
ـ وإنت؟ ابتسم بحزن. ـ أنا خلاص بقيت جزء من عالم مش سهل أخرج منه. نور بصت له. ـ يبقى لازم أنسى إنك دخلت حياتي. آدم اقترب، لكنه لم يلمسها. ـ لو ده اللي هيخليكي بأمان… هعمل أي حاجة. كانت تلك الجملة أصعب عليها من أي اعتراف. — رجعت نور بيتها في نفس اليوم. حاولت تعيش حياتها طبيعي. محاضرات. مذاكرة. مستشفى. امتحانات. لكن كل شيء كان مختلفًا. كانت بتبص للموبايل كل شوية.
تنتظر رسالة. ولا رسالة جاءت. يوم. يومين. أسبوع. آدم اختفى. وبالرغم من إنها كانت مقتنعة إن اختفاؤه هو الصح، قلبها كان بيوجعها. في إحدى الليالي، كانت خارجة من المستشفى، فوجدت سيارة سوداء تقف بعيدًا. تجمدت. لكن آدم لم ينزل. اقترب منها أحد رجاله وقال: ـ الأستاذ آدم طلب مني أقولك إنك لازم تسافري يومين. ـ ليه؟ ـ في خطر عليكي. ـ هو فين؟ ـ مش عارف. ـ هو كويس؟ الرجل سكت.
نور شعرت بالخوف. ـ رد عليا! ـ مصاب. قلبها توقف لحظة. ـ فين؟ ـ مش هينفع أقول. ـ أنا دكتورة، وممكن أساعده. الرجل تردد، ثم أعطاها عنوانًا. بعد أقل من ساعة كانت نور أمام مخزن مهجور. دخلت وهي ترتجف. وجدت آدم جالسًا على كرسي، وجرح في كتفه. أول ما شافها، غضب. ـ إنتِ مجنونة؟ ـ وأنت مجنون! ـ مين سمحلك تيجي؟ ـ محدش. أنا جيت. اقتربت منه. ـ وريني الجرح.
ـ نور، امشي. ـ اقعد. نظر لها. ـ مش هسيبك هنا. ـ وأنا مش هسيبك تنزف. ضحك رغم ألمه. ـ لسه عنيدة. ـ ولسه إنت غبي. بدأت تعالج جرحه. كان ساكتًا، وعينه عليها. ـ بتبصلي كده ليه؟ ـ علشان بحاول أحفظ اللحظة. ـ ليه؟ ـ يمكن تكون آخر مرة أشوفك فيها. إيدها توقفت. ـ ما تقولش كده. ـ دي الحقيقة. ـ لا. ـ نور… ـ أنا مش عايزة أسمع. سكت.
بعد دقائق، انتهت من تضميد الجرح. ـ لازم تروح مستشفى. ـ مينفعش. ـ طيب ترتاح. ـ حاضر. جلست أمامه. ـ آدم. ـ نعم؟ ـ ليه أنا؟ ابتسم. ـ السؤال ده بسأله لنفسي كل يوم. ـ وإيه الإجابة؟ ـ يمكن علشان أول مرة أشوف حد بص ليّ كإني إنسان، مش زعيم مافيا. دمعة نزلت من عينها. ـ أنا فعلًا شايفاك إنسان. اقترب منها. ـ وده اللي مخوفني. ـ ليه؟ ـ لأن لو حصل لك حاجة بسببي، مش هسامح نفسي.
نور همست: ـ وأنا بخاف أخسرك. سكت العالم كله للحظة. ثم قال آدم: ـ قوليها تاني. ـ لأ. ـ نور. ـ بخاف أخسرك. أغمض عينيه للحظة. ثم قال: ـ وأنا بحبك. كانت أول مرة يقولها. نور لم ترد. لكن عينيها قالت كل شيء. — بعد تلك الليلة، بدأت حرب حقيقية. أعداء آدم عرفوا بنقطة ضعفه. ونور أصبحت هدفًا. آدم حاول إبعادها بكل الطرق. حتى إنه ظهر أمامها يومًا وقال: ـ لازم تنسيني.
ـ مش هقدر. ـ لازم. ـ ليه؟ ـ علشان تعيشي. ـ وإنت؟ ـ أنا حياتي خلصت من زمان. صفعته بكلمة قبل أن تمد يدها. ـ ما تقولش كده. نظر لها. ـ أنا مش زيك يا نور. ـ أنا مش طالبة منك تبقى زيي. ـ أمال عايزة إيه؟ ـ عايزاك تخرج من العالم ده. ضحك بمرارة. ـ فاكرة الموضوع سهل؟ ـ لأ. ـ لو خرجت، ناس كتير هتموت. ـ ولو فضلت، أنا ممكن أموت.
صمت. ـ يبقى نعمل حاجة. ـ إيه؟ ـ نلاقي طريق تخرج بيه. نظر إليها طويلًا. ـ إنتِ مستعدة تستني؟ ـ لو بتحبني بجد، هحاول. — بعد أسابيع، بدأ آدم يتخلى عن بعض أعماله. سلّم معلومات للشرطة عن شبكة أكبر منه، وساعد في تفكيكها، ثم بدأ يبعد نفسه تدريجيًا عن عالم الجريمة. لم يكن الأمر سهلًا. خسر رجالًا. خسر أموالًا. وتعرض للخيانة. لكن في كل مرة كان يتذكر نور. وفي يوم تخرجها، كانت نور واقفة وسط زملائها بملابس التخرج.
عائلتها حولها. ضحكات. صور. ورود. لكنها كانت تدور بعينيها على شخص واحد. آدم. لم يكن هناك. بدأت تشعر بالحزن. حتى سمعت صوتًا خلفها: ـ مبروك يا دكتورة. التفتت. كان واقفًا أمامها. لكن هذه المرة لم يكن يرتدي بدلة سوداء. كان يرتدي قميصًا بسيطًا، وملامحه كانت أهدأ. نور لم تصدق عينيها. ـ إنت جيت؟ ـ وعدتك إني هتغير. ـ حصل؟ ابتسم. ـ لسه الطريق طويل. ثم مد يده لها. ـ بس المرة دي، عايز أمشيه معاكي.
دموعها نزلت وهي تبتسم. ـ يعني مفيش مافيا؟ ضحك. ـ مفيش. ـ ومفيش خطر؟ ـ هحاول أخلي حياتك آمنة. ـ ومفيش أسرار؟ تردد. ـ في شوية. ضربته بخفة على كتفه. ضحك. ثم قال: ـ بس في حاجة واحدة مش سر. ـ إيه؟ ـ إني بحبك. ابتسمت. ـ وأنا كمان. في تلك اللحظة فهمت نور أن الحب أحيانًا لا يأتي في الوقت المناسب، ولا من الشخص المناسب، ولا من المكان المناسب.
لكن بعض القلوب لا تعرف القواعد. عرفت نور أن حبها لآدم كان ممنوعًا منذ اللحظة الأولى. هو كان رجلًا عاش عمره وسط الخطر. وهي كانت طالبة طب تحلم بحياة هادئة. عالمهما لم يكن متشابهًا أبدًا. لكن آدم اختار أن يغيّر عالمه بدلًا من أن يطلب منها أن تتخلى عن عالمها. وهكذا، لم يكن انتصار الحب أنه جمعهما فقط… بل كان انتصاره الحقيقي أن الحب جعل رجلًا اعتاد أن يعيش بالقوة، يختار لأول مرة أن يعيش من أجل شخص يحبه.
النهاية.


