منوعات

بعد يومين

الجملة دي نورت في دماغي كشاف أحمر.. أهلي! والدي الراجل الكبير اللي على باب الله، وأمي اللي صحتها على قدها. — “يعني بتهددني يا سيف؟” قيلتهالي وأنا بسجل صوته بالموبايل من ورا الباب. — “أنا مابهددكيش، أنا بقولك الحقيقة! الفلاشة دي فيها أوراق عائلية خاصة، والست فاطمة دي سرقتها وهي ماشية، وأنتِ بكده مشتركة في سرقة وتستر! افتحي الباب ونتفاهم بالهدوء والموضوع يخلص، ووالله ما حد هيضايقك تاني.” بتسمت بمرارة وقُلتله:

— “الأوراق العائلية دي فيها توقيعي المتزور على قروض بـ 80 مليون جنيه يا ابن الهواري.. الأوراق دي فيها خطة رميي في السجن عشان أباك يهرب بفلوس الناس وبنما والجزر العذراء! امشي من هنا يا سيف، عشان أي خطوة زيارة منك هتبقى بلاتينوم في قضية التزوير والنصب اللي هترفع عليكم بكرة الصبح.” سيف سكت فجأة.. الصوت بره اتقطع تماماً. وبعد لحظات صمت مرعبة، سمعت صوته وهو بيقرب من الباب وبيقول بنبرة هادية وباردة زي التلج:

— “فاكرة إنك شاطرة يا مريم عشان شغالـة في بنك؟ فاكرة إن الكام ورقة دول هيحموا كِ؟ أنتِ بقيتي مراتي رسمياً، وفي نظر القانون والناس أي حاجة مضيتي عليها أو اتمضت باسمك وأنتِ في ذمتي هي مسئوليتك.. وبابا مش هيسيبك.. والأحسن لك ترجعي بنفسك قبل ما ندخل أهلك في السالفة.” سمعت خطواته وهي بتبتعد ونازلة على السلم. قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بسرعة. كان لازم أتصرف بسرعة ومن غير تردد.

الساعة كانت بقت 2 بالليل. مسكت الموبايل وطلبت رقم الأستاذ هشام، المحامي بتاع البنك اللي أنا شغالة فيه، وواحد من أكبر الخبراء في القضايا المالية والجنائية، وهو رجل ثقة جداً. — “يا ساتر يا رب.. خير يا مريم؟ في حاجة حصلت في وقت زي ده؟” — “أستاذ هشام.. أنا في مصيبة، ومحتاجة حضرتك ضروري بكرة الساعة 8 الصبح قبل ما أي مكتب يفتح.” حكيت له كل حاجة في التليفون باختصار شديد، ومن غير ما أدخل في تفاصيل العاطفة والخيانة.. حكيت له الأرقام والأسماء والشركات اللي شفتها على الفلاشة.

هشام سكت شوية، وبعدين قال بثقل: — “يا مريم.. اللي بتقوليه ده مش مجرد نصب، دي عملية غسيل أموال وتزوير واستغلال نفوذ على أعلى مستوى. لو الكلام ده صح، العيلة دي كانت بتجهزك عشان تبقي الكبش اللي يتذبح أول ما البنك المركزي أو هيئة الرقابة المالية تفتح تحقيق.. كويس إنك خرجتي، وكويس إن الفلاشة معاكي.” — “أعمل إيه يا أستاذ هشام؟ أنا خايفة على أهلي.” — “بكرة الصبح بدري، هنسجل بلاغ للنائب العام ومعانا نسخ من الفلاشة دي.. وهنقدم طلب حماية وتفتيش مبكر لحسابات الشركات دي.. الض.رب لازم يكون سريع وقاضي قبل ما يلحقوا يغيروا الأوراق أو يزيفوا التواريخ.”

طول الليل مانيتش.. كل ما أغمض عيني افتكر نادية وهي بترمي المريلة في وشي وبتقولي “تعلمي تكوني زوجة”، وأفتكر سيف وهو بيقول “أمي أسلوبها دغري”، وأفهم قد إيه كانت المسرحية محبوكة بدم بارد. الساعة 7 الصبح، نزلت من الشقة بعد ما تأكدت إن الشارع فاضي. ركبت عربيتي وتوجهت لمكتب الأستاذ هشام في وسط البلد. عملنا نسخ كاملة من الفلاشة على أكتر من هارد ديسك خارجي، وحطينا النسخة الأصلية في خزنة آمنة.

وعلى الساعة 11 الصبح، كنا قاعدين قدام رئيس نيابة الأموال العامة العليا. قدمنا البلاغ الرسمي بالوقائع: تزوير توقيعات، وتأسيس شركات وهمية باسم مواطنة بدون علمها، ومحاولة توريطها في عمليات غسيل أموال واختلاس قروض بـ 250 مليون جنيه. النيابة تحركت بسرعة غير متوقعة، لأن أسامي الشركات اللي كانت في الفلاشة كانت أصلاً تحت الرصد الشبه خفي من مباحث الأموال العامة، وكان فاضل لهم الخيط اللي يربط الشركات دي بتوفيق الهواري شخصياً.. والفلاشة دي كانت الخيط ده!

بعد يومين بالظبط.. كنت قاعدة في بيتنا مع بابا وماما بعد ما فهمتهم كل حاجة ونقلتهم مكان آمن عند خالتي في الإسكندرية مؤقتاً. التليفزيون كان مفتوح على قناة أخبار محلية.. وفجأة، المذيع قال الخبر: “ألقى رجال مباحث الأموال العامة القبض على رجل الأعمال الشهير (توفيق الهواري) ونجله (سيف الهواري)، بناءً على أمر ضبط وإحضار صادر من النيابة العامة، لاتهامهما بتأسيس شركات وهمية، وتزوير محررات رسمية وتوقيعات، وغسيل أموال بقيمة تتجاوز 300 مليون جنيه عبر تحويلات خارجية، وجاري التحقيق معهما.”

جالي اتصال من الأستاذ هشام: — “مبروك يا مريم.. النيابة تحفظت على كل أموال عيلة الهواري، وفتشوا فيلتهم في التجمع الخامس وسحبوا كل السجلات والكمبيوترات.. والتوقيعات المنسوبة ليكي أثبت الخبير اليدوي إنها متزورة بالكامل.” — “والست فاطمة؟” سألته وأنا بالي مشغول بالست اللي أنقذت حياتي. — “الست فاطمة طلبناها كشاهدة إثبات رئيسية في النيابة، ووضحت إنها كانت بتشوف توفيق وسيف وهما بيبصموا وبيمضوا على أوراق باسمك في المكتب من ورانا، وهي اللي أخدت الفلاشة من مكتب توفيق قبل ما يمشوها بساعة لما سمعتهم بيتكلموا عن الخطوبة والجواز وكيفية التخلص منك لو اكتشفتي حاجة.”

بعد أسبوعين.. رفعت قضية بطلان عقد جواز واستحكام للضرر، وقضيتهم في الجنايات مشيت في طريقها. قبل الجلسة الأولى للتحقيق، جالي اتصال من رقم غريب.. كانت نادية الهواري. صوتها المرة دي مكنش عالي ولا فيه غرور ولا كبرياء.. كان صوت ست مكسورة وبتتحايل: — “مريم.. يا بنتي، بلاش تخربي بيت العيلة. سيف بيحبك ومالوش ذنب، ده كان بيسمع كلام أبوه! تنازلي عن المحضر وإحنا هنكتبلك اللي إنتِ عايزاه.. الفيلة باسمك، والفلوس اللي تحبيها!”

بتسمت وأنا ماسكة الموبايل وقُلتلها بنبرة هادية جداً: — “يا نادية هانم.. مش أنا اللي قُلتلك من أول يوم إني مش جاية أشتغل عندكم؟ أنا متجوزتش عشان أكون خدامة ولا عشان أكون كبش فداء لفسادكم.. اعتبري اللي حصل ده درس صغير، عشان تعرفي إن العفيفة والمتربية مش هي اللي بتتخدع، والست اللي رميتي عليها المريلة هي نفسها اللي لبستكم الكلبشات.” قفلت السكة في وشها وجمعت حاجتي ونزلت رايحة شغلي في البنك.. وأنا حاسة إن الهواء لأول مرة من شهرين داخل صدري نضيف وصافي، وعرفت إن الحق لما يظهر، مافيش أي سلطة ولا فلوس تقدر تقف قدامه.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى