته ومبقاش يرضى بالقليل. ​النهاية.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى