
مسكت إيده اللي على بوقي بكفي الاتنين بحركة عفوية وكل جسمي بيكتكت من الرعب، حاسة ببرودة صوابعه وريحة الدم المختلطة ببرفان غالي وبارد كانت مخنوقة في مناخيري. عينيه الكحلي الميتة كانت مركزة في عيني مباشرة، مفيش فيها أي لمعة رحمة ولا تردد، مجرد برود مرعب يخلي الشعر يقف. كنت بحاول أصرخ، بحاول أطلع أي صوت يلحقني، بس هو كان ضاغط بتمكن، وجسمه الضخم سادد عليا الحارة بالكامل، كأنه جدار من صلب مفيش مخرج منه. قرب وشه من وذني ونفسه الساخن ض.رب في رقبتي وهو بيهمس بصوت مبحوح زي فحيح الأفعى: “صوتك لو طلع… هتكون دي آخر حاجة تعمليها في حياتك، فاهمة؟
هزّي رأسك لو فاهمة.”
هزيت رأسي بسرعة والدموع بدأت تنزل من عيني وتغرق إيده. كنت بفكر في سيف وآدم، صورة ولادي جت قدام عيني في ثانية. سيف اللي مستنيني أرجع أقرأله القصة قبل ما ينام، وآدم اللي بيحاول يعمل فيها راجل البيت وهو لسة عود صغير. مين هيخلي باله منهم لو أنا جرى لي حاجة؟ مين هيصحيهم الصبح للمدرسة؟ الفكرة دي أدتني صدمة كهربا في جسمي، حركة مشسوبة من الخوف المطلق، رفعت رجلي وبكل قوتي ض.ربت بكعب جزمتي على وش رجله.
هو ما صرخش، بس أخد نفث مفاجئ من الوجع والقبضة بتاعته خفت ثانية واحدة، كانت كافية بالنسبة لي.
زقيته بكل ما فيا ولفت وجهي وبدأت أجري في الحارة المظلمة بأقصى سرعة عندي. جزمتي كانت بتخبط في الأرض وصوت ض.ربات قلبي كان أعلى من أي حاجة ثانية. الحارة كانت عبارة عن متاهة من الكراكيب والصفيح والأبواب المقفولة، والنور الضئيل بتاع أعمدة النور التعبانة كان بيعمل خيالات مرعبة على الحيطان. كنت حاسة بخطواته القوية والسريعة ورايا، مش بيجري بهوجة، لأ، كان بيتحرك بثبات وثقة واحد عارف إن فريسته ملهناش مخرج.
وصلت لآخر الحارة ولقيت سور مبني بطلب أحمر قديم سادد الطريق، الحارة سد! الادرينالين اتدفق في جسمي بشكل هستيري، لفيت ضهري للحيطة وأنا بتنفس بصعوبة وشكلي زي اللي بيمو.ت.
هو ظهر عند أول الحارة، بيمشي بالراحة، مسح نقطة دم صغيرة كانت على شفته مطرح ما ض.ربته، وابتسامة باردة ومريضة اترسمت على وشه. مسك السك.ينة اللي بتلمع في إيده ولفها بين صوابعه بخفة ورشاقة تخوف.
“حركة حلوة…” قالها وهو بيمشي ناحيتي بخطوات منتظمة، “بس لعب الأطفال ده بيعصبني، وأنا لما بعصب… بيبقى شكلك وحش أووي.”
وصل قدامي تمامًا، حط إيده الشمال على الحيطة جنبة رأسي، وسد عليا كل منافذ الهروب. السك.ينة كانت على بعد سنتيمترات من زوري، برود معدنها كان لمس جلدي. أغمضت عيني واستسلمت، كنت بمو.ت في السانية ألف مرة وبدعي ربنا يحمي ولادي.
بس فجأة، صوت سرينة بوليس بعيدة شقت سكون الليل، وميض أزرق وأحمر ض.رب في السما البعيدة فوق المباني.
المجرم اتصلب في مكانه. عينيه سابت عيني وبصت ناحية الشارع الرئيسي اللي جاي منه الصوت. لحظة التشتت دي كانت قشة النجاة الوحيدة. مسكت شنطتي بكل قوتي وض.ربته بيها في وشه، الشنطة كانت تقيلة وفيها المحفظة والمفاتيح، التفت رأسه مع الض.رب، وفي نفس اللحظة لمحت لوح خشب مكسور ملقي على الأرض جنب الحيطة. ووطيت مسكته وبأقصى قوة عندي ض.ربته بيه على ركبته.
أصدر صوت مكتوم من الوجع ونزل على ركبة واحدة. ما استنيتش ثانية، لفت وجريت من جنبه باتجاه الشارع الرئيسي.
الشارع كان أخيرًا بيبدأ يظهر فيه حركة، كشك سجاير مفتوح على بعد مسافة، ونور عربية البوليس كان بيعدي في الشارع الموازي. طلعت أجرّي على الكشك وأنا بصرح وبستغيث: “الحقوني! في حد هيق.تلني جوة!”.
صاحب الكشك وراجلين كانوا واقفين عنده اتخضوا وجروا عليا، وخلال دقائق كانت عربية البوليس وقفت جنبنا. كنت بتهز كلي ومش قادرة أقف على رجلي، وبشاور على الحارة وأنا مش قادرة ألم أنفاسي. الضابط نزل مع اثنين أمناء شرطة ودخلوا الحارة بسرعة وسحبوا أسلحتهم.
فضلت واقفة مستنية والناس متجمعة حواليّ بيحاولوا يهدوني ويقعدوني على كرسي بلاستيك.
بعد حوالي عشر دقائق، خرج الضابط وهو ماسك كشاف كبير، وشهم كان مشدود. قرب مني وقال بصوت جاد: “يا مدام، الحارة فاضية تمامًا… مفيش حد جوة.”
قلت له بهستيريا: “والله كان جوة! كان لابس بدلة سودا وفي دم، وكان معاه ج.ثة راجل رميها على الأرض!”
الضابط بص لأمين الشرطة اللي معاه وبصلي باهتمام أكبر، وقال: “احنا لقينا بقع دم على الأرض، ولقينا السك.ينة دي ملقية في الكراكيب… بس مفيش بني آدمين. الراجل اخت.فى، وواضح إنه أخد الج.ثة معاها أو هرب من مخرج تاني.”
الضابط أخد بياناتي ووصلوني لحد البيت بركوب عربية البوليس عشان أكون في أمان.
طول الطريق كنت حاسة إن العينين الكحلي الميتة دي لسة بتبص عليا من وسط الضلمة. وصلت البيت دخلت بالراحة، لقيت جارتنا نايمة على الكنبة في الصالة، وسيف وآدم نايمين جوة في سريرهم بسلام. ح.ضنتهم بكل قوتي وأنا بعيط من غير صوت، حاسة إن ربنا كتبلي عمر جديد عشانهم.
عدى أسبوع على الليلة دي، بس الحياة مادتش زي الأول. بقيت بخاف أخرج بعد المغرب، وكل صوت في الشارع كان بيخليني أترعب. البوليس كلمني مرة واحدة يسألني عن أوصاف الراجل، بس قالوا إن الكاميرات في المنطقة كانت عطلانة ومفيش أي أثر يدل على هويته.



