
هي كانت هنا أغلقت المكالمة مع أخيها، ثم ألقت هاتفها جانبًا، ورفعت عينيها نحو الشاشة المعلقة أمامها. قطبت جبينها بدهشة، وتمتمت لنفسها:
— معقول ده تليفزيون؟
وقعت عيناها على جهاز التحكم الموضوع بعيدًا عنها قليلًا. مدت يدها نحوه، لكنها لم تستطع الوصول إليه. تنهدت بضيق، ثم نفضت الغطاء عن جسدها وحاوطت بطنها بكفها.
حاولت النهوض.. خطوة… ثم أخرى.
لكن الألم كان يزحف في جسدها مع كل حركة، حتى شعرت وكأن جرحها يصرخ اعتراضًا على عنادها. مدّت يدها بصعوبة، التقطت جهاز التحكم، وما إن جلست على حافة الفراش حتى انقبض وجهها فجأة.
ألم حاد مزق موضع جرحها.
شهقت، وضغطت كفها عليه، ثم انسابت دموعها دون استئذان.
في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتفها.
التفتت إليه بعينين مغرورقتين، وظلت تنظر إليه للحظات، عاجزة حتى عن مد يدها. ظل الهاتف يرن… ويرن، حتى استجمعت ما تبقى من قوتها ورفعته.
رقم غريب.
ظنت أنه أحد أصدقائها يطمئن عليها.
— ألووو…
خرج صوتها ضعيفًا، مرتعشًا، يحمل بين حروفه ألمًا وبكاءً مكتومًا.
كان متجهًا في طريقه إلى غرفة الاجتماعات، لكنه توقف فجأة حين وصل إلى أذنه صوتها.
تغيرت ملامحه في لحظة.
— ليلى… عاملة إيه؟
لم تنتبه من شدة المها إلى صاحب الصوت.
— مين؟
— أنا عمران… بطمن عليكِ. إنتِ كويسة؟
ما إن سمعت اسمه حتى انهارت دموعها أكثر، وضمت كفها إلى موضع الألم وهي تقول بصوت متقطع:
— عايزة فريد… أنا موجوعة أوي.
توقف قلبه للحظة.
صوتها الباكي اخترق شيئًا داخله لم يكن يعرف بوجوده.
— ليلى…
لكنه لم يسمع ردًا.
أغلق الهاتف، واستدار سريعًا، متجاهلًا دهشة من حوله، واتجه إلى المشفى.
كان يقود وكأن الطريق يضيق عليه، وكل ما يدور في رأسه جملة واحدة:
أنا موجوعة أوي.
لماذا أثرت فيه إلى هذا الحد؟
لماذا أصبح صوت بكائها قادرًا على زعزعة كل شيء بداخله؟
بعد دقائق، وصل إلى المشفى.
دفع باب الغرفة بعجلة، وأخذ يبحث عنها بعينين يملؤهما القلق.
— ليلى!
خرج اسمها منه كهمسة مرتجفة.
وجدها جالسة على طرف الفراش، تضم بطنها بذراعيها، تبكي في صمت، بينما انسدلت خصلات شعرها أمام وجهها.
اقترب منها سريعًا.
رفعت رأسها، وما إن وقعت عيناها عليه حتى ازداد بكاؤها، دون أن تعرف هي نفسها لماذا.
ربما لأنها كانت تتألم، وربما لأن رؤيته جعلتها تشعر أخيرًا أنها ليست وحدها.
— بطني…
بطني بتوجعني أوي.
لم يتردد.
وصل إليها بخطوة واحدة، وضغط زر الاستدعاء، ثم انحنى وحمل جسدها برفق، وأعادها إلى الفراش.
تعلقت أصابعها بسترة بدلته، وصوتها خرج كطفلة تبحث عن الأمان:
— عايزة فريد…
قبض فكه، وشعر بوخزة غريبة في صدره.
دخلت الممرضة مسرعة، وما إن رأت عمران حتى ارتبكت.
— محتاجة حاجة؟
رفع رأسه إليها، وكانت نظراته مشتعلة بغضب لم يكن سببه الممرضة وحدها.
— دي اللي قولتِ ما تخرجيش من جنبها؟
— والله يا عمران بيه…
رفع يده ليوقفها.
— ابعتي الدكتور فورًا. إنتِ هتصاحبيني بعدين.
خرجت الممرضة مسرعة، بينما عاد إليها.
— اهدي خلاص…
لكنها لم تهدأ.
— آه… بطني… بطني. عايزة فريد.
أمسك يدها التي كانت تضغط بها على بطنها، ثم تجمدت عيناه حين رأى آثار الدماء على أصابعها.. انقبض قلبه بعنف.
لأول مرة، شعر أن رؤية دمائها تؤلمه أكثر مما ينبغي.
أنينها… دموعها… ضعفها…
كل شيء فيها كان يقتله ببطء.
دلف الطبيب مسرعًا، فأشار إليه عمران دون كلمة.
بدأ الطبيب بفحصها، وبعد لحظات اتضح أن جزءًا من الجرح قد انفتح بسبب الحركة المفاجئة.
ظل الطبيب يعالج الجرح ويضمده، بينما وقف عمران أمام النافذة، يحدق في الخارج دون أن يرى شيئًا.
هاتفه لم يتوقف عن الرنين.
وأخيرًا رفعه.
— عمران بيه، حضرتك فين؟ الاجتماع…
قاطع المكالمة ببرود:
— ألغيه.
— بس يا فندم…
— مش فاضي.
قالها وأغلق الهاتف.
استدار، فوجد الطبيب ينتهي من تض,ميد الج,رح.
— الجرح فتح جزء بسيط منه. واضح إنها اتحركت بطريقة غلط. دلوقتي الألم هي,هدى، بس لازم ترتاح وممنوع أي حركة مجهدة.
أومأ عمران، ثم وقعت عيناه على دموعها.
تقدم نحوها، وقال للطبيب بنبرة حاسمة:
— اطلع برة.
— بس يا عمران بيه…
— اطلع.
خرج الطبيب دون كلمة.
اقترب عمران من الفراش، وانحنى قليلًا أمامها.
— خلاص… الو,جع هيهدى. حاولي تنامي.
هزت رأسها، وما زالت شه,قاتها تتق,طع بين أنفاسها.
رفع يده بتردد، وكأنه للمرة الأولى يخشى لمس شيء، ثم مرر أنامله برفق على خدها، يمسح دموعها.
توقفت أنفاسه للحظة.
كانت صغيرة إلى درجة أربكته، وضعيفة إلى درجة جعلته يشعر برغبة غريبة في حمايتها من كل شيء.
سحب المقعد وجلس بجوارها.
مرت الدقائق ببطء.. وعيناه لا تفارقانها.
ثم ابتسم بسخرية خافتة من نفسه، وتمتم:
— معقول يا عمران… معقول البنت دي رجعتك مراهق؟
ظل بجوارها أكثر من ساعة.
لم يغادر.لم يستطع حتى حين بدأ الهدوء يعود إلى ملامحها، بقي مكانه، وكأنه يخشى أن تفتح عينيها فلا تجده.
وبعد وقت، تحركت رموشها ببطء.
فتحت عينيها…فوجدته أمامها.
ما زال بجوارها
حدقت فيه لحظات، ثم همست:
— إنت لسه هنا؟
ابتسم، تلك الابتسامة التي لم تكن تعرف أنها أصبحت قادرة على بعثرة قلبها.
— عايزاني أمشي؟
لم تجبه.
خفضت عينيها، لكن قلبها كان يجيب بدلًا عنها، يخفق بعنف حتى شعرت أنها ستسمعه أذناها.


