
— نزلي الواد ده يا ولاء، أنتِ هتخربي بيتي ومستقبلي! ده كان أول حلقة في المسلسل الحقير اللي سمعته أول ما حطيت رجلي جوه شقة خطيبي. ما كانش بيزعق، ولا كان مجنون ولا حاجة… بالعكس، كان بيتكلم ببرود يرعب، برود واحد بيحسب قيمة أرواح الناس بالورقة والقلم. وبالنسبة لـ سيف السرجاني، حياة ابن ولاء كانت تسوى أقل بكثير من الكرسي والترقية الجديدة اللي مستنيها في الشركة.
أنا كنت داخلة الشقة فجأة من غير ما أقوله في الزمالك يوم الخميس بعد الظهر. الـ Wedding Planner كانت محتاجة رقم پاسبوره ضروري عشان تقفل حجوزات شهر العسل في إيطاليا. سيف ما كانش بيرد على تليفوناتي ولا علامات الواتساب، وبما إنه كان مديني نسخة من المفتاح من كام شهر، قلت أدخل ألاقيه محبوس في المكتب كالعادة وسط العقود. بس ما كانش في المكتب. لقيته واقف في الريسبشن الكبير، جنب الشباك اللي مطل على النيل، بلبسته الشيك والبدلة الكحلي المتفصلة، واقف فوق ولاء، البنت اللي عندها 22 سنة وبشتغال عنده في البيت بقالها حوالي سنة.
ولاء كانت قاعدة على الرخام على ركبتها، ماسكة بطنها وبتعيط من غير صوت، كأن حتى العياط خايفة يتحسب عليها. — أرجوك يا سيف بيه —قالت بقلة حيلة— أنت قلت لي هتقف جنبي ومش هتتخلي عني. سيف ضحك ضحكة سمجة وساقعة. — أنا ما وعدتكيش بحاجة، أنتِ اللي عشتي في الأوهام وصدقتي نفسك! أنا اتسمرت مكاني عند الباب. حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت جزمتي. فاضل شهرين بس على فرحنا!
فستاني اندفع عربونه، والقاعة في التجمع الخامس خلاص اتقفلت، وأمي كانت لسه إمبارح بتطبع شوكولاتة الفرح بحروف أسمائنا. وهناك… واقف الخطيب المحترم بيهدد الشغالة الغلبانة الحامل عشان يداري على القرف بتاعه!
— خدي المبلغ ده وغوري ارجعي بلدكم في الفيوم —سيف كمل كلامه بنفس البرود— واياكي ألمح طيفك هنا تاني. ولو فكرتي تفتحي بقك، هلبسك قض..ية سرقة ساعات وفلوس… وأنتِ عارفة كويس مين هيتصدق ومين هيترمى في السجن. ولاء وطت رأسها وهي بتترعش:
— بس أنا أوراقي وبطاقتي معاك. — ومين اللي شايلهم عنده؟ —قرب منها بصوت واطي ومخيف— مين اللي جابك من القاع ونضفك؟ مين يقدر يتصل بأهلك في الصعيد ويقولهم إن بنتك ماشية على حل شعرها؟ في اللحظة دي، حسيت بدمي بيتجمد. سحبت الموبايل بالراحة من غير ما أفكر ولاحتى أتنفس، فتحت الكاميرا وبدأت أسجل فيديو من مكان ما أنا واقفة. — الولد ده مش هيطلع للنور —سيف قالها وهو بيجز على سنانه— بكرة الصبح هوديكي لدكتور، تمضي على الأوراق وتبتفي خالص من حياتي.
ولاء ح.ضنت بطنها أكتر وحرّكت رأسها بالرفض: — لأ… الكلمة طلعت بصوت واطي ومكسور، بس كانت كفاية إن وش سيف يتقلب 180 درجة. — أنتِ بتعاندي معايا؟ هنا أخدت خطوة لبره. — هي قالت لأ! سيف لف بسرعة. لمدة ثانية واحدة، شفت في عينيه خوف صافي… خوف عاري ك.سر قناع الثقة والشهامة اللي كان لابسه طول عمره. بعدها ابتسم ببرود، كأنه افتكر دوره في المسرحية: — فريدة… أنتِ فهمتي غلط، الموضوع مش زي ما أنتِ شايفاه خالص.
— لا أنا شايفاه صح أوي! شايف واحد حمل شغالة بيته، وبيهددها وبيجبرها تجهض عشان المنصب الجديد والأستاذ الشريف ما يروحش عليه الترقية! عينيه نزلت فوراً على الموبايل في إيدي. — اقفلي الزفت ده. قربت من ولاء وأنا عيني في عينه ما نزلتهاش: — خطوة كمان وهتشوف هنعمل إيه. أخد خطوة لقدام: — فريدة، أنتِ بتبالغي ومتسرعة، بلاش الجنان ده!
كان ديماً يقول لي كده. “متسرعة” لما كنت بأفشخ قلة أدبه أو هزارة البايخ. “درامية” لما أمه، صفية هانم، كانت بتقولي “أنتِ طيبة وغلبانة يا فريدة”. “عاطفية” لما أصحابه في الشيخ زايد كانوا بيتريقوا على الجمعية الخيرية اللي أنشأتها عشان أدافع عن حقوق الخدامات والعاملات والستات اللي مالهمش ضهر. بس سيف نسي حاجة مهمة جداً… قبل ما أعمل الجمعية دي، أنا اشتغلت محامية قضايا عمالية 8 سنين كاملين! ونسي كمان حاجة أخطر بكثير…
ترقيته لمنصب المدير التنفيذي للشركة كانت واقفة على تقرير “التزام وأخلاقيات” من مكتب مراجعة مستقل. والمحامية اللي ماسكة التقرير ده… كانت شريكتي القديمة في المكتب! — ولاء —قلت لها بصوت هادي من غير ما ألف— تحبي تقومي تخرجي معايا من المخروبة دي؟ هزت رأسها وهي بتترعش ومسكت في إيدي. سيف وقف في الطرقة ووقّف طريقهنا: — هي مش هتعتب باب الشقة دي! رفعت الموبايل في وشه: — إبعد عن السكة يا سيف… وإلا الفيديو اللي جاي هيبقى بلاغ بـ “احتجاز دون وجه حق واعتداء”.
الابتسامة اختفت من وش تماماً. خمس ثواني… محدش فينا تحرك ولا اتنفس. بعدها اتنحى على جنب. ولاء مشيت ورايا وهي بتتنفض ومش قادرة تشيل طولها. وأنا بفتح باب الشقة، سيف هملس بصوت واطي كأنه بيفرز سم: — هتكتمي وتندمي يا فريدة… أنتِ كده بتهيني عيلة السرجاني كلها. قلعت خاتم الخطوبة الألماظ ورميته في جيب جاكيتتي وأنا بفتحلها الباب: — لأ يا سيف… أنت اللي مش فاهم إن أيامك السودة يلا بدأت!


