
في يوم، كنت راجعة من الشغل بدري، الساعة كانت حوالى أربعة العصر، والشمس لسة طالعة. الشارع كان مليان ناس، وده أدانى شوية أمان. وصلت باب الشقة، طلعت المفاتيح وفتحت الباب. دخلت وحطيت الأكياس على الترابيزة.
لفت عشان أدخل المطبخ، بس وقفت في مكاني تمامًا.
على ترابيزة السفيرة في الصالة، كان في علبة كرتون متغلفة بهدية أنيقة جدًا بلون أسود وشريط ذهبي. جنب العلبة، كان في ورقة مطوية صغيرة.
بيتنى كان مقفول بالترباس، وماكانش في أي أثر لاقتحام. قربت بخطوات مرعوبة من الترابيزة، إيدي كانت بتهتز وهي بتمسك الورقة. فتحتها ولقيت مكتوب فيها بخط يد جميل ومنتظم:
“هربتي المرة اللي فاتت يا قطة… بس الشارع طلع صغير أووي. سيف وآدم شكلهم أطفال حلوين، حرام يتحرموا من أمهم بدري… إلا لو لعبنا اللعبة صح المرة دي. افتحي العلبة.”أنفاسي اتجمدت في زوري، والورقة وقعت من إيدي على الأرض كأنها جمرة نا.ر. عينيا اتسمرت على العلبة السودا اللي معطرة ببرفان غالي وبارد… نفس الريحة اللي كانت خنقاني في الحارة. الرعب شل تفكيري، وعقلي مش قادر يستوعب إن الشخص ده عرف بيتي، وعارف أسامي ولادي! “سيف وآدم”… الكلمتين كانوا بيلفوا في دماغي وزي ما يكونوا خنجر غرس في قلبي.
قربت من العلبة بخطوات مرعوبة، إيدي كانت بتهتز لدرجة مش عارفة أمسك الشريط الدهبي. شديته بالراحة، وشيلت غطا العلبة.
جوة العلبة كان فيه ساعتي القديمة اللي وقعت مني وأنا بجري منه في الحارة… وبجوارها تليفون جديد خالص، شاشته نورت في نفس اللحظة اللي فتحت فيها العلبة، ورن بنغمة مكتومة خلت قلبي يقع في رجلي.
مسكت التليفون وأنا بكتكت، وفتحت الخط بالرحمة وأنا مش قادرة أطلع الصوت.
“مبتحبيش تتأخري على مواعيدك… صح يا سما؟”
الصوت المبحوح المرعب جا من السماعة، نفس الصوت اللي شق ضلمة الحارة.
رديت بصوت متقطع وبكاء مكتوم: “انت مين؟ وعايز مني إيه؟
حرام عليك… ولادي مالهمش ذنب!”
ضحك ضحكة هادية وبطيئة تخلي الجسم يقشعر، وقالي: “ولادك في أمان… طول ما إنتي بتسمعي الكلام. التليفون ده مش حكاية، وده الخط الوحيد اللي بيني وبينك. الشرطة مش هتقدر تحميكي، ولو فكرتي تبلغيهم أو تمشي من البيت… هعتبر اللعبة انتهت، وحسابها هيكون غالي أووي على الصغيرين.”
سكت لثواني، ونفسه الهادي كان مسموع في السماعة، وبعدين كمل بصوت واطي وزي ما يكون بيهمس في وذني:
“قدامك نص ساعة بالضبط… سيف وآدم ز زمانهم راجعين من المدرسة. أظن مش حابة إنهم يشوفوا مامتهم في حالة انهيار؟ امسحي دموعك، والبس حاجة أنيقة…
عشان فيه عربية سودا هتقف تحت العمارة كمان ساعة، وسواقها هيسلمك طرد تاني. لو فتحتيه صح… هنبدأ نلعب بشروطي.”
الخط اتعدم والشبكة قطعت. وقفت في نص الصالة، الشقة كانت ساكتة تمامًا، وصوت تكتكة الساعة على الحيطة كان زي العد التنازلي لكارثة. وفجأة، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة من برة، وصوت ضحك سيف وآدم طالع من السلم…صوت ضحكات سيف وآدم على السلم كان زي طوق نجاة انتشلني من كابوس، بس في نفس الوقت كان أفزع صوت أسمعه..لأن حياتهم بقت هي الرهان في اللعبة المرعبة دي. مسحت دموعي بسرعة، ورميت التليفون والعلبة جوة دولاب هدومي وقفلته بالمفتاح.
جريت على الحمام، غسلت وشي بمية باردة، ووقفت قدام المراية بأخد نفس عميق وبحاول ألملم أشتاتي عشان أظهر قوية قدامهم.
دخلوا الشقة وزي العادة سيف رمى شنطته على الأرض وجري يح.ضني، وآدم بيحكي بطفولية عن يومه في المدرسة. كانت إيدي بتهتز وأنا بطبطب عليهم وببوسهم، وعقلي في مكان تاني خالص. وقت الساعات كان بيعدي زي الثواني، وكل دقيقة بتمر كانت بتعصر قلبي.
الساعة جَت بالضبط. سمعت صوت كلاكس عربية تحت العمارة، صفارة منتظمة وباردة.
بصلت من شباك الصالة المستور بالستارة، لقيت عربية سودا فخمة بفييه غامق واقفة تحت، وشاب لابس قميص أسود نزل منها ومسك في إيده شنطة جلد أنيقة، وطلع السلم.
دقايق والبواب خبط على الباب وسلمني الشنطة وهو بيسألني باستغراب عن العربية، ردّيت باقتضاب وقَفلت الباب بسرعة. دخلت الأوضة وقفلتها عليا بالمفتاح. فتحت الشنطة وأنا نفسي مقطوع.. كان جوة الشنطة ملف أسود كبير، وفوقيه التليفون الجديد رن تاني.
رديت بقلب بيلطش في قفصي الصدري: “أنا أهو.. عايز إيه تاني؟”
جالي صوته المبحوح، هالمني الهدوء والثقة اللي في نبرته: “شاطرة يا سما.. بتسمعي الكلام.
الملف اللي قدامك ده فيه تفاصيل وأوراق شركة محاسبة كبيرة. صاحب الشركة ده راجل فاسد، وهربان من قضايا كتير.. وهو نفس الراجل اللي شفتيه تحت إيدي في الحارة الليلة إياها.”
اتصدمت وسكتّ، فكمل بنبرة حادة كالسيف: “الراجل ده كان فاكر إنه يقدر يهرب بفلوس ناس كتير، بس أنا مبنساش.. الملف ده فيه الأدلة اللي هتدمره، بس أنا محتاج حد بيفهم في الحسابات زيك يدخل الورق ده في سيستم الشركة من جوة عشان الملايين ترجع لأصحابها والشرطة تقبض عليه هو، مش أنا.”
قلت بصوت مرعوب وبكاء: “أنا مجرد محاسبة بسيطة! تدشني في متاهات مافيا وجرايم ليه؟
سيبني في حالي وأنا أوعدك مش هتكلم!”
ضحك ضحكته الباردة وقالي: “لأنك كنتِ في المكان الغلط في الوقت الغلط يا حلوة.. وده قدرك. قدامك أسبوع واحد بس تشتغلي على الملف ده وتنفذي اللي فيه بالحرف. لو نجحتي.. الملف هيوصل للنيابة، والراجل ده هيروح ورا الشمس، وساعتها السر هيتدفن معاه، وهتختفي من حياتك وحياة سيف وآدم للابد وتعيشي في أمان.”
سكت لثواني، وبعدين ضاف بنبرة خلت قشعريرة تسري في جسمي كله: “ولو رفضتي أو فكرتي تلعبي من ورايا.. الملف ده مش هيكون الحتة الوحيدة اللي هتتدمر.”
الخط قطع. مسكت الملف بين إيديا وأنا بحس بتقل المسؤولية والرعب.
بصيت من فتحة الباب المواروار على سيف وآدم وهما بيلعبوا بسبات وبراءة في الصالة.. أخدت نفس عميق، وقفلت الدولاب على الأوراق، وأنا عارفة إن حياتي القديمة انتهت خلاص، وإن من الليلة دي.. أنا بدأت أخطر شوط في حياتي عشان أحمي ولادي، واللعبة يلا دوب بدأت.




