منوعات

نهايه المطاف

وشريف عشان كان مطمن إن باباكي مريض وغایب عن الوعي، وإنك لوحدك ومالكيش حد يسندك، سايب ثغرات وراه زي عين الشمس. أنا بكره الصبح من النجمة هكون عند أكبر محامي شركات في مصر، المحامي شمس الدين العزازي، كنت شغال معاه في تصفية أملاك الشركة اللي كنت ماسك مشاريعها زمان، وهنسحب صورة طبق الأصل من كل ملفات القضايا اللي اترفعت في غيابي.
الحاج توفيق على السرير حرك إيده الشمال ومدها ناحيتي تاني، مسكتها، فضغط على صوابعي بقوة ما كنتش متخيل إنها لسه موجودة في جسمه العيان، ورمش بعينه مرتين كأنه بيديني الإذن والبركة اللي كنت محتاجها.

بصيت لفريدة وقولت بصرامة وهدوء ادخلي نامي وارتاحي يا فريدة… نامي وأنتي مطمنة إن في راجل في البيت ده هيقف قدام أي حد يحاول يك.سر بابه، ومن الليلة دي، ما فيش خوف تاني.
فريدة ما ردتش، بس عينيها اللي كانت ناشفة من كتر القهر نزلت منها دمعة واحدة هادية، وسابت الورق على الترابيزة ودخلت أوضتها بهدوء. سحبت كرسي وقعدت جنب سرير الحاج توفيق، فتحت اللاب توب بتاعي وبدأت أفرغ كشوف الحسابات وأجهز قائمة بكل الشركات الوهمية اللي متورطة في الأزمة، والليل بدأ ينسحب ببطء، مستني شمس المعركة الجديدة اللي هتبدأ أول ما النهار يطلع.

الفصل الأخير
شمس الفجر شقت ضلمة الصالة بنور رمادي هادي، واللاب توب قدامي شاشته ما طفتش دقيقة واحدة طول الليل. كنت مفرغ كل الشيكات، أرقام السجلات التجارية، وتواريخ المعاملات البنكية اللي اتسحبت في التلت سنين اللي فاتوا في جداول مقارنة واضحة، والمفاجأة اللي ظهرت قدام عيني خلت كل خيوط اللعبة تتكشف.
الساعة سبعة الصبح بالدقيقة، قفلت اللاب توب، غسلت وشي بمية ساقعة، ونزلت على مكتب المستشار شمس الدين العزازي في عمارة عتيقة في وسط البلد. دخلت عليه بالملفات المطبوعة وجدول المقارنات.

الراجل فضل باصص في الورق بنظارته الطبية نص ساعة كاملة من غير ما ينطق، وبدأ يشخط بالقلم الفسفوري على أرقام وتواريخ محددة.
رفع راسه وبصلي وابتسامة هادية اترسمت على وشه يا باشمهندس أحمد، الطمع دايماً بيعمي صاحبه في آخر خطوة. شريف لما عمل التوكيل واستخدمه في بيع أراضي الحزام الأخضر لصالح شركة المستقبل للمقاولات، غلط غلطة عمره.
سألته باهتمام غلطة إيه يا متر؟

التاريخ المسجل على عقد البيع الابتدائي هو نفس اليوم والساعة اللي الحاج توفيق كان فيها مټخدر في أوضة العمليات بيعمل جراحة القلب المفتوح في مستشفى دار الفؤاد، وتقرير المستشفى الرسمي والمثبت فيه وقت دخول العمليات وخروجه متوثق ومختوم! التوكيل الخاص بالبيع اتعمل بعد العملية بأسبوعين، يعني شريف زوّر تاريخ العقد الابتدائي وخلّاه بأثر رجعي عشان يتهرب من دفع ضرايب التصرفات العقارية ويثبت إنه بيع قديم! والتزوير ده في محرر رسمي وعقود تجارية، جناية تزوير واستيلاء على أموال شركات مساهمة، عقوبتها السچن المشدد مع الشغل والنفاذ، وتسقط كل التصرفات اللي ترتبت عليها بقوة القانون.
ما ضيعناش دقيقة.

المستشار العزازي قدم في نفس اليوم مذكرة عاجلة للنائب العام والنيابة الكلية للأموال العامة، ومعاها بلاغ رسمي بتزوير محررات رسمية والاستيلاء على أموال وممتلكات شركة الحاج توفيق، ومع المذكرة تقرير طبي رسمي معتمد من المستشفى بحالة الحاج توفيق الصحية وساعة وتاريخ الجراحة.
خلال ٤٨ ساعة بس، النيابة أصدرت قرار عاجل بوقف المزاد العلني على فيلا الشيخ زايد وتجميد كافة التصرفات العقارية على أراضي الحزام الأخضر، والأهم من كده صدور قرار ضبط وإحضار رسمي من الإنتربول الدولي للمدعو شريف السعيد وترحيله لمصر لمحاكمته في قضايا تزوير واستيلاء على أموال عامة وخاصة.

يوم الأحد الصبح، شريف كان فاكر إن المزاد هيتم وهيشتري الفيلا بالبخس عن طريق وسيطه. اللي حصل إنه أول ما وسيطه دخل قاعة المزاد، لقى قوة من مباحث الأموال العامة ومحضر المحكمة بيعلنوا بطلان المزاد ووقف الإجراءات بأمر قضائي نافذ.
في نفس اليوم بالليل، تليفوني رن من نفس الرقم الدولي. فتحت الخط بهدوء خير يا شريف؟ لحقت تشتري الفيلا ولا لسه؟
صوته المرة دي ما كانش فيه لا تبجح ولا برود، كان صوت واحد بيتخنق، النبرة مهزوزة والنهجان مالي أنفاسه أحمد… اسمعني بس، الحكاية مش مستاهلة تكبر كده.

أنا مستعد أرجع نص الفلوس كاش بكرة الصبح، ونتنازل عن كل القضايا بالتراضي ونقفل الموضوع ودي، بلاش توصلها للجنايات والإنتربول!
رديت عليه ببرود وثبات مفيش تراضي مع اللي خان العيش والملح وداس على شرف بيت ائتمنه. الفلوس كلها هترجع ڠصب عنك، والإنتربول هيجيبك مربوط في طيارة الترحيلات، عشان تقضي سنين عمرك الجاية في الزنزانة تدفع تمن كل دمعة نزلت من عين الحاج توفيق وبنته.
قفلت السكة في وشه وعملتله حظر نهائي.

بعد تلات شهور من التحقيقات والجلسات، رجع شريف مرحل على مطار القاهرة في إيد الشرطة، واتحكم عليه بالسجن المشدد سبع سنين، ورد المبالغ المستولى عليها والتعويضات المدنية بالكامل. كل أملاك الشركة وأراضي الحزام الأخضر رجعت لأصحابها، والحسابات البنكية اتفكت الحراسة عنها بحكم محكمة نهائي وبات.
في يوم دافي من أيام الربيع، كنت واقف في صالة الشقة، بس الصالة كانت رجعت شقتنا الهادية من تاني. السرير الطبي اتشال، ونقلنا الحاج توفيق لمركز تأهيل متقدم وعلاج طبيعي في المعادي وبدأ يقف على رجليه بمساعدة عكاز ويتكلم بوضوح.

فريدة كانت واقفة قدام شباك البلكونة، الشمس عاكسة على شعرها وملامحها اللي رجع ليها النضارة والهدوء بعد ما كابوس التلت سنين انزاح تماماً عن كتافها.
طلعت من جيبي علبة مخملية صغيرة، فتحتها، وطلعت منها دبلتي ودبلتها اللي كانت شايلاهم في درج مقفول. مشيت ناحيتها بخطوات هادية ووقفت جنبها.
بصت للدبلة في إيدي وبصتلي في عيني، وسألتني بنبرة صافية خالية من أي عتاب أو مرار وبعدين يا أحمد؟ ناوي على إيه؟
مسكت إيدها وحطيت الدبلة في صباعها براحة، وبصيت في عينيها وقولت ناوي أبدأ من أول السطر…

بس المرة دي وأنا ماسك إيدك، ومش هسيبها أبداً مهما كانت العاصفة شديدة.
فريدة ابتسمت ودمعة فرح هادية نزلت على خدها، ورفعت إيدها التانية حطت الدبلة في صباعي، وقفلنا سوا الصفحة القديمة عشان نفتح صفحة جديدة مبنية على الصدق، والأصل الطيب، والمسؤولية اللي ما بتهربش.

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى